صهيب زهير الخزاعله يكتب: الكرك في قلب الأردن .. إرهاب الغدر لن ينال من وحدتنا الوطنية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9523
صهيب زهير الخزاعله يكتب: الكرك في قلب الأردن ..  إرهاب الغدر لن ينال من وحدتنا الوطنية
صهيب زهير الخزاعله

صهيب زهير الخزاعله

في لحظات المحن الكبرى، تُختبر قوة الأوطان، وتظهر معادن الشعوب، وتتجلى حقيقة الروابط التي تجمع أبناء الوطن الواحد.



وما شهدته محافظة الكرك من اعتداء إجرامي آثم استهدف مواطنين خلال مراسم تشييع في محيط كنيسة حمود، يمثل جريمة مدانة بكل المقاييس الإنسانية والوطنية والأخلاقية، واعتداءً على حق الإنسان في الحياة والأمن والعبادة، وعلى قيم التآخي والتسامح التي شكلت على الدوام ركناً أصيلاً من هوية الدولة الأردنية ومجتمعها.



إن استهداف الأبرياء في لحظات الحزن والوداع يكشف عن بشاعة الجريمة وتجرد مرتكبيها من أبسط القيم الإنسانية. فدور العبادة ليست ساحات للعداء، ومراسم العزاء ليست مجالاً لإراقة الدماء، والاختلاف في الدين أو المعتقد لا يمكن أن يكون مبرراً للعنف أو ذريعة لاستباحة الأرواح. وأمام هذه الجريمة، لا بد من موقف وطني واضح لا لبس فيه: إدانة الإرهاب بكل أشكاله، والتمسك بسيادة القانون، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق أحكام القضاء، بما يضمن العدالة ويحفظ أمن الوطن واستقراره. الأردن أقوى من محاولات الفتنة لقد أثبت الأردنيون، عبر تاريخهم، أن وحدتهم ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل حقيقة راسخة تجذرت في وجدانهم، وصاغتها مواقفهم وتضحياتهم المشتركة. ففي هذا الوطن، يجمع الأردنيين تاريخ واحد، وأرض واحدة، ومصير مشترك، وروابط إنسانية ووطنية تتجاوز كل أشكال الاختلاف. إن المسلمين والمسيحيين في الأردن ليسوا جماعات متجاورة فحسب، بل شركاء في بناء الدولة وصون هويتها والدفاع عن أمنها ومستقبل أبنائها.



وقد ظلت الأخوة الإسلامية المسيحية إحدى الصور المشرقة للعيش المشترك في المملكة، حيث يتقدم الانتماء الوطني ليجمع الجميع تحت مظلة الدستور والقانون، وتبقى المواطنة المتساوية أساس الحقوق والواجبات. ومن هنا، فإن الرد الحقيقي على الإرهاب لا يكون بالسماح للخوف بأن يتسلل إلى المجتمع، ولا بفتح الأبواب أمام الشائعات وخطابات الكراهية، وإنما بتعزيز الثقة بين أبناء الشعب الواحد، والوقوف إلى جانب أسر الضحايا والمصابين، والالتفاف حول مؤسسات الدولة، وترك المجال للأجهزة المختصة للقيام بواجبها، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو تداول المعلومات غير الموثوقة. إن كل محاولة للمساس بوحدة الأردنيين يجب أن تصطدم بوعي شعب يعرف أن أمن جاره من أمنه، وأن كرامة أخيه من كرامته، وأن الاعتداء على مواطن بسبب انتمائه الديني أو استهدافه في مكان عبادته هو اعتداء على قيم الأردن بأكمله. جلالة الملك في الكرك.. حضور القيادة في لحظة الشدة وفي خضم هذه الفاجعة، جاءت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى محافظة الكرك عقب الحادثة لتؤكد أهمية حضور القيادة إلى جانب أبناء الوطن في أوقات الشدة، ولتعكس اهتمام الدولة بمتابعة تداعيات الاعتداء والوقوف إلى جانب المتضررين وأهالي الضحايا.



إن قيمة القيادة لا تظهر في أوقات الرخاء وحدها، بل تتجلى بصورة أكبر حين يواجه الوطن محنة، وتحتاج النفوس إلى الطمأنينة، ويحتاج المواطن إلى أن يشعر بأن قضيته وألمه في صميم اهتمام دولته. ومن هذه الزاوية، تحمل زيارة جلالة الملك إلى الكرك دلالة وطنية وإنسانية مهمة، عنوانها أن أبناء الأردن جميعاً موضع اهتمام ورعاية، وأن أمنهم وكرامتهم وسلامتهم مسؤولية لا تقبل التهاون. كما أن الموقف الحازم الذي عبّر عنه جلالته إزاء الاعتداء، وتأكيده أن رصاص الغدر لن ينجح في شق صف الأردنيين، يجسدان رسالة واضحة بأن الدولة لن تتساهل مع من يهدد أمن المجتمع ووحدته، وأن مواجهة الإرهاب يجب أن تتم بحزم ومسؤولية، من خلال مؤسسات الدولة والقانون، وبما يصون حقوق المواطنين ويحفظ استقرار المملكة.


وتتجلى حكمة القيادة أيضاً في إدراك أن مواجهة مثل هذه الجرائم لا تقتصر على ملاحقة مرتكبيها، على أهمية ذلك وضرورته، بل تشمل كذلك حماية النسيج الاجتماعي، ومنع استغلال المأساة لإثارة الانقسامات، وتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم الوطنية. الكرك جرح الأردن.. ووحدة الأردنيين هي الرد ليست الكرك اليوم وحدها التي تحمل وجع هذه الفاجعة؛ فالأردن كله يقف إلى جانبها، يتقاسم مع أهلها الحزن، ويواسي أسر الضحايا، ويتمنى الشفاء العاجل للمصابين.


إن المصاب الذي ألمّ بأبناء المحافظة هو مصاب وطني يمس وجدان كل أردني، بصرف النظر عن دينه أو منطقته أو خلفيته الاجتماعية. وفي مثل هذه اللحظات، تبرز مسؤولية الكلمة والإعلام ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي. فالكلمة قد تكون جسراً للتضامن واحتواء الألم، وقد تتحول، إن غابت عنها المسؤولية، إلى أداة لنشر الخوف والاتهامات والإشاعات. ولذلك، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي تحري الدقة، واحترام مشاعر أسر الضحايا، وعدم تداول الصور والمعلومات غير الموثوقة، والالتزام بالتعليمات والقرارات الرسمية المتعلقة بالقضية. كما أن التضامن الحقيقي لا يقتصر على كلمات الإدانة، بل يظهر في مساندة المتضررين، واحترام دور العبادة، وصون كرامة الإنسان، والتأكيد عملياً أن الأردن سيبقى وطناً يتسع لجميع أبنائه، تحميه دولة المؤسسات والقانون، ويصونه شعب يؤمن بأن قوته في وحدته. إن دماء الأبرياء تفرض علينا جميعاً مسؤولية مضاعفة في حماية قيمنا الوطنية، وترسيخ ثقافة التسامح، ورفض التطرف والكراهية، والتأكيد أن الاختلاف لا ينتقص من المواطنة، وأن الاعتداء على أي أردني هو اعتداء على حق أصيل من حقوق جميع الأردنيين. رسالة الأردن إلى الغدر إن الإرهاب، مهما اتخذ من أشكال، لا يستطيع أن يبني وطناً، ولا أن يصنع مستقبلاً، ولا أن يزرع سوى الألم والخوف والدمار.



أما الأوطان التي تستند إلى وعي شعوبها، وقوة مؤسساتها، وتماسك مجتمعها، فإنها قادرة على تجاوز المحن ومواجهة التحديات من دون أن تتخلى عن قيمها أو تسمح للفتنة بأن تنال من وحدتها. ومن الكرك، مدينة التاريخ والكرامة والصمود، تتجدد الرسالة الأردنية التي لا تتبدل: لن تكون دماء الأبرياء سبباً للفرقة، ولن تتحول دور العبادة إلى عنوان للكراهية، ولن يُسمح للجريمة بأن تختطف هوية المجتمع أو تزرع الشقاق بين أبنائه. رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وحفظ الأردن آمناً مستقراً، في ظل قيادته الهاشمية، وبوعي شعبه وتماسك أبنائه. سيبقى الأردن وطناً واحداً، وسيبقى الأردنيون أسرة واحدة، مسلمين ومسيحيين، يجمعهم الانتماء، وتصونهم المواطنة، وتحميهم وحدتهم الوطنية. فالأردن أكبر من الجريمة، وأقوى من الفتنة، وأبقى من رصاص الغدر.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم