لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، بل أصبح فضاء تتشكل داخله القناعات، وتُبنى فيه الهويات، وقد تستغل عبره مشاعر الشباب واحتياجاتهم النفسية والاجتماعية لاستقطابهم نحو خطابات متشددة. ولا تكمن خطورة الظاهرة في استخدام التكنولوجيا بحد ذاته، بل في تحول بعض البيئات الرقمية إلى مساحات تعيد إنتاج الكراهية، وتغذي الانغلاق الفكري، وتدفع الاختلاف من دائرة الحوار إلى دائرة العداء.
وتكتسب القضية أهمية خاصة في الأردن، حيث تشير نتائج مسح وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة لعام 2024 إلى أن 95.6% من الأفراد يستخدمون الإنترنت، وأن 97.5% من الأسر تمتلك هاتف ذكي. كما بلغت نسبة الاستخدام اليومي للإنترنت 94.8%. وتعكس هذه الأرقام اتساع البيئة الرقمية التي يتحرك فيها الأردنيون، وإن كانت لا تعني أن هذه النسب تخص الشباب وحدهم، أو أن الانتشار الرقمي يؤدي تلقائي إلى التطرف.
إن هذا الانتشار يفرض سؤال يتجاوز عدد ساعات الاستخدام: ماذا يحدث لوعي الشباب عندما تصبح الخوارزميات وسيط أساسي في اختيار ما يشاهدونه، وتحديد القضايا التي تستحوذ على اهتمامهم، وتكرار الرسائل التي يتفاعلون معها؟
تبدأ إحدى حلقات الاستقطاب عندما تتكرر أمام المستخدم رسائل تتوافق مع اهتماماته، فتبدو له الرواية الواحدة وكأنها الحقيقة الكاملة. وقد تسهم أنظمة التوصية في تعزيز هذا النمط، بالأخص عندما تقترن بالمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الشعور بالتهديد. غير أن العلاقة ليست حتمية؛ إذ تؤكد دراسة اليونسكو حول الشباب والتطرف العنيف عبر وسائل التواصل الاجتماعي ضرورة بناء التفسيرات والسياسات على الأدلة، لا على افتراض أن الإنترنت سبب مباشر للتطرف.
ولنفترض، على سبيل المثال، أن شاب شاهد مقطع مجتزأ يسيء إلى جماعة اجتماعية معينة، فتفاعل معه بدافع الغضب. ثم بدأت تظهر أمامه مقاطع مشابهة وتعليقات تؤكد أن تلك الجماعة تمثل تهديد، بينما تغيب الروايات المقابلة والمعلومات الموثقة. ومع تكرار التعرض، قد ينتقل من استنكار موقف محدد إلى تعميمه على جماعة كاملة، ثم إلى تبرير إقصائها أو التحريض ضدها. هذا مثال توضيحي لمسار محتمل، وليس دليل على أن كل مستخدم يتعرض لهذا المحتوى سيتجه إلى التطرف.
وتزداد خطورة المسألة مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يتيح إنتاج صور ومقاطع وأصوات مصطنعة قد تستخدم لتزييف الوقائع وإثارة الانقسامات. وهنا تصبح مهارة التحقق ضرورة لحماية الوعي، لا مجرد مهارة تقنية.
ولا تكمن الاستجابة في مصادرة الهواتف أو التعامل مع الشباب بوصفهم موضع اتهام، بل في تمكينهم من فهم آليات التأثير الرقمي. ويتطلب ذلك إدماج التربية الإعلامية والرقمية في المدارس والجامعات، وتعليم الشباب التحقق من المصادر، ومقارنة الروايات، والتعرف إلى المحتوى المصطنع، والتمييز بين الاختلاف الفكري والتحريض على الكراهية.
كما ينبغي تعزيز الحوار الأسري، وتوفير مساحات شبابية للمشاركة والتعبير، وتطوير مسؤولية المنصات عن المحتوى المحرض، من دون تحويل مكافحة التطرف إلى مبرر لتقييد حرية التعبير.
إن الرهان الحقيقي في الأردن لا يتمثل في تقليل حضور الشباب في العالم الرقمي، بل في رفع قدرتهم على التعامل معه بوعي نقدي. فالهاتف الذي قد يصبح أداة للاستقطاب يمكن أن يتحول أيضا إلى وسيلة للتعلم والمبادرة ومواجهة التضليل.
في النهاية، لا يصنع الهاتف وحده متطرف، لكن غياب الوعي النقدي، وضعف الانتماء، واستغلال الخوارزميات للمشاعر، قد تجتمع لتفتح الطريق أمام الاستقطاب. لذلك، فإن حماية الشباب تبدأ من بناء عقل يسأل ويتحقق ويناقش، ولا يكتفي بتصديق ما يتكرر أمامه؛ لأن المجتمعات لا تحمي مستقبلها بإبعاد أبنائها عن التكنولوجيا، بل بتمكينهم من استخدامها دون أن يفقدوا استقلالية تفكيرهم.
كما أن حماية الشباب الأردني من الاستقطاب والتطرف ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مشروع وطني تتكامل فيه الأسرة والجامعة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني. فالمعركة الحقيقية ليست مع الهواتف، بل مع الأفكار التي تتسلل عبرها؛ والانتصار يبدأ حين نمنح الشباب الوعي والفرصة والثقة ليكونوا صُناع المحبة، لا ضحايا الكراهية.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات