الباشا طارق الحباشنة يكتب: الأردن بعد حمود .. أمن الحدود خط*أحمر والوحدة الوطنية خط الدفاع الأول

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10700
الباشا طارق الحباشنة يكتب: الأردن بعد حمود ..  أمن الحدود خط*أحمر والوحدة الوطنية خط الدفاع الأول
اللواء المتقاعد طارق الحباشنة

اللواء المتقاعد طارق الحباشنة

ليست جريمة حمود حدثاً يمكن أن يمرّ في سجل الوقائع الأمنية ثم يُطوى بمرور الأيام؛ فبعض الأحداث تفرض على الدولة والمجتمع مراجعة أعمق، لأنها تكشف طبيعة الأخطار التي تواجه الوطن، وتختبر قدرة مؤسساته على حماية الإنسان والأرض، وصلابة جبهته الداخلية في مواجهة محاولات العبث بأمنه واستقراره. وحين تتقاطع جريمة داخلية مع تهديدات أمنية عابرة للحدود، يصبح واجبنا أن نقرأ المشهد بعين الدولة، لا بردود الفعل العابرة. فالدولة التي تحترم أمن مواطنيها لا تكتفي باحتواء الخطر بعد وقوعه، بل تجعل من منعه واستباقه أولوية لا تقبل التأجيل. والأردن الذي واجه الإرهاب بإرادة مؤسساته وتماسك شعبه، مطالب اليوم بأن يواصل حماية حدوده وصون جبهته الداخلية، حتى لا تتحول التهديدات المتكررة إلى واقع يُفرض عليه.

إن الحدود الشمالية ليست مجرد خط جغرافي يفصل الأردن عن سوريا؛ إنها خط تماس مع تحديات أمنية متشابكة، تشمل تهريب المخدرات والأسلحة، ونشاط الشبكات الإجرامية، واحتمالات تسلل الجماعات المتطرفة واستغلالها لحالات الاضطراب والفراغ الأمني. وقد حذّر الأردن مراراً من هذه المخاطر، وتحملت قواته المسلحة وأجهزته الأمنية مسؤوليات جسيمة في التصدي لها. ومن هنا، فإن المطلوب ليس التعامل مع كل حادثة باعتبارها واقعة منفصلة، بل بناء مقاربة أمنية استراتيجية تمنع تكرار التهديد، وتفكك شبكاته، وتلاحق مصادره، وتضمن ألا تتحول أراضي الجوار إلى مساحة تهدد أمن المملكة أو تستنزف قدراتها.

إن حماية الحدود الشمالية ليست مسؤولية عسكرية وحدها، بل مسؤولية وطنية متكاملة، تتطلب الجاهزية المستمرة، والمعلومات الدقيقة، والتنسيق الفاعل، والقدرة على الانتقال من رد الفعل إلى منع الخطر قبل وصوله. كما تتطلب وضوحاً في التعامل مع الأطراف المعنية، ومساءلة حقيقية عن أي تقصير تثبته الأدلة، وإجراءات عملية تُقاس نتائجها على الأرض، لا بحجم التصريحات. فحسن الجوار قيمة مهمة، والتعاون بين الدول ضرورة لا غنى عنها، لكنهما لا يعفيان أي طرف من مسؤولية منع استخدام أراضيه منطلقاً لتهديد أمن جيرانه. والأردن، وهو يحترم سيادة الدول، يتمسك في الوقت ذاته بحقه في حماية أرضه ومواطنيه، وفق مقتضيات القانون والقواعد المنظمة للعلاقات الدولية.

غير أن الخطر لا يقف عند الحدود، ولا ينتهي عند إحباط عملية تهريب أو ملاحقة خلية متطرفة. فالإرهاب، في جوهره، لا يستهدف الضحايا وحدهم؛ إنه يستهدف الدولة وهيبتها، ويسعى إلى بث الخوف، وضرب الثقة، وفتح الشقوق في النسيج الوطني. ومن هنا تبرز خطورة أي محاولة لاستثمار جريمة حمود في إثارة الانقسامات أو تعميم الاتهامات أو تحويل الاختلافات إلى خصومات. فالمجرم يتحمل مسؤولية جريمته، وكل من يثبت اشتراكه أو دعمه يُحاسب وفق القانون، أما تحميل جماعة أو فئة اجتماعية أو دينية بأكملها مسؤولية فعل أفراد، فليس عدلاً ولا حماية للوطن، بل مدخل إلى الظلم والاحتقان، وهو ما قد تستغله الأفكار المتطرفة لتوسيع دائرة الأذى.

«*قوة الأردن لا تُقاس بقدرته على حماية حدوده فحسب، بل بقدرته أيضاً على صون وحدته الوطنية ومنع الإرهاب من تحويل الجريمة إلى فتنة*».

وهنا يجب أن تكون الوحدة الوطنية أكثر من موقف عاطفي يتصاعد بعد الحوادث ثم يخفت؛ إنها ركيزة من ركائز الأمن الوطني، ومسؤولية لا تقبل التجزئة. فالأردنيون، على اختلاف أصولهم ومعتقداتهم، شركاء في الدولة والمصير، تجمعهم المواطنة والحقوق والواجبات، وتربطهم مسؤولية الدفاع عن الوطن وصون استقراره. إن الاعتداء على مواطن أردني هو اعتداء على حق المجتمع كله في الأمان، واستهداف أي مكوّن من مكونات المجتمع هو استهداف للنسيج الوطني بأكمله. ولا يجوز أن نسمح لجريمة، مهما بلغت بشاعتها، بأن تزرع الشك بين أبناء الوطن أو أن تمنح المتطرفين فرصة لتوسيع دائرة الأذى من خلال التحريض والكراهية والشائعات.

وتقع على الدولة مسؤولية مضاعفة في هذه المرحلة: حماية الحدود، وتعزيز الجاهزية الأمنية، وملاحقة كل من يهدد سلامة المواطنين، بالتوازي مع ترسيخ سيادة القانون، وتوفير المعلومات الدقيقة، والتصدي للشائعات وخطابات التحريض، وضمان ألا تتحول المخاوف المشروعة إلى أحكام جماعية أو خصومات داخلية. كما أن على النخب الوطنية والإعلامية أن تدرك أن الكلمة في لحظات الأزمات قد تسهم في تعزيز الثقة أو في توسيع الانقسام، وأن المسؤولية تقتضي التمييز بين النقد المشروع والتحريض، وبين المطالبة بالمحاسبة وإطلاق الاتهامات بلا دليل. فالدولة القوية لا تخشى الحقيقة، والمجتمع المتماسك لا يسمح للغضب بأن يقوده إلى ما يضر بوحدته ومصالحه.

إن الدرس الأهم من حمود هو أن أمن الأردن لا يُدار بالانتظار، وأن حماية حدوده لا تحتمل التراخي، وأن صون وحدته الوطنية لا يجوز أن يُترك للمصادفات أو للمواقف الموسمية. المطلوب استراتيجية مستدامة تجمع بين الوقاية والمواجهة والمساءلة، وتتعامل مع التهديدات الخارجية بجدية، وتحصّن الداخل بالعدالة والثقة والمواطنة. فكل تهديد يُحبط قبل وقوعه حماية لأرواح الأردنيين، وكل خطاب يحافظ على وحدتهم هو إسهام في أمن الدولة، وكل تقصير يثبت أنه سمح للخطر بالاقتراب يجب أن يخضع للمراجعة والمحاسبة. كما ينبغي أن تُقاس فاعلية السياسات الأمنية بقدرتها على منع التهديدات وحماية المواطنين، لا بمجرد الاستجابة لها بعد وقوعها.

الأردن أقوى من أن تهزه جريمة، وأوعى من أن تستدرجه الفتنة، وأصلب من أن يسمح للإرهاب بأن يفرض عليه معادلاته. لكن هذه القوة ليست مبرراً للاطمئنان أو الاكتفاء بالشعارات؛ إنها أمانة تستوجب يقظة دائمة، ومؤسسات قادرة، ومجتمعاً متماسكاً، وموقفاً وطنياً لا يتردد في حماية الأرض والإنسان. ستبقى الحدود الشمالية موضع يقظة ومسؤولية، وستبقى الوحدة الوطنية حصن الأردن الذي لا يجوز المساس به. فحماية الحدود واجب الدولة، وصون الوحدة مسؤولية الجميع؛ وبهما معاً يحمي الأردن حاضره ويصون مستقبله.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم