القضاه يكتب: الكرك تنزف… لكن الأردن لا ينحني للفتنة حين يُستهدف المسيحي في كنيسته فإن قلب المسلم في مسجده ينزف معه

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 16232
 القضاه يكتب: الكرك تنزف… لكن الأردن لا ينحني للفتنة حين يُستهدف المسيحي في كنيسته فإن قلب المسلم في مسجده ينزف معه
ابراهيم عبدالله ابراهيم القضاه

ابراهيم عبدالله ابراهيم القضاه

ليس كل رصاصٍ يقتل جسداً فحسب؛ فهناك رصاصٌ يريد أن يقتل ذاكرة وطن، ويمزّق حكاية شعب، ويزرع الكراهية في أرضٍ لم تعرف عبر تاريخها إلا أن أبناءها يتقاسمون الخبز والملح والوجع والأمل. وما شهدته الكرك من اعتداء إرهابي آثم على كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود ليس جريمة بحق أناسٍ أبرياء فحسب، بل هو اعتداء على كرامة الأردن بأكمله، وعلى حرمة الإنسان، وعلى تاريخٍ طويل من الأخوّة بين المسلمين والمسيحيين.




إننا أمام جريمة لا يجوز أن تمرّ في الوجدان الأردني مرور الخبر العابر؛ لأن الدم الذي سُفك في الكنيسة ليس دماً غريباً عنّا، والدمعة التي نزلت من عين أمٍّ مسيحية ليست أقل وجعاً من دمعة أمٍّ مسلمة، واليد التي امتدت إلى بريء لتسلبه حياته هي يدٌ امتدت إلى صدر الوطن كله. نقولها بوضوحٍ لا يقبل التأويل: نرفض الإرهاب رفضاً مطلقاً، ونرفض قتل الأبرياء أياً كانت ديانتهم، ونرفض كل فكرٍ متطرف يحاول أن يمنح الجريمة ثوباً دينياً، أو أن يحوّل الاختلاف في العقيدة إلى رخصةٍ لسفك الدماء.



أولاً: حرمة الدماء في الإسلام ليست شعاراً بل عهدٌ لا يُنقض إن الإسلام الذي نعرفه، والذي تربّت عليه ضمائر الأردنيين، لا يجيز الاعتداء على الإنسان بسبب دينه، ولا يجعل دور العبادة أهدافاً مباحة، ولا يسمح لأحدٍ أن يتخذ من الدين ستاراً لجريمةٍ تهدم ما أمر الله بحفظه. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [سورة المائدة: 32] تأمّلوا عظمة هذا المعنى؛ فالاعتداء على نفسٍ بريئة ليس حادثةً صغيرة تنتهي بانتهاء الجريمة، بل هو اعتداء على قيمة الحياة الإنسانية التي أراد الله لها الحرمة والكرامة.


ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الإسراء: 33] فأين من هذا الوعيد مَن يرفع سلاحه على أناسٍ آمنين في مكان عبادتهم؟ وأيُّ دينٍ هذا الذي يزعم صاحبه أنه ينتصر لله بينما هو يعتدي على خلق الله؟ وأيُّ عقيدةٍ تلك التي تحتاج إلى دموع الأمهات وجنازات الأبرياء لتثبت وجودها؟ لقد جاء الإسلام ليحفظ النفس ويقيم العدل ويصون الحقوق، لا ليمنح القاتل صكّاً من الوهم يبرّر به جريمته.


ثانياً: النبي ﷺ أوصى بأهل الذمة وحذّر من ظلمهم لم يترك رسول الله ﷺ باباً للبس في شأن حرمة الاعتداء على أصحاب العهد والأمان، فقال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» رواه الإمام البخاري في صحيحه، حديث رقم 3166. هذا وعيدٌ نبوي شديد، يكشف عظمة حرمة الدم، وخطورة الغدر بمن له عهدٌ وأمان.


وفي هذا الحديث رسالة واضحة لكل من يحاول توظيف الدين لتبرير قتل المسيحي أو الاعتداء عليه: إن دم الإنسان الذي يعيش آمناً بعهدٍ وأمان ليس مباحاً، وإن الاعتداء عليه جريمة عظيمة لا يمحوها ادعاء التدين، ولا يبررها شعار، ولا يغسلها خطابٌ متطرف. وقد عاش المسيحيون في الأردن شركاء في الأرض والحياة والعمل وبناء الدولة، ولم تكن مواطنتهم يوماً منّةً من أحد، بل هي حقٌّ أصيل، وكرامةٌ مصونة، وشراكةٌ وطنية لا تنتقص منها عقيدة ولا تهزّها رصاصة.


ونحن حين نستشهد بهذه النصوص لا نفعل ذلك لتجميل صورة الإسلام أمام أحد، بل لأننا نؤمن بأن الوفاء لمبادئ الإسلام يبدأ من رفض الظلم، وأن نصرة الدين لا تكون بالقتل، وإنما بالعدل والرحمة وصيانة حقوق الناس.


ثالثاً: الفكر الإرهابي أخطر من السلاح الذي يحمله إن الرصاصة لا تتحرك وحدها؛ قبل أن تستقر في جسد بريء، تكون قد مرّت في عقلٍ تلوّث بالكراهية، وفي ضميرٍ مات فيه الإحساس بالإنسان، وفي فكرٍ أقنع صاحبه أن المختلف عنه عدوٌّ يستحق الموت.


ولهذا فإن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على ملاحقة من ضغط على الزناد، على أهمية ذلك وضرورته، بل تشمل أيضاً مواجهة الفكر الذي يبرّر القتل، والخطاب الذي يحرّض على الكراهية، وكل محاولة لتقسيم المواطنين إلى أصحاب حقٍّ وأصحاب وجودٍ مشروط. الإرهاب لا يبدأ عندما تُطلق الرصاصة؛ بل يبدأ عندما يقتنع الإنسان بأن دم أخيه الإنسان رخيص.


والمتطرف الذي يقتل مسيحياً لأنه مسيحي لا يدافع عن الإسلام، كما أن من يعتدي على مسلمٍ بسبب دينه لا يدافع عن الإنسانية.

كلاهما أسير عقليةٍ واحدة: عقلية إلغاء الآخر، وإنكار حقه في الحياة، وتحويل الاختلاف إلى عداوة. إننا نريد دولةً يحاسب فيها القانون القاتل، ويحمي فيها الدستور المواطن، ويرفض فيها المجتمع خطاب التحريض، ولا يسمح فيها أحدٌ لنفسه أن يجعل من الدين وقوداً للفتنة.



ولا يجوز أن تتحول جريمة فردٍ أو جماعة إلى ذريعةٍ لإدانة دينٍ كامل أو تحميل جماعةٍ دينية مسؤولية فعلٍ لم ترتكبه. فالعدالة تقتضي تحديد المسؤولية ومحاسبة الجناة، لا تعميم الاتهام على الأبرياء.


رابعاً: زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الكرك رسالة دولةٍ لا تنكسر حين زار جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم المصابين واطمأن على أحوالهم، كانت الزيارة أكبر من واجبٍ رسمي أو متابعةٍ إنسانية؛ لقد حملت رسالةً وطنية مفادها أن وجع الأردنيين واحد، وأن الدولة تقف إلى جانب أبنائها في ساعات الألم، وأن أمن المواطن وكرامته ليسا موضوعاً للمساومة.



وفي اللحظات التي يحاول فيها الإرهاب أن ينشر الخوف ويزرع الشك بين أبناء المجتمع، تأتي القيادة الحاضرة بين المصابين لتؤكد أن الوطن لا يترك أبناءه وحدهم، وأن الاعتداء على أي مكوّن من مكوّناته هو اعتداء على الأردن كله. وقد أكد جلالة الملك أن رصاص الغدر لن يشق صف الأردنيين، وأن أبناء الوطن شركاء الأرض والموقف من شماله إلى جنوبه.


وهنا نقول: إن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على مواجهة المجرمين وحدها، بل أيضاً بقدرتها على حماية وحدة المجتمع، وإقامة العدالة، وطمأنة الناس، وصون حقوق الجميع دون تمييز.


إننا نثق بمؤسساتنا الأمنية والقضائية، ونطالب بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن هذه الجريمة وفق القانون، بأشد ما يجيزه القانون من عقوبات، بعيداً عن الانتقام والفوضى والتعميم. فلا عدالة بلا قانون، ولا أمن بلا عدالة، ولا وطن قويٌّ إذا تُركت الكراهية تعبث بعقول أبنائه.



خامساً: في الأردن لا تفصل بين المسلم والمسيحي جدران العقيدة حين ينادي الوطن في الأردن، لم يكن المسلم غريباً عن الكنيسة، ولم يكن المسيحي غريباً عن المسجد؛ فبينهما خبزٌ تقاسماه، وبيوتٌ تجاور بعضها بعضاً، وأفراحٌ حضرها الجميع، وأحزانٌ لم يسأل فيها أحدٌ عن ديانة من يبكي. في الكرك، كما في عمّان وإربد والسلط ومادبا وعجلون وسائر مدن الأردن وقراه، تتجاور حكايات الناس، وتتداخل ذكرياتهم، ويعملون معاً، ويتعلم أبناؤهم في مدارس الوطن، ويسهمون في بنائه، ويحملون همومه وآماله. لسنا بحاجة إلى اختراع الأخوّة بعد هذه الجريمة؛ نحن بحاجة إلى حماية أخوّةٍ موجودة في بيوتنا وشوارعنا وذاكرتنا الوطنية. المسيحي الأردني ليس ضيفاً في وطنه، والمسلم الأردني ليس وصياً على مواطنة أخيه؛ كلاهما صاحب حقٍّ وشريكٌ كامل في الأرض والكرامة والمستقبل. ولا نقول إننا نسيج واحد لمجرد أن العبارة جميلة، بل لأن الوطن لا يقوم إلا حين يشعر كل مواطن أن حياته مصونة، وكرامته محترمة، وحقه في العبادة والأمان مكفول. حين يُصاب مسيحي في الكرك، لا نقول إن المصاب يخص المسيحيين وحدهم؛ نقول إن جرحاً أصاب الأردن. وحين يُعتدى على مسجدٍ أو كنيسة، فإن الواجب الوطني والإنساني واحد: إدانة الجريمة وحماية الناس وصون حرمة دور العبادة. إن أجراس الكنائس وأذان المساجد ليسا صوتين متخاصمين في سماء الأردن؛ إنهما جزءٌ من مشهد وطنٍ يتسع لأبنائه، ويستمد قوته من احترامهم المتبادل، ومن إيمانهم بأن الكرامة الإنسانية لا تُجزّأ.


سادساً: لا تسمحوا للقتلة بأن يسرقوا منّا وطناً بنيناه معاً إن أخطر ما يمكن أن يحققه الإرهاب ليس عدد الضحايا وحده، مهما كان الألم عظيماً، بل أن ينجح في تحويل الخوف إلى شك، والحزن إلى كراهية، والاختلاف إلى قطيعة. لهذا فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقف عند نشر عبارات الاستنكار، بل تتطلب أن نرفض الشائعات، وألا نعيد نشر خطاب التحريض، وألا نسمح لأحدٍ بأن يستغل دماء الضحايا لإشعال فتنةٍ بين الأردنيين.


ولنكن واضحين: إن المطالبة بالعدالة لا تعني الانتقام، والحزم لا يعني الظلم، وحماية الوطن لا تعني التشكيك في مواطنة أحد. إنما تعني أن يُحاسب المجرم على فعله، وأن يبقى البريء مصوناً بحقوقه، وأن تنتصر مؤسسات الدولة على الجريمة دون أن تتنازل عن القانون.

إلى أهلنا المسيحيين في الكرك وفي كل مكان من الأردن: لستم وحدكم في هذا الحزن، ولا في هذا المصاب. دموعكم دموعنا، ووجعكم وجعنا، وبيوتكم من بيوت هذا الوطن الذي نريده آمناً وعادلاً لجميع أبنائه. وإلى أهلنا المسلمين: إن الوفاء لديننا يكون بالعدل والرحمة وحماية الأبرياء، وإن من واجبنا أن نرفع أصواتنا ضد التطرف بوضوحٍ لا لبس فيه، وأن نرفض كل من يحاول تشويه الإسلام بأفعالٍ تناقض مقاصده وقيمه.


وإلى كل أردني وأردنية: لا تمنحوا الإرهاب ما عجز عن انتزاعه بالقوة. لا تمنحوه خلافنا، ولا ثقتنا ببعضنا، ولا سلام بيوتنا، ولا وحدة شوارعنا.



الخاتمة: الأردن أكبر من رصاصة وأبقى من فتنة يا أهل الكرك، يا أهل النخوة والتاريخ، إن المصاب عظيم، لكن عزاءنا أن هذا الوطن يعرف كيف يقف في وجه المحن، وكيف يضمّد جراحه، وكيف يحوّل الألم إلى موقفٍ وطني لا يتزعزع. سنظل نرفض الإرهاب بكل أشكاله، وسنظل نطالب بالعدالة لكل ضحية، وسنظل نحمي حق كل أردني في الحياة والعبادة والأمان، ولن نسمح لمن يحمل فكراً ظلامياً أن يختطف ديننا أو وطننا أو مستقبل أبنائنا.


إن الأردن ليس خطوطاً على خريطة، ولا مجرد حدودٍ تحرسها البنادق؛ الأردن عهدٌ بين أبنائه، وكرامةٌ لا تتجزأ، وبيتٌ لا يجوز أن يشعر فيه أحدٌ بأنه أقل أمناً أو انتماءً من أخيه. ولن نقول إن دم المسيحي الأردني دمٌ يخص المسيحيين، أو إن دم المسلم دمٌ يخص المسلمين؛ بل نقول إن الدم الأردني حرامٌ وغالٍ، وإن كل قطرةٍ بريئة تسقط هي خسارةٌ في قلب الوطن. قد يطلق الإرهاب رصاصته في لحظةٍ من الغدر، لكنه لن يستطيع أن يمحو قروناً من الأخوّة، ولن يستطيع أن يجعل الكرك غريبةً عن الأردن، ولن يستطيع أن يحوّل أبناء الوطن الواحد إلى أعداء.


نحن المسلمون والمسيحيون لسنا جماعتين تتعايشان على مضض؛ نحن أبناء وطنٍ واحد، تجمعنا المواطنة والكرامة والمصير.


وسيظل في الأردن متسعٌ للمسجد والكنيسة، وللأذان والجرس، وللاختلاف الذي لا يفسد الأخوّة، وللعدالة التي لا تعرف المحاباة.



رحم الله ضحايا هذه الجريمة، وألهم أهلهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء، وأدام عليه نعمة الأمن والوحدة في ظل القيادة الهاشمية. عاش الأردن وطناً لجميع أبنائه، وعاشت وحدته الوطنية عصيّةً على الإرهاب والفتنة، وسيبقى الدم الأردني أغلى من كل شعارات الكراهية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم