م.صلاح طه عبيدات يكتب: عبودية الانتظار

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 15650
م.صلاح طه عبيدات يكتب: عبودية الانتظار
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

يصرّ طيفك يا صلاح الدين أن يتسمّر في قلب المشهد؛ يقف شاخصاً ملؤه الذهول والغرابة، ينظر إلينا بعينين تجلت فيهما دهشة الفاتحين: كيف لأمةٍ حمتها شفرات السيوف أن تصبح اليوم أسيرة الترصد والانتظار، تلتمس نصرها من صناديق اقتراع أعدائها؟ ومن حجب الزمان الغابرة، ينسلّ خالد بن الوليد طالعاً من غبار الوغى، يجرّ خلفه رداء المجد المستباح، يرمقنا وفي عينيه عتاب القرون: أي سرابٍ هذا الذي يسكنكم، وكيف لمَن سقى الأرض بدمائه أن يرثه أحفادٌ يرقبون كسر قيدهم من يد السجّان نفسه؟ إنها الفجيعة الفلسفية حين يرتدّ أبطال الماضي ليروا أن الذاكرة لم تعد وقوداً للفعل بل مرثاةً يُستجدى بها العزاء، فأنتم جئتم من زمنٍ يُصنع فيه الواقع باليقين، ونحن غرقنا في زمنٍ يُقاد فيه المصير بالوهم.
​من هنا يبدأ التيه، حين ما زال بعضنا يمارس التقوقع في أضيق جغرافية، فنحاول صناعة سردية الحارة وننسى الوطن.. فأي فكر وأي وعي هذا الذي يستبدل الأفق الرحب بضيق الخنادق الصغيرة؟ يصبح الوعي مستورداً يستجدي فجره من صناديق أعدائه، فنرقص جذلين على إيقاع التغيير المزيف للجلاد، متوهمين أن نتوءات الخلافات الداخلية هي فجوات في سور السجن. نفرح لسقوط نتنياهو ونستبشر بصعود آيزنكوت، وأي هذيانات هذه التي تجعلنا نخلط «طز» برنين «مرحبا»؟ إن السياسة الإسرائيلية ليست سرداً فردياً بل هي آلة صماء تتجذر في بنيان الاستعمار؛ فالأول يمارس غطرسة الإبادة علناً، والثاني يمارس القهر بذخيرة الهدوء، وكلاهما يتفقان على اغتصاب الأرض ومحو الهوية. فأن نصفق للثاني لمجرد مخالفته للأول في الأسلوب فهذا أقصى الإفلاس؛ كمن يفرح لأن حبل المشنقة صُنع من حرير لا من قنب.
​لقد تراجعنا من موقع "صانع التاريخ" إلى مرتبة "مستهلك الحدث"، نقتات على فتات تصريحاتهم وننتظر أن يصنعوا لنا مستقبلنا، بل ونتملق المسؤول على حساب كرامتنا لنلمع له الحذاء بشوارب كبريائنا! فأي أمة نحن، والعدو يعرفنا حق المعرفة: يفرقنا متى شاء، ويجمعنا إذا اقتضت مصلحته؟ فالعدو يتبدل على كراسي الإعدام، ونحن نبدل آمالنا بغباء مثير للرثاء، عاجزين عن إدراك أن الاحتلال باقٍ ما دام وعينا يرتزق من موائد خصومنا.
​كفوا عن هذا العبث، فإن تغيير الجلاد لا يعني كسر القيد؛ ولعل السؤال الذي يمزق استكانتنا قبل أن نترقب نتائجهم: إلى متى سنظل ننتظر أن يغير الآخرون واقعنا، بينما نحن أجبن من أن نغير ما بأنفسنا؟
​
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم