الدكتور إبراهيم الشقيرات يكتب: مناهج "حمود" ومواجهة التطرف

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 27696
الدكتور إبراهيم الشقيرات يكتب: مناهج "حمود" ومواجهة التطرف


بعد حادثة الاعتداء الآثم على كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، على يد مجموعة لا تمت بصلة إلى قيم الدين أو مبادئ الشريعة، بدأت أصابع الاتهام تمتد إلى المناهج الدراسية، ودورها في بناء عقلية الفرد وتوجيهها إيجاباً أو سلباً، وما إذا كانت قادرة على تحصين الأجيال من الأفكار المتطرفة وخطابات الكراهية.

تعد المناهج الدراسية من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول في بناء الإنسان وتشكيل وعيه الفكري والديني والوطني؛ فهي لا تقتصر على نقل المعرفة والمعلومات، بل تسهم في غرس القيم الأخلاقية والإنسانية، وتعزيز الانتماء الوطني، وتنمية القدرة على التفكير السليم والحكم على الأفكار والسلوكيات.

وفي الأردن تكتسب المناهج الدراسية أهمية خاصة في ترسيخ الفهم الصحيح للدين الإسلامي، وتعزيز قيم الاعتدال والتسامح والوسطية، وتحصين الطلبة من الأفكار المتطرفة التي تهدد أمن المجتمع واستقراره.

وتؤدي المناهج الدراسية، ولا سيما مناهج التربية الإسلامية، دورًا أساسيًا في تعريف الطلبة بمبادئ الدين الإسلامي السمحة، القائمة على الرحمة والعدل والتسامح واحترام الإنسان وصون كرامته.

كما تسهم في توضيح المفاهيم الدينية الصحيحة وربطها بالسلوك اليومي، بحيث يدرك الطالب أن الالتزام الديني الحقيقي لا يقتصر على أداء العبادات، بل يمتد إلى حسن التعامل مع الآخرين، واحترام حقوقهم، والتحلي بالصدق والأمانة، ونبذ الظلم والإساءة.

وتساعد دراسة القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة العطرة على بناء شخصية متوازنة، قادرة على التمييز بين الفهم الصحيح للنصوص الدينية والتفسيرات الخاطئة التي قد تُستخدم لتبرير العنف أو الكراهية. كما تعزز المناهج أهمية احترام التنوع الإنساني والتعايش بين أفراد المجتمع، وترسخ قيم المواطنة الصالحة التي تجمع بين الاعتزاز بالهوية الدينية والانتماء الوطني.

لكن السؤال الذي تفرضه حادثة حمود لا يتعلق بالمناهج وحدها، بل بمدى قدرتنا على تحويل ما يتعلمه الطلبة في الصفوف إلى قيم راسخة وسلوك عملي، وبمدى نجاح المؤسسات التربوية في بناء عقل يرفض التحريض والإقصاء والعنف، ويحترم الإنسان وحقه في الحياة والاعتقاد والاختلاف.

فالتطرف من التحديات التي تواجه المجتمعات، خصوصا عندما يستهدف عقول الشباب والناشئة من خلال تفسيرات منحرفة للدين أو أفكار تقوم على التعصب والإقصاء ورفض الآخر. ومن هنا، تبرز أهمية المناهج الدراسية في توعية الطلبة بمخاطر الغلو والتعصب، وتوضيح الفرق بين التدين القائم على العلم والوعي، والتطرف القائم على إساءة فهم النصوص الدينية أو توظيفها لتحقيق أهداف منحرفة.

ولا تتحقق مواجهة التطرف بمجرد التحذير منه، بل تحتاج إلى بناء عقلية نقدية واعية، قادرة على التحقق من المعلومات، ومناقشة الأفكار بالحجة والمنطق، وعدم الانسياق وراء الخطابات التحريضية أو المعلومات المضللة، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، التي أصبحت فضاءً واسعًا لتداول الأفكار، بما فيها الأفكار المتطرفة.

إن نجاح المناهج في تحقيق أهدافها لا يعتمد على محتوى الكتب المدرسية وحده، بل يرتبط بكفاءة المعلم وقدرته على تحويل المعرفة إلى سلوك وممارسة.

فالمعلم الواعي يؤدي دورًا محوريًا في تفسير المفاهيم الدينية والتربوية بصورة صحيحة، وفتح المجال أمام الطلبة لطرح الأسئلة ومناقشة القضايا الفكرية والدينية بحرية مسؤولة، بعيدًا عن التلقين الذي يكتفي بحفظ المعلومات دون فهمها أو إدراك أبعادها.

كما ينبغي أن تكون المدرسة بيئة آمنة تحترم كرامة الطلبة، وتشجع التفكير والحوار، وتتعامل مع مظاهر التعصب والتنمر وخطاب الكراهية بأساليب تربوية عادلة.

ومن المهم تدريب المعلمين على اكتشاف المؤشرات التربوية التي قد تدل على تأثر بعض الطلبة بخطابات تحريضية، والتعامل معها بالحوار والإرشاد والتعاون مع الأسرة والجهات المختصة، دون وصم الطلبة أو الحكم على أفكارهم بصورة متسرعة. فالمعالجة التربوية الواعية تبدأ بالفهم والحوار، لا بالتخوين أو إطلاق الأحكام المسبقة.

إن مواجهة التطرف وتعزيز الوعي الديني مسؤولية لا تقع على عاتق المدرسة وحدها، بل تتطلب تعاونًا مستمرًا بين وزارة التربية والتعليم، والأسرة، والمؤسسات الدينية الموثوقة، ومؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام.

فالأسرة هي البيئة الأولى التي يتشكل فيها وعي الطفل، والمدرسة تعمل على تعزيز هذا الوعي وتطويره، بينما تسهم المؤسسات الدينية الموثوقة في تقديم المعرفة الشرعية الرصينة، وتساعد المؤسسات الوطنية في نشر ثقافة المواطنة واحترام القانون.

ومن هنا، فإن تعزيز دور المناهج الدراسية في التوعية الدينية والتحذير من التطرف يتطلب مجموعة من الإجراءات العملية، أبرزها مراجعة المحتوى التعليمي بصورة دورية لضمان وضوح المفاهيم الدينية، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال والتسامح، وتعزيز الربط بين المعرفة الدينية والتطبيق العملي، بحيث تظهر آثار القيم الإسلامية في سلوك الطلبة وعلاقاتهم اليومية.

كما يتطلب الأمر تدريب المعلمين على إدارة الحوارات الفكرية والدينية، ومناقشة القضايا الحساسة بأسلوب علمي وتربوي، وتضمين الأنشطة التعليمية ما ينمي التفكير الناقد، والتحقق من المعلومات، واحترام الرأي الآخر.

ولا يقل عن ذلك أهمية تعزيز الوعي بمخاطر التطرف الإلكتروني وخطاب الكراهية والتجنيد الفكري عبر المنصات الرقمية، وتشجيع المبادرات الطلابية التي تخدم المجتمع وتعزز التطوع والتكافل والمسؤولية الوطنية، إلى جانب بناء شراكة فاعلة بين المدرسة والأسرة والمؤسسات الدينية والوطنية لمتابعة الاحتياجات الفكرية والتربوية للطلبة.

إن حادثة حمود يجب ألا تتحول إلى مناسبة لإلقاء اللوم على المناهج وحدها، أو إعفائها من مسؤولية المراجعة والتطوير، بل ينبغي أن تكون مدخلًا لمراجعة شاملة تتناول ما يتعلمه أبناؤنا، وكيف يتعلمونه، ومن يؤثر في وعيهم خارج أسوار المدرسة.

فالمناهج ليست وحدها المسؤولة عن تشكيل عقل الإنسان، لكنها إحدى أهم الأدوات التي يمكن أن تسهم في بناء الوعي أو تعجز عن مواجهة الأفكار المنحرفة إذا لم تتكامل مع دور الأسرة والمعلم والمؤسسات الدينية والإعلامية.

والأهم أن نُدرك أن حماية المجتمع من التطرف لا تتحقق بتغيير صفحات الكتب وحدها، بل ببناء إنسان يمتلك المعرفة والوعي والقدرة على التمييز، ويؤمن بأن الاختلاف لا يبرر الكراهية، وأن الدين لا يمكن أن يكون غطاءً للاعتداء على الآخرين أو انتهاك كرامتهم.

فالسؤال الحقيقي بعد حادثة حمود ليس فقط: ماذا تقول مناهجنا؟ بل أيضًا: أي إنسان نريد أن تصنعه هذه المناهج، وأي قيم نريدها أن تحكم سلوكه عندما يواجه الآخر المختلف عنه؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم