قبل نحو أسبوعين، وفي كانبرا، بحث جلالة الملك عبد الله الثاني مع ممثلين عن مؤسسات أسترالية حكومية وأهلية سبل تعزيز التعاون في مجال الصحة النفسية، وتبادل الخبرات والتدريب والتأهيل، والاستفادة من التجربة الأسترالية في تطوير الخدمات. وأكد جلالته حرص الأردن على تعزيز خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، في ظل ما يتحمله من أعباء إنسانية وصحية، بما فيها استضافة اللاجئين والجهود المبذولة في مناطق النزاع. وكان في اللقاء عدد من كبار المسؤولين الأردنيين.
في تقديري، كان ذلك أول إعلان عملي عن حالة الطوارئ التي يحتاجها الأردن: استنفارٌ لحماية الإنسان، وتعزيز قدرة الأسرة والمجتمع على مواجهة الضغوط. وليس في الدعوة إلى المزيد إنكارٌ لما تحقق؛ فأنا شاهد على ما تقدمه مؤسساتنا التعليمية والصحية والاجتماعية، ومقدّر لجهود العاملين فيها. لكن الأردن كبير، ويستحق أن نصون منجزاته ونواصل العمل كي تكون خدماته وفرصه أوسع وأقرب إلى تطلعات أبنائه.
منذ 1948 و1967، مرورًا بأحداث 1991 و2003، ثم ما عُرف بالربيع العربي، عاش الأردن في محيط مضطرب وتحمل أعباء إنسانية واقتصادية وأمنية متعاقبة. واليوم تضاف إليها كلفة المعيشة والتضخم وضيق فرص العمل، فيما يواجه الناس أسئلة يومية عن الرزق والاستقرار والمستقبل.
من هنا تأتي دعوتي: أعلنوا حالة الطوارئ. لا حالةً قانونية تعطل الحياة، بل استنفارًا وطنيًا يسرّع العمل، ويجمع الجهود، ويضع أمن الناس وكرامتهم وفرصهم في صدارة الأولويات.
لقد أعادت جريمة الكرك الأخيرة، التي استهدفت مشيّعين خلال جنازةـ لا بل استهدفت كل الشعب الأردني-، التذكير بأن الإرهاب لا يضرب ضحاياه وحدهم؛ إنه يستهدف أمن المجتمع ووحدته. ومواجهة هذا الخطر واجب على الجميع: حماية الناس ودور العبادة، وملاحقة الجناة، ومساندة المتضررين، ورفض خطاب الكراهية والتعميم.
وفي هذا السياق فإن سوريا عزيزة علينا، وأبناؤها أهلٌ لنا؛ دمهم من دمنا، وأمنهم من أمننا. وإن حرمة دماء أهل درعا عند الأردني كحرمة دماء أهل المفرق وإربد. لذلك نأمل أن يقود التواصل بين البلدين إلى تحقيق يكشف ما جرى بوضوح، وإلى عمل مشترك يحفظ أمن الشعبين، ويمنع استغلال الحادثة لإثارة الفرقة أو الإساءة إلى العلاقة بينهما. فما يجمع الأردن وسوريا أكبر من أي خلاف، والتعاون الصادق بينهما كفيل بأن يجعل القادم أفضل.
والإسلام وسائر الشرائع السماوية ليست موضع اتهام؛ فهي تدعو إلى السلام والطمأنينة في النفس والأسرة والمجتمع. فلا تسمحوا لأحد أن يتخذ من التدين غطاءً للكراهية والعنف، ولا تسمحوا في المقابل بأن يصبح التدين أو المؤسسات الدينية هدفًا للانتقاص والسخرية والتشكيك. ولا تهمّشوا مذهبًا، ولا تجعلوا الاختلاف بابًا للفرقة؛ فاحترام التنوع وصون كرامة الناس من أسس استقرار المجتمع.
ومع تأكيدات الحكومة أن الأردن لن يتهاون مع خطاب الكراهية والتحريض على الفتنة. وهذا موقف نؤيده، ونأمل أن يظل واضحًا ومتسقًا في كل منبر. راقبوا الشاشات لكل من يلمز مذهبًا إسلاميًا أو ينتقص من أتباعه دون قصد، وكأن التحريض يصبح مقبولًا إذا جاء في صورة نقاش أو تعليق. إن الكلمة التي تزرع العداوة تستحق الوقوف عندها، أيًّا كان قائلها أو منبرها.
ونتذكر في هذا المقام ما جرى لسماحة الشيخ أحمد هليل بعد كلمته التي حذّر فيها من أن يضعف الأردن، ودعا أشقاءه إلى مساندته. وسط موجة من الهجوم على مواقع التواصل. قد يختلف الناس مع أسلوب أو عبارة، لكن من الإنصاف أن يُقرأ الكلام في سياقه، وأن يُصان حق صاحبه في التعبير المسؤول.
يومها تصدّر بعض من قدّموا أنفسهم مؤثرين مشهد الهجوم؛ أما حين احتاج الأردن إلى كلمة تساند الدولة وتحفظ تماسك المجتمع، فقد غاب كثير من ذلك الصوت، أو بدا أن بعض أصحابه منشغلون بما يجلب الإعجابات. ليس المطلوب أن يوافق الجميع على كل كلمة؛ المطلوب ألا تتحول المنصات إلى محاكمات سريعة، وألا يحضر الوطن عند طلب الشهرة ويغيب عند الشدائد.
ولا أقول إن الفقر يصنع الإرهاب، ولا إن البطالة تقود حتمًا إلى العنف؛ لكن ترك التحديات المعيشية بلا حلول يضعف ثقة الناس ويضيّق أبواب الأمل. وقد بلغ معدل البطالة بين الأردنيين 21% في الربع الثاني من عام 2026، وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة؛ وهي نسبة تستدعي فرص عمل حقيقية وخططًا قابلة للمتابعة.
وفي سوق العمل، نحتاج إلى حماية حقوق العاملين ومتابعة الشكاوى وإنفاذ القانون على الجميع. وفي مؤسساتنا الحكومية، نحتاج إلى مراجعة الإجراءات والهياكل حيث تتكرر الصلاحيات أو تتأخر الخدمة، مع تقدير الموظفين الذين ينجزون عملهم بإخلاص، وربط المسؤولية بالإنجاز. وفي اختيار القيادات، تكون الكفاءة والنزاهة أساسًا للفرصة، للمرأة والرجل على السواء.
وفي الشارع، لا ينبغي أن يكون الحل مطاردة الباعة، ولا ترك الأرصفة والطرق بلا تنظيم. افتحوا أسواقًا شعبية، وحددوا مساحات مناسبة، واحفظوا حق البائع في الرزق وحق المشاة في الرصيف، وطبقوا القواعد على الجميع.
أما المخدرات والضغوط الأسرية والمشكلات النفسية، فتحتاج إلى وقاية وخدمات متاحة ومساندة للأسر والشباب. لا يطلب المجتمع من مؤسساته أن تدّعي الكمال؛ يطلب منها أن ترى مواطن الحاجة، وأن تتحرك قبل أن تتفاقم المشكلة.
أيتها الحكومة، تتبعي توجيهات جلالة الملك، نقدر ما بُذل وما تحقق، ونقدّر العاملين الذين يواصلون خدمة الناس في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية. لكن التقدير لا يمنع المطالبة، والمطالبة لا تنفي الوفاء. أعلنوا حالة الطوارئ في التشغيل، وحماية العامل، ومكافحة المخدرات، وتطوير الخدمات، وتنظيم الشارع، وصون الوحدة الوطنية؛ بخطط واضحة ومساءلة يعرف المواطن من خلالها ما أُنجز وما يحتاج إلى مزيد من العمل.
أيتها الحكومة، اخلقي فرص العمل، وساعدي الطلبة وأولياء أمورهم على مواجهة أعباء التعليم، وراجعي التشريعات واللوائح تدريجيًا، بدءًا بما يمسّ حياة الناس مباشرة. فبعض القوانين والأنظمة لا يزال قائمًا على الورق، فيما لا يُعمل به أو لا تُتابَع آثاره كما ينبغي. فلماذا يبقى النص إذا تعطّل تطبيقه؟ وأين الدراسات التي تبيّن أثره، والعوائق التي تحول دون تنفيذه، والحاجة إلى تعديله أو استبداله؟ إن التشريع لا يُقاس بما يُكتب فيه، بل بما يحققه للناس من عدالة وخدمة وفرص.
أيتها الحكومة لا تعولي على المؤثرين في التواصل الاجتماعي والميديا فهؤلاء المتغطي فيهم بردان! فهؤلاء يأخذوا ولا يعطوا... تعلمي ممن منحتوهم الشاشات فركبوا الموجات.. ولا تركنوا على كل معارض تائب نال أحد المناصب .. وابعدوا بعضهم عن الشاشات... والحمد لله هذه الأيام ليس لهم ظهور!
الأردن كبير بقيادته ومؤسساته وأبنائه، وقد أثبت قدرته على مواجهة المحن. وهو يستحق منا أن نكون إلى جانبه في الشدة كما في الرخاء.
د. زيد إحسان الخوالدة
أكاديمي متخصص في علم النفس السريري، مهتم بالسياسات العامة والتنمية وقضايا التعليم والصحة النفسية المجتمعية.
في تقديري، كان ذلك أول إعلان عملي عن حالة الطوارئ التي يحتاجها الأردن: استنفارٌ لحماية الإنسان، وتعزيز قدرة الأسرة والمجتمع على مواجهة الضغوط. وليس في الدعوة إلى المزيد إنكارٌ لما تحقق؛ فأنا شاهد على ما تقدمه مؤسساتنا التعليمية والصحية والاجتماعية، ومقدّر لجهود العاملين فيها. لكن الأردن كبير، ويستحق أن نصون منجزاته ونواصل العمل كي تكون خدماته وفرصه أوسع وأقرب إلى تطلعات أبنائه.
منذ 1948 و1967، مرورًا بأحداث 1991 و2003، ثم ما عُرف بالربيع العربي، عاش الأردن في محيط مضطرب وتحمل أعباء إنسانية واقتصادية وأمنية متعاقبة. واليوم تضاف إليها كلفة المعيشة والتضخم وضيق فرص العمل، فيما يواجه الناس أسئلة يومية عن الرزق والاستقرار والمستقبل.
من هنا تأتي دعوتي: أعلنوا حالة الطوارئ. لا حالةً قانونية تعطل الحياة، بل استنفارًا وطنيًا يسرّع العمل، ويجمع الجهود، ويضع أمن الناس وكرامتهم وفرصهم في صدارة الأولويات.
لقد أعادت جريمة الكرك الأخيرة، التي استهدفت مشيّعين خلال جنازةـ لا بل استهدفت كل الشعب الأردني-، التذكير بأن الإرهاب لا يضرب ضحاياه وحدهم؛ إنه يستهدف أمن المجتمع ووحدته. ومواجهة هذا الخطر واجب على الجميع: حماية الناس ودور العبادة، وملاحقة الجناة، ومساندة المتضررين، ورفض خطاب الكراهية والتعميم.
وفي هذا السياق فإن سوريا عزيزة علينا، وأبناؤها أهلٌ لنا؛ دمهم من دمنا، وأمنهم من أمننا. وإن حرمة دماء أهل درعا عند الأردني كحرمة دماء أهل المفرق وإربد. لذلك نأمل أن يقود التواصل بين البلدين إلى تحقيق يكشف ما جرى بوضوح، وإلى عمل مشترك يحفظ أمن الشعبين، ويمنع استغلال الحادثة لإثارة الفرقة أو الإساءة إلى العلاقة بينهما. فما يجمع الأردن وسوريا أكبر من أي خلاف، والتعاون الصادق بينهما كفيل بأن يجعل القادم أفضل.
والإسلام وسائر الشرائع السماوية ليست موضع اتهام؛ فهي تدعو إلى السلام والطمأنينة في النفس والأسرة والمجتمع. فلا تسمحوا لأحد أن يتخذ من التدين غطاءً للكراهية والعنف، ولا تسمحوا في المقابل بأن يصبح التدين أو المؤسسات الدينية هدفًا للانتقاص والسخرية والتشكيك. ولا تهمّشوا مذهبًا، ولا تجعلوا الاختلاف بابًا للفرقة؛ فاحترام التنوع وصون كرامة الناس من أسس استقرار المجتمع.
ومع تأكيدات الحكومة أن الأردن لن يتهاون مع خطاب الكراهية والتحريض على الفتنة. وهذا موقف نؤيده، ونأمل أن يظل واضحًا ومتسقًا في كل منبر. راقبوا الشاشات لكل من يلمز مذهبًا إسلاميًا أو ينتقص من أتباعه دون قصد، وكأن التحريض يصبح مقبولًا إذا جاء في صورة نقاش أو تعليق. إن الكلمة التي تزرع العداوة تستحق الوقوف عندها، أيًّا كان قائلها أو منبرها.
ونتذكر في هذا المقام ما جرى لسماحة الشيخ أحمد هليل بعد كلمته التي حذّر فيها من أن يضعف الأردن، ودعا أشقاءه إلى مساندته. وسط موجة من الهجوم على مواقع التواصل. قد يختلف الناس مع أسلوب أو عبارة، لكن من الإنصاف أن يُقرأ الكلام في سياقه، وأن يُصان حق صاحبه في التعبير المسؤول.
يومها تصدّر بعض من قدّموا أنفسهم مؤثرين مشهد الهجوم؛ أما حين احتاج الأردن إلى كلمة تساند الدولة وتحفظ تماسك المجتمع، فقد غاب كثير من ذلك الصوت، أو بدا أن بعض أصحابه منشغلون بما يجلب الإعجابات. ليس المطلوب أن يوافق الجميع على كل كلمة؛ المطلوب ألا تتحول المنصات إلى محاكمات سريعة، وألا يحضر الوطن عند طلب الشهرة ويغيب عند الشدائد.
ولا أقول إن الفقر يصنع الإرهاب، ولا إن البطالة تقود حتمًا إلى العنف؛ لكن ترك التحديات المعيشية بلا حلول يضعف ثقة الناس ويضيّق أبواب الأمل. وقد بلغ معدل البطالة بين الأردنيين 21% في الربع الثاني من عام 2026، وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة؛ وهي نسبة تستدعي فرص عمل حقيقية وخططًا قابلة للمتابعة.
وفي سوق العمل، نحتاج إلى حماية حقوق العاملين ومتابعة الشكاوى وإنفاذ القانون على الجميع. وفي مؤسساتنا الحكومية، نحتاج إلى مراجعة الإجراءات والهياكل حيث تتكرر الصلاحيات أو تتأخر الخدمة، مع تقدير الموظفين الذين ينجزون عملهم بإخلاص، وربط المسؤولية بالإنجاز. وفي اختيار القيادات، تكون الكفاءة والنزاهة أساسًا للفرصة، للمرأة والرجل على السواء.
وفي الشارع، لا ينبغي أن يكون الحل مطاردة الباعة، ولا ترك الأرصفة والطرق بلا تنظيم. افتحوا أسواقًا شعبية، وحددوا مساحات مناسبة، واحفظوا حق البائع في الرزق وحق المشاة في الرصيف، وطبقوا القواعد على الجميع.
أما المخدرات والضغوط الأسرية والمشكلات النفسية، فتحتاج إلى وقاية وخدمات متاحة ومساندة للأسر والشباب. لا يطلب المجتمع من مؤسساته أن تدّعي الكمال؛ يطلب منها أن ترى مواطن الحاجة، وأن تتحرك قبل أن تتفاقم المشكلة.
أيتها الحكومة، تتبعي توجيهات جلالة الملك، نقدر ما بُذل وما تحقق، ونقدّر العاملين الذين يواصلون خدمة الناس في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية. لكن التقدير لا يمنع المطالبة، والمطالبة لا تنفي الوفاء. أعلنوا حالة الطوارئ في التشغيل، وحماية العامل، ومكافحة المخدرات، وتطوير الخدمات، وتنظيم الشارع، وصون الوحدة الوطنية؛ بخطط واضحة ومساءلة يعرف المواطن من خلالها ما أُنجز وما يحتاج إلى مزيد من العمل.
أيتها الحكومة، اخلقي فرص العمل، وساعدي الطلبة وأولياء أمورهم على مواجهة أعباء التعليم، وراجعي التشريعات واللوائح تدريجيًا، بدءًا بما يمسّ حياة الناس مباشرة. فبعض القوانين والأنظمة لا يزال قائمًا على الورق، فيما لا يُعمل به أو لا تُتابَع آثاره كما ينبغي. فلماذا يبقى النص إذا تعطّل تطبيقه؟ وأين الدراسات التي تبيّن أثره، والعوائق التي تحول دون تنفيذه، والحاجة إلى تعديله أو استبداله؟ إن التشريع لا يُقاس بما يُكتب فيه، بل بما يحققه للناس من عدالة وخدمة وفرص.
أيتها الحكومة لا تعولي على المؤثرين في التواصل الاجتماعي والميديا فهؤلاء المتغطي فيهم بردان! فهؤلاء يأخذوا ولا يعطوا... تعلمي ممن منحتوهم الشاشات فركبوا الموجات.. ولا تركنوا على كل معارض تائب نال أحد المناصب .. وابعدوا بعضهم عن الشاشات... والحمد لله هذه الأيام ليس لهم ظهور!
الأردن كبير بقيادته ومؤسساته وأبنائه، وقد أثبت قدرته على مواجهة المحن. وهو يستحق منا أن نكون إلى جانبه في الشدة كما في الرخاء.
د. زيد إحسان الخوالدة
أكاديمي متخصص في علم النفس السريري، مهتم بالسياسات العامة والتنمية وقضايا التعليم والصحة النفسية المجتمعية.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات