ليست حادثة عابرة تمر مرور الكرام، ولا حدث الساعة الذي يُستهلك في المجالس والتجمعات، ثم يُطوى بحديث آخر، بل هي جرح عميق قد يلتئم مع مرور الزمن، ولكن تبقى آثاره غائرة في وجدان الوطن، وتظل ذكرى مؤلمة لا تمحوها السنين.
وبالرغم من وضوح الموقف الوطني والشعبي تجاه هذه الحادثة الأليمة التي آلمتنا جميعًا واستهدفتنا جميعًا، مسلمين ومسيحيين، ذكورًا وإناثًا، كبارًا وصغارًا، وقوبلت بالوجع والحزن والرفض المطلق والاستهجان والتبرؤ من منفذيها وفكرهم الضال المضل، إلا أننا أمام تحدٍّ خطير يفرض علينا أن نكون أكثر وعيًا وانفتاحًا، وحرصًا على إعطاء هذه الحادثة وأبعادها أولوية قصوى.
ولنتفق بدايةً على أن ديننا الإسلامي واضح وصريح، ظاهره كباطنه، وكتابنا واحد في العالم أجمع، بتعليماته وأوامره ونواهيه، وبكل ما جاء فيه، وأن سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مدرسة لنا، موضحة ومفسرة ومرشدة، ومن حاد عنها فقد جانب الصواب، وزلّ وضلّ، ووقع فيما لا يُحمد عقباه.
لن أدافع عن الإسلام الحق، بتعاليمه الواضحة، وتسامحه، وإنسانيته، ونظامه التكاملي، وموقفه من هذه الجريمة النكراء؛ فحتى المسيحيون منا، أكاد أجزم أنهم يعرفون عن ديننا تمامًا ما نعلمه نحن، ويدركون أن ديننا يرفض ما قامت به تلك الثلة من المأفونين ومن يقف خلفهم ومن يغذي فكرهم بهذه السموم فحسب، بل يحرّمه تحريمًا تامًا.
إنهم يعرفون ديننا حق المعرفة بحكم التعايش والدراسة والعلاقات والصداقات والجيرة والتعامل. ولطالما دار نقاش ودي بيني وبين أصدقائي وزملائي من المسيحيين حول بعض الأمور والمسائل، وكانت جميعها تصب في قالب المعرفة والتوضيح وتفسير بعض الآيات والنصوص، وكنا نناقشها بكل حب وود وقبول، دون إساءة أو تجريح، وبكل احترام ومراعاة لمشاعر الآخر من كلا الطرفين.
والقضية الأهم والدرس المستخلص من هذه الحادثة هو: أين نحن من ديننا وتعاليمه؟ أين نحن من الفهم الحقيقي السليم لمقاصد ديننا؟ أين نحن من البناء السليم الذي تبنيه العقيدة السليمة للنفس والروح والفكر والقلب والجسد؟
تعلّمنا أن نفتح عيوننا جيدًا لنعرف أين نحن، وأين نقف، وإلى أين نسير.
وتعلّمنا أن هناك تعليمات وإجراءات متخذة يجب مراجعتها جيدًا وبكل شفافية، ولعل من أبرزها الاهتمام الشديد بالوعي الديني، وإظهار الوجه الحقيقي للإسلام لدى كافة فئات المجتمع، وخصوصًا في المدارس ودور العبادة، والتركيز على سلوك المسلم وصفاته وأخلاقه وتعاملاته؛ ذلك أن الانحراف الذي نشهده الآن عن المسار الصحيح هو نتاج استغلال الجهل وعدم المعرفة وضعف الوعي الديني ومحدودية التفكير والإدراك، والوقوع تحت تأثير جهات وجماعات متطرفة تحمل أجندات خاصة معادية، تعرف كيف تستقطب وتؤثر وتقنع وتغرس الأفكار العدائية وتخطط وتنفذ، في الوقت الذي تركنا فيه أبناءنا فريسة سهلة لمثل هذه الجماعات، ولم نُعِدّهم الإعداد السليم فكريًا وعقائديًا ومعلوماتيًا للتصدي لمن يقتنصونهم ويتصيدونهم بكافة السبل والوسائل.
وهنا أعتقد أنه لا يجب تغييب دور الإعلام التوعوي في هذا المجال، وأرى أن تطل علينا شخصيات أمنية مطلعة وملمة بهذه الجماعات الخطرة، وتسلط الضوء على أساليبها وممارساتها وتحركاتها وأفكارها وأماكن انتشارها، وتناقش هذه القضايا عبر وسائل الإعلام. ولا أرى أنه من الحكمة أن تبقى المعلومات حولها مبهمة أو منقوصة وغير واضحة، وبالتأكيد ضمن الحدود التي لا تتعارض مع سرية بعض المعلومات المتعلقة بها.
فالمنطق يقول: قبل أن تواجه عدوك، يجب أن تدرسه جيدًا، وأن تعرف نقاط ضعفه وقوته، وأفكاره وأساليبه وتحركاته ورؤيته وتطلعاته، وكافة المعلومات المتاحة عنه. فهذه الفئات عدوة لكافة أبناء الشعب، ويجب تحذيرهم وتوعيتهم بشتى السبل وبشكل مستمر.
نقطة أخرى تخطر ببالي، وهي مسألة التضييق على مراكز التعليم ودروس الدين ودور العبادة، في الوقت الذي نحن فيه بأمسّ الحاجة إلى فهم جوهر الدين والتتلمذ على يد رجال علم متمكنين، أتقياء، واعين، وعلى قدر المسؤولية. ذلك أن التضييق على هذه المراكز، من وجهة نظري، من شأنه الإسهام في زيادة تأثير الأفكار على الفئات الضعيفة والمستهدفة، وإقناعها بأن الدين محارب ومقيّد وغير مرغوب فيه أو مرحب به هنا، وبالتالي يسهل إقناعها بأن ما تؤمن به أو تقوم به من أعمال تخريبية هو ردة فعل مباحة ومقبولة شرعًا، والأخطر من ذلك إقناعها بأن هذه الأعمال واجب مكلّفة به، وتؤجر عليه.
وهنا تكمن الخطورة، والمطلوب في هذه الحالة هو المرونة التامة، وعدم التعنت، وإدارة هذا الملف بأعلى درجات المسؤولية والوعي.
حمى الله الأردن أرضًا وقيادةً وشعبًا.
العقيد المتقاعد/ الأمن العام
مهند سلطان الشريدة
العقيد المتقاعد مهند سلطان الشريدة
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
آخر الأخبار
مقالات منوعة
د.محمد صبحي العايدي يكتب: الاعتراف بوجود التطرف شرط لتفكيكه
منذ 5 ساعات
مقالات منوعة
م.صلاح طه عبيدات يكتب: اقبلني مختلفا عنك
منذ 6 ساعات
مقالات منوعة
احمد محمد علي يكتب: ماذا انتم فاعلون؟! .. امام المطران كبوشي وجورج حبش وتريزا هلسه
منذ 6 ساعات
مقالات منوعة
الدكتور إبراهيم الشقيرات يكتب: مناهج "حمود" ومواجهة التطرف
منذ 17 ساعة
أخبار فنية
فن
ياسمين عبد العزيز: محاولات محاربتي تدفعني الى تحقيق نجاحات أكبر
منذ 2 ساعة
فن
أجواء طفولية مبهجة وألعاب فضائية .. ميريام فارس تحتفل بعيد ميلاد ابنها
منذ 5 ساعات
فن
مصطفى كامل يتوعّد باتخاذ إجراءات قانونية بسبب تسريب رسائل خاصة
منذ 6 ساعات
فن
وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم "ستار تريك" عن عمر ناهز 90 عاما
منذ 14 ساعة
فن
ماكلمور يطلق جولة "الحرية لفلسطين" بعد استبعاده من حفلات إد شيران
منذ 14 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
هاري كين "يفتح جراح" محمد صلاح
منذ 4 دقائق
رياضة
خسائر كارثية .. هل يدفع ريال مدريد ثمن خطأ مبابي؟
منذ 10 دقائق
رياضة
مهدي بن عطية يكشف رد فعل رونالدو بعد خسارة الكرة الذهبية لصالح مودريتش
منذ 1 ساعة
رياضة
الجولة السابعة من الدوري تنطلق الخميس وقمة تجمع الفيصلي والحسين السبت
منذ 2 ساعة
رياضة
استمرار الغضب من مبابي في الصين وسط رقابة على كلامه حول ماو
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
العراق يفتح خزائن تاريخه .. موسوعة جديدة توثق المخطوطات النادرة
منذ 52 دقيقة
منوعات من العالم
العراق .. وفاة زوجين بفارق أقل من ساعة تثير الحزن في كركوك
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
سبب إحالة البلوغر المصرية منار سامي وزوجها إلى المحاكمة
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
الشاي شديد السخونة يهدد القلب؟ .. دراسة تكشف نتائج مفاجئة
منذ 7 ساعات
منوعات من العالم
مهمة السيطرة عليه تتعقد .. أكثر من 10 آلاف إصابة بفيروس إيبولا
منذ 7 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات