أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: حين تصبح المجاملة الإدارية شكلاً من أشكال الفساد الصامت

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 22742
أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: حين تصبح المجاملة الإدارية شكلاً من أشكال الفساد الصامت
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

ليس كل فسادٍ في المؤسسات صفقةً تُعقد في الخفاء، أو مالاً يُدفع مقابل خدمة، أو قراراً يُتخذ لتحقيق منفعة غير مشروعة. فهناك نوع آخر أكثر هدوءاً وأقل إثارة للانتباه، يتسلل إلى العمل اليومي تحت عناوين تبدو بريئة، مثل مراعاة الخواطر، والحفاظ على العلاقات، وتجنب الإحراج. يبدأ بكلمة ثناء لا تستند إلى إنجاز، أو بملاحظة مهنية يجري إخفاؤها، أو بخطأ يُتجاوز عنه حفاظاً على الود، ثم يتكرر حتى تصبح المجاملة بديلاً عن التقييم، والصمت بديلاً عن المساءلة، والعلاقات الشخصية معياراً غير معلن للحكم على الأشخاص والقرارات. وعند هذه النقطة لا تعود المسألة مجرد سلوك اجتماعي عابر، بل تتحول إلى خلل إداري يمس جوهر العدالة والنزاهة.

ولا يعني ذلك أنّ على المؤسسات أنْ تتخلى عن اللباقة أو أنْ تتحول علاقات العاملين فيها إلى مواجهات دائمة؛ فالاحترام المتبادل وحُسن التعامل عنصران أساسيان في أي بيئة عمل سليمة، غير أنّ الفارق كبير بين مجاملة تحفظ كرامة الإنسان ومجاملة تحجب الحقيقة عنه أو تمنحه ما لا يستحق؛ إذ يمكن للمسؤول أنْ يختلف مع أحد موظفيه دون أنْ يسيء إليه، وأنْ يرفض مقترح زميله دون أنْ ينتقص مِن قيمته، وأنْ يوضح قصور الأداء دون أنْ يحوّل التقييم إلى عقوبة شخصية. أما حين يصبح إرضاء الأشخاص أهم مِن إنصافهم، فإنّ المؤسسة تبدأ بدفع ثمن أخطاء لم يجرؤ أحد على تسميتها.

تتجلى خطورة هذه الظاهرة بوضوح في تقييم الأداء. فحين يحصل الموظف المجتهد والموظف المتقاعس على تقدير متشابه لأن الرئيس لا يريد إغضاب أحد، تبدو النتيجة في ظاهرها مريحة للجميع، لكنها في حقيقتها تُضعف قيمة الإنجاز وتبعث برسالة قاسية إلى أصحاب الكفاءة: الجهد الإضافي لا يصنع فرقاً. ومع تكرار هذه الممارسة يفقد التقييم وظيفته بوصفه أداة للتطوير والإنصاف، ويتحول إلى إجراء شكلي تُوزع فيه الأحكام الإيجابية بسخاء، بينما تتراكم المشكلات الحقيقية بعيداً عن الأوراق الرسمية؛ والأسوأ أنّ المؤسسة قد تكافئ مَن يجيد بناء العلاقات أكثر ممن يجيد أداء المسؤوليات.

ولا تقف المجاملة الادارية عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى الاجتماعات واللجان والقرارات. فكم مِن فكرة ضعيفة حظيت بالموافقة لأنّ صاحبها مسؤول كبير، وكم مِن اعتراض مِهْني جرى ابتلاعه حتى لا يُفسَّر على أنه تحدٍّ أو خروج عن الانسجام. وفي مثل هذه الأجواء لا تكون المشكلة في غياب الخبرات، بل في غياب المساحة التي تسمح للخبرة بأنْ تقول رأيها. وقد تجتمع حول الطاولة عقول قادرة على كشف مواطن الخلل، ثم يصدر القرار وكأن الجميع مقتنع به، لأن ثقافة المؤسسة تجعل الموافقة أكثر أماناً مِن المصارحة. وهكذا يتشكل إجماع ظاهري لا يعكس قوة القرار، بل هشاشة المناخ الذي أُنتج فيه.

ويصبح الأمر أشد خطورة عندما تنتقل المجاملة إلى التقارير والمؤشرات. فالمسؤول الذي يتلقى أرقاماً مُجمَّلة، ووصفاً منقوصاً للتحديات، ونسب إنجاز صيغت لتبدو مطمئنة، لا يمتلك صورة حقيقية عمّا يحدث في مؤسسته. وربما يتخذ قرارات تبدو منطقية استناداً إلى معلومات غير دقيقة، فيضاعف المشكلة بدلاً مِن معالجتها. وهنا تظهر مفارقة مؤلمة: قد لا يقصد مَن أخفى الحقيقة إلحاق الضرر بالمؤسسة، بل كان يظن أنه يحمي رئيسه أو يحافظ على صورة المؤسسة، لكنه في الواقع يحرمها مِن أهم شروط الإدارة الرشيدة، وهو القدرة على رؤية الواقع كما هو لا كما نحب أنْ نراه.

ولعل أخطر ما في الفساد الصامت أنه لا يحتاج دائماً إلى اتفاق مسبق أو نية سيئة واضحة؛ إذ يكفي أنْ يعرف الموظف أنّ كشف الخطأ سيجعله شخصاً «صعباً» وأنْ يدرك المدير أنّ محاسبة المقصّر ستفسد علاقته به، وأنْ يقتنع عضو اللجنة بأنّ تسجيل تحفظه لن يغير النتيجة، حتى تتحول المجاملة إلى قاعدة سلوكية غير مكتوبة. وعندما تستقر هذه القاعدة تصبح الحقيقة عبئاً على مَن يقولها، بينما تتحول المسايرة إلى مهارة يُكافأ أصحابها بالقبول والقرب مِن دوائر القرار. ومثل هذه البيئة لا تصنع الفساد وحده، بل توفر له ما يحتاج إليه مِن صمت وتبرير وتطبيع.

ومِن الظلم، في المقابل، أنْ نحمّل الموظف وحده مسؤولية الصمت إذا كانت مؤسسته تعاقب النقد أو تخلط بين الرأي المهني والولاء الشخصي. فالمناخ الإداري تصنعه القيادة قبل أنْ تعكسه سلوكيات العاملين، وحين يحيط المسؤول نفسه بمن يوافقونه دائماً، فإنه لا يفقد الأصوات المختلفة فحسب، بل يفقد تدريجياً قدرته على اختبار صحة أحكامه. والقائد الواثق لا يبحث عمن يصفق لقراراته، وإنما عمن يساعده على اكتشاف عيوبها قبل أنْ تتحول إلى خسائر. ومِن هنا فإنّ احترام التسلسل الإداري لا ينبغي أنْ يعني تعطيل العقل، كما أنّ الانتماء للمؤسسة لا يُقاس بالقدرة على تبرير أخطائها.

إنّ كلفة هذه الممارسات لا تظهر بالضرورة في بند مالي واضح، لكنها تتسلل إلى الوقت المهدور، والقرارات المتعثرة، والفرص الضائعة، وتراجُع ثقة العاملين بعدالة مؤسساتهم. فحين يرى الموظف أنّ الترقية قد تتأثر بمدى القرب مِن المسؤول، وأنّ الملاحظة الجادة أقل قيمة مِن الإطراء، وأنّ الخطأ يختفي بالتغاضي لا بالتصحيح، فإنه يفقد الحافز إلى المبادرة، وربما يختار الانسحاب النفسي مِن العمل ولو بقي حاضراً في مكتبه. ومع الزمن لا تُصاب الإجراءات وحدها بالضعف، بل تتضرر الثقافة التنظيمية نفسها، وهي الأصعب إصلاحاً والأكثر تأثيراً في مستقبل المؤسسة.

ومواجهة هذا النمط مِن الخلل لا تبدأ بالشعارات ولا بالدعوة إلى القسوة في التعامل، بل بإعادة الاعتبار إلى الصراحة المهنية المنضبطة. فالتقييم يجب أنْ يستند إلى معايير معلنة وأدلة قابلة للمراجعة، ومحاضر الاجتماعات ينبغي أنْ تتيح تسجيل الرأي المخالف دون إدانة صاحبه، والتقارير يجب أنْ تكشف جوانب الإخفاق كما تكشف الإنجازات. والأهم أنْ يقدّم المسؤولون أنموذجاً عملياً في تقبّل النقد، والاعتراف بالخطأ، وتصحيح القرار عند ظهور معلومات أفضل. وحين يشعر الموظف أنّ قول الحقيقة لا يهدد مستقبله، وأنّ العدالة لا تُفسد العلاقات بل تحميها، تصبح النزاهة سلوكاً يومياً لا مجرد قيمة معلقة على الجدران.

ما تحتاج إليه مؤسساتنا ليس إدارة خالية مِن المشاعر، وإنما إدارة تعرف متى تكون المجاملة فضيلة ومتى تصبح تنازلاً عن الحق. فالكلمة الطيبة لا تبرر تقريراً مضللاً، واحترام الزميل لا يقتضي السكوت عن تقصيره، والمحافظة على العلاقة مع المسؤول لا تمنح أحداً الحق في تزيين واقع يستدعي التصحيح. إنّ المؤسسة التي تُغضبها الحقيقة أكثر مما يُقلقها الخطأ تُراكم أسباب ضعفها بيديها. وقد يكون الفساد الأكثر خطورة ليس ذلك الذي نسمع ضجيجه عند انكشافه، بل ذلك الذي ينمو في هدوء، كلما قال أحدهم ما لا يؤمن به، وسكت آخر عمّا كان ينبغي أنْ يقوله.

*رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم