نائل بركات يكتب: الاستيطان في الفكر الصهيوني

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8350
نائل بركات يكتب: الاستيطان في الفكر الصهيوني
نائل بركات

نائل بركات

ليس مجرد سياسة عابرة أو رد فعل، بل هو جوهر الفكر الصهيوني والآلية التنفيذية الأولى للمشروع الصهيوني في فلسطين. فمنذ نشأة الحركة الصهيونية، تلازم مفهوم "الدولة" ومفهوم "الاستيطان" كعنصرين لا ينفصلان، حيث اعتُبرت السيطرة على الأرض وتغيير ديمغرافيتها الركيزة الأساسية في الفكر الصهيوني.


يقوم الفكر الصهيوني على فلسفة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وهي المقولة التي بررت تاريخياً إقصاء السكان الأصليين وإحلال المهاجرين اليهود مكانهم.


الاستيطان هنا لا يُعنى به مجرد السكن، بل هو أداة جغرافية وسياسية لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد على الأرض يصعب تراجعه. الاستيطان لم يبدأ مع تأسيس دولة إسرائيل عام 1948. 1. بدأت الدعوات للاستيطان في فلسطين وتشجيع الهجرة اليهودية إليها، تظهر بوضوح. عام 1795-1874 وفي هذا السياق. وضع زفي هيرش كاليشرKalisher H.Z كتاب “السعي لصهيون”.



وجاء فيه: إن خلاص اليهود لا يكون على يد مسيح منتظر، و إنما عن طريق الجهد البشري اليهودي، لتخليص أنفسهم بالمبادرة إلى بناء مجتمع يعتمد على ارتباط اليهودي بأرض يزرعها تكون بمثابة وطن قومي له، ولا يتم ذلك إلا في فلسطين”.


ولتحقيق فكرته، قام كاليشر بخطوات عملية، فطلب من الممولين اليهود المساهمة في تكوين جمعية هدفها الإستثمار في فلسطين، وبالتالي تشجيع يهود شرقي أوروبا وألمانيا على الهجرة إليها.


وقد استطاع كاليشر، من خلال جهده الدؤوب، تأسيس “جمعية استثمار أرض إسرائيل” سنة 1864. وكانت متعاونة مع الأليانس الإسرائيلي العالمي، و أقامت أول مدرسة زراعية يهودية في فلسطين عند مدخل مدينة يافا سنة 1870، وعرفت باسم مدرسة نِيتر “Netter”. 2. مؤتمر بازل عام 1897 واهم قراراته. مؤتمر بازل هو المؤتمر الصهيوني الأول بزعامة ثيودور هرتزل في مدينة بازل بسويسرا في 29 أغسطس 1897. شكل هذا المؤتمر نقطة الانطلاق الأساسية و المنظمة للحركة الصهيونية العالمية.


الهدف المركزي للمؤتمر الهدف الأساسي للمؤتمر كان صياغة ما يعرف "برنامج بازل"، والذي نص صراحة على تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين يكون مضموناً و محمياً بموجب القانون العام (وقد استخدم مصطلح "وطن" بدلاً من "دولة" في ذلك الوقت لأسباب دبلوماسية. أبرز النتائج التنظيمية • تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية: تم تشكيل المنظمة لتكون الإطار السياسي و التنفيذي الذي يقود الحركة ويشرف على تطبيق قرارات المؤتمر، انتخب ثيودور هرتزل أول رئيس لها.


أهم قرارات : * تشجيع الاستيطان المنظم: العمل على تعزيز واستيراد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتوطين المزارعين والحرفيين والتجار اليهود فيها بطريقة ممنهجة. تعرف هذه المرحلة التاريخية في الفكر الصهيوني "الاستيطان العملي"، حيث كان الشعار السائد "الحدود ترسم ويتم رسمها بالمحاريث،وليس المعاهدات". لقد اعتبرت الحركة الصهيونية السيطرة على الأرض وإنشاء المستوطنات وسيلة لفرض واقع ديموغرافي و جغرافي يمهد لإعلان الدولة لاحقاً. *• تلخيص أبرز ملامح وأشكال الاستيطان قبل عام 1948 في الجدول التالي: محطات الاستيطان الصهيوني قبل قيام إسرائيل (1948). موجات الهجرة. (الأولى والثانية) 1870 – 1914. 1. شراء الأراضي عبر تمويل من أثرياء اليهود (مثل روتشيلد) وتأسيس المستوطنات الزراعية الأولى (مثل نِيتر و بيتاح تكفا و ريشون لتسيون) لتثبيت الوجود البشري. 2. الصندوق القومي اليهودي (كيريم كاييميت) تأسس عام 1901 الأداة المالية والمؤسسية لـ شراء الأراضي في فلسطين وتحويلها إلى "ملك عام للشعب اليهودي" لا يجوز بيعه أو تأجيره لغير اليهود. 3. ظهور الكيبوتسات بدأت عام 1909 أنماط استيطانية زراعية جماعية (مثل كيبوتس دغانيا). لم تكن مجرد مزارع، بل كانت قواعد أمنية وعسكرية متقدمة لرسم حدود التمدد الجغرافي. 4. مستوطنات "السور والبرج" (خوماه و مغدال) 1936 – 1939 إستراتيجية استيطانية عسكرية أقيمت خلال الثورة الفلسطينية الكبرى؛ حيث كان يتم إنشاء المستوطنة (سور وخشب وبرج مراقبة) في ليلة واحدة لتجنب القوانين البريطانية وفرض أمر واقع أمني. *• الرابط بين استيطان ما قبل 1948 وما بعدها. إن السياسة التي اتبعها حزب العمل بعد عام 1967 (في الضفة وغزة وسيناء والجولان)، والسياسة التي يواصلها اليمين الإسرائيلي حتى اليوم، هي امتداد مباشر لنفس العقيدة الاستيطانية الصهيونية الأولى. الفارق الوحيد هو أن الاستيطان قبل عام 1948 كان يتم عبر مؤسسات الحركة الصهيونية والشركات الخاصة تحت الانتداب البريطاني، بينما تحول بعد عام 1948 (وخاصة بعد 1967) إلى سياسة رسمية تنفذها أجهزة الدولة وجيشها بشكل مباشر لتوسيع حدودها وإحكام سيطرتها. *• المفارقة التاريخية من حيث القرارات السياسية الرسمية للحكومات الإسرائيلية. على الرغم من أن الأدبيات السياسية تصنف حزب العمل "يسار وسط" وحزب الليكود "يمين قومي"، إلا أن الوقائع التاريخية سارت على النحو التالي:


1. إقامة الاستيطان (حزب العمل). • البداية والتمهيد: بعد حرب عام 1967، تولى حزب العمل الحكم بالتكتلات المختلفة مثل "المعراخ" الحكم في إسرائيل واستمر فيه حتى عام 1977. • المشاريع الاستيطانية: خلال هذه الفترة، وضع حزب العمل البنية التحتية الأولى والأساسية للاستيطان في الضفة الغربية، وقطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء، وهضبة الجولان. من أبرزها "مشروع آلون" الذي هدف إلى ترسيم حدود إسرائيل عبر إقامة مستوطنات في غور الأردن ومحيط القدس. 2. إزالة الاستيطان من سيناء وغزة (حزب الليكود). • تفكيك مستوطنات سيناء (1982): وقع رئيس الوزراء مناحيم بيغن (مؤسس حزب الليكود) معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (كامب ديفيد). و بموجبها، أخلت حكومة الليكود اليمينية كافة المستوطنات التي أقيمت في شبه جزيرة سيناء، وعلى رأسها مدينة و مستوطنة "ياميت".

• تفكيك مستوطنات غزة (2005): قاد رئيس الوزراء أريئيل شارون (الذي كان أحد أبرز أقطاب حزب الليكود) خطة الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة. وقامت حكومته بتفكيك 21 مستوطنة بالكامل في القطاع (بالإضافة إلى 4 مستوطنات شمال الضفة الغربية) وإخلاء المستوطنين والجيش منها. *• مقارنة تاريخية سريعة. الحدث الحزب الحاكم المسؤول رئيس الوزراء آنذاك. 1. إطلاق الاستيطان وتثبيته بعد 1967 حزب العمل (المعراخ) ليفي أشكول، غولدا مائير، إسحق رابين. 2. إخلاء مستوطنات سيناء (1982) حزب الليكود مناحيم بيغن.

3. إخلاء مستوطنات غزة (2005) حزب الليكود أريئيل شارون. ملاحظة توضيحية: بالرغم من أن الليكود هو من نفذ إزالة للمستوطنات لكن بدافع "الضرورات الإستراتيجية و الديموغرافية والأمنية"، وبقي تاريخياً و عقائدياً الحزب مستمر في سياسة حزب العمل ترويج و توسعاً للاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية عقب صعوده الأول للحكم عام 1977 وحتى اليوم. الخلاصة.المبدأ الأساسي الذي يحكم كلا الحزبين هو "الصهيونية"، والتي تؤمن بالحق التاريخي في إقامة "دولة للشعب اليهودي" على أرض فلسطين التاريخية. الخلاف بين الحزبين لم يكن يوماً على المبدأ، بل على الوسيلة والآلية الإستراتيجية لتحقيق هذا الهدف وحفظ أمن الدولة و صيغتها الديموغرافية (الحفاظ على أغلبية يهودية). يرى الحزبان (العمل و الليكود) أن هذه الأرض هي "أرض إسرائيل"، لكن حزب العمل (اليسار الصهيوني) تميز تاريخياً في البراغماتية؛ التعامل بذكاء وهدوء عكس حزب الليكود يتعامل بأسلوب الاستراتيجية الأمنية . لم تكن عمليات الإخلاء التي قام بها الليكود نابعة من سياسة "مناهضة للاستيطان"، بل فرضتها ضرورات إستراتيجية عليا: السبب الإستراتيجي و الأمني الرئيسي.

1. إخلاء سيناء (1982) من قبل مناحيم بيغن. *• تحييد الجبهة العسكرية الأقوى: كان الهدف عزل مصر (أكبر دولة عربية وجيشها) عن الصراع العربي الإسرائيلي، وضمان سلام دائم على الجبهة الجنوبية، مما أتاح لإسرائيل التفرغ إلى جبهات أخرى (مثل لبنان والضفة). 2. إخلاء قطاع غزة (2005) ارئيل شارون. *• العزل الديموغرافي و الأمني: قطاع غزة كان يمثل عبئاً أمنياً هائلاً وكثافة سكانية فلسطينية ضخمة جداً مقابل عدد قليل من المستوطنين. رأى شارون أن التخلص من هذا العبء سيحمي الأغلبية اليهودية داخل إسرائيل، ويمنحها غطاء دولي للاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية وتعميق السيطرة عليها. الخلاصة: الاستيطان بالنسبة لإسرائيل هو أداة لرسم الحدود وفرض الواقع على الأرض. وحينما يترتب على بقاء بؤرة استيطانية معينة خطر وجودي، أو ديموغرافي، أو استنزاف عسكري هائل يفوق فوائدها، فإن الحكومات الإسرائيلية (سواء كانت يميناً أو يساراً) تلجأ إلى الإخلاء من منظور أمني و إستراتيجي بحت، بالتوازي مع تعزيز الاستيطان وتكثيفه في مناطق أخرى تعتبرها أكثر أهمية وحيوية إلى أمنها ومستقبلها. نائل بركات. كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الفلسطيني الإسرائيلي وقضايا الصراع في الشرق الأوسط.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم