د. محمد حرب بشير اللصاصمة يكتب: مَا وَرَاءَ الْإِرْهَابِ .. الْخَلَايَا النَّائِمَةُ وَتَحَدِّيَاتُ الِاسْتِبَاقِ وَالْمُعَالَجَاتِ الشَّامِلَةِ؟!

منذ 52 دقيقة
المشاهدات : 6766
د. محمد حرب بشير اللصاصمة يكتب: مَا وَرَاءَ الْإِرْهَابِ  ..  الْخَلَايَا النَّائِمَةُ وَتَحَدِّيَاتُ الِاسْتِبَاقِ وَالْمُعَالَجَاتِ الشَّامِلَةِ؟!
د.محمد حرب اللصاصمة

د.محمد حرب اللصاصمة

لَيْسَ الْإِرْهَابُ دَائِمًا مَشْهَدًا صَاخِبًا تَسْبِقُهُ الْمُوَاجَهَاتُ وَتَكْشِفُهُ الْأَحْدَاثُ الْمُفَاجِئَةُ؛ فَقَدْ يَتَشَكَّلُ فِي الظِّلِّ، وَيَنْمو فِي مَسَاحَاتٍ مُغْلَقَةٍ، وَيَتَغَذَّى عَلَى أَفْكَارٍ مُتَطَرِّفَةٍ وَعَلَاقَاتٍ مُشْبُوهَةٍ وَتَحْرِيضٍ مُتَرَاكِمٍ، حَتَّى يَبْدُو فِي لَحْظَةٍ مَا كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْعَدَمِ.



وَهُنَا تَكْمُنُ خُطُورَةُ مَا يُعْرَفُ بِـ«الْخَلَايَا النَّائِمَةِ»؛ فَهِيَ تَضَعُ الدَّوْلَةَ وَالْمُجْتَمَعَ أَمَامَ تَحَدٍّ يَتَجَاوَزُ مَطَارَدَةَ الْفِعْلِ الْإِرْهَابِيِّ بَعْدَ وُقُوعِهِ، إِلَى فَهْمِ الْبِيئَةِ الَّتِي تَسْمَحُ بِتَكَوُّنِهِ، وَاكْتِشَافِ مَسَارَاتِ التَّطَرُّفِ قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى عُنْفٍ، وَبِنَاءِ مَنَاعَةٍ وَطَنِيَّةٍ تَحُولُ دُونَ اخْتِرَاقِ الْأَمْنِ وَتَفْكِيكِ السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ. إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الْخَلَايَا النَّائِمَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الصُّورَةِ الْأَمْنِيَّةِ الْمُبَاشِرَةِ؛ فَالْمُصْطَلَحُ يَشِيرُ، فِي الْعُمُومِ، إِلَى أَفْرَادٍ أَوْ شَبَكَاتٍ قَدْ تَبْقَى بَعِيدَةً عَنِ النَّشَاطِ الْعَنِيفِ الظَّاهِرِ، أَوْ تَنْتَظِرُ ظُرُوفًا مُعَيَّنَةً لِلْتَحَرُّكِ، مَعَ احْتِفَاظِهَا بِصِلَاتٍ أَوْ قَنَاعَاتٍ تُرْبِطُهَا بِمَشْرُوعٍ مُتَطَرِّفٍ. وَلَكِنَّ هَذَا الْمُفْهُومَ يَحْتَاجُ إِلَى قِرَاءَةٍ دَقِيقَةٍ؛ فَلَيْسَ كُلُّ تَدَيُّنٍ تَطَرُّفًا، وَلَا كُلُّ اخْتِلَافٍ فِكْرِيٍّ تَهْدِيدًا، وَلَا كُلُّ سُلُوكٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ دَلِيلًا عَلَى نَشَاطٍ إِرْهَابِيٍّ.



إِنَّ الْخَطَرَ يَكْمُنُ فِي الْقَصْدِ الْعُنْفِيِّ وَالِارْتِبَاطِ بِمُمَارَسَاتٍ إِجْرَامِيَّةٍ، وَهُوَ مَا يَجِبُ أَنْ يُثْبَتَ بِالْأَدِلَّةِ وَالْإِجْرَاءَاتِ الْقَانُونِيَّةِ، لَا بِالظُّنُونِ وَالْأَحْكَامِ الْمُسْبَقَةِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْمَعْرَكَةَ الْحَقِيقِيَّةَ مَعَ الْإِرْهَابِ تَبْدَأُ مِنْ فَهْمِ مَا وَرَاءَ الْفِعْلِ، لَا الِاكْتِفَاءِ بِمَا يَظْهَرُ مِنْهُ.


فَالْعُنْفُ لَا يَنْشَأُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَالَاتِ مِنْ فَرَاغٍ؛ قَدْ تَسْبِقُهُ عَمَلِيَّاتُ تَضْلِيلٍ فِكْرِيٍّ، وَاسْتِغْلَالٌ لِلْغَضَبِ وَالْإِحْبَاطِ، وَخِطَابَاتٌ تَسْتَبِيحُ الْآخَرَ وَتَنْزِعُ عَنْهُ إِنْسَانِيَّتَهُ، وَمُحَاوَلَاتٌ لِتَصْوِيرِ الْعُنْفِ عَلَى أَنَّهُ بَطُولَةٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ طَرِيقٌ إِلَى تَغْيِيرِ الْوَاقِعِ. وَحِينَ تَتَرَاكَمُ هَذِهِ الْأَفْكَارُ فِي بِيئَةٍ تَضْعُفُ فِيهَا الْمَنَاعَةُ الْفِكْرِيَّةُ وَالْعَلَاقَاتُ الْمُجْتَمَعِيَّةُ، يُصْبِحُ الْفَرْدُ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِلِاسْتِغْلَالِ وَالِاسْتِقْطَابِ. وَلَا يَكْمُنُ الْخَطَرُ فِي الْخَلَايَا النَّائِمَةِ فِي صُعُوبَةِ اكْتِشَافِهَا فَحَسْبُ، بَلْ فِي قُدْرَةِ الْفِكْرِ الْمُتَطَرِّفِ عَلَى التَّكَيُّفِ مَعَ الْمُتَغَيِّرَاتِ، وَاسْتِغْلَالِ الْفَرَاغَاتِ الْمَعْرِفِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَتَوْظِيفِ الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ فِي تَسْوِيقِ الْخِطَابَاتِ الْمُتَشَدِّدَةِ وَتَغْذِيَةِ الْعُزْلَةِ وَالْقَطِيعَةِ. وَقَدْ أَصْبَحَتِ الْمَعْلُومَةُ الْمُضَلِّلَةُ وَالْمُحْتَوَى التَّحْرِيضِيُّ وَالْخِطَابُ الْقَائِمُ عَلَى نَظَرِيَّاتِ الْكَرَاهِيَةِ تَحَدِّيَاتٍ تَفْرِضُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ أَنْ يَطُوِّرَ قُدْرَتَهُ عَلَى التَّحَقُّقِ وَالتَّمْيِيزِ وَالتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ.


فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَتْرُكَ الْعَقْلَ الْمُجْتَمَعِيَّ فَرِيسَةً لِمَصَادِرَ تُغَذِّي التَّطَرُّفَ، وَلَا أَنْ نَتَعَامَلَ مَعَ الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ كَأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَسْؤُولِيَّةِ الْوَعْيِ الْوَطَنِيِّ.


وَهُنَا تَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ الِاسْتِبَاقِ، لَا بِمَعْنَى التَّوَسُّعِ فِي الشَّكِّ أَوْ مُرَاقَبَةِ الْمُجْتَمَعِ بِمَنْطِقِ الِاشْتِبَاهِ الْعَامِّ، بَلْ بِمَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ رَدِّ الْفِعْلِ إِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْمُؤَشِّرَاتِ الْمَوْضُوعِيَّةِ وَالتَّعَامُلِ مَعَهَا فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ. وَيَتَطَلَّبُ ذَلِكَ تَعَاوُنًا مِهْنِيًّا بَيْنَ الْمُؤَسَّسَاتِ الْمَعْنِيَّةِ، وَتَحْلِيلًا مَسْؤُولًا لِلْمَعْلُومَاتِ، وَإِجْرَاءَاتٍ قَانُونِيَّةً وَاضِحَةً، وَقَنَوَاتٍ آمِنَةً لِلْإِبْلَاغِ عَنِ التَّهْدِيدَاتِ الْجِدِّيَّةِ. كَمَا يَحْتَاجُ إِلَى تَدْرِيبِ الْمُؤَسَّسَاتِ عَلَى التَّنْسِيقِ وَسُرْعَةِ الِاسْتِجَابَةِ، وَمُرَاجَعَةِ الْإِجْرَاءَاتِ وَتَحْسِينِ قُدْرَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ عَلَى حِمَايَةِ الْمُوَاطِنِينَ وَالْمَرَافِقِ الْحَيَوِيَّةِ، دُونَ الْمَسَاسِ بِالْحُقُوقِ وَالْحُرِّيَّاتِ.


وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْيَقَظَةِ وَالْهَلَعِ فَارِقٌ جَوْهَرِيٌّ؛ فَالْيَقَظَةُ تَعْنِي الْوَعْيَ وَالْمَعْرِفَةَ وَحُسْنَ التَّقْدِيرِ، أَمَّا الْهَلَعُ فَيُوَلِّدُ الشَّائِعَاتِ وَالتَّوَجُّسَ وَالِاشْتِبَاهَ غَيْرَ الْمُبَرَّرِ.


وَمِنْ أَخْطَرِ مَا قَدْ يَحْدُثُ أَنْ تَتَحَوَّلَ مُوَاجَهَةُ الْإِرْهَابِ إِلَى مَسَاحَةٍ لِلِاتِّهَامِ وَالتَّعْمِيمِ، فَيُصْبِحُ الْأَبْرِيَاءُ مَوْضِعَ شَكٍّ بِسَبَبِ هُوِيَّةٍ أَوْ انْتِمَاءٍ أَوْ رَأْيٍ، وَتَتَآكَلُ الثِّقَةُ بَيْنَ الْمُجْتَمَعِ وَمُؤَسَّسَاتِهِ.


وَهَذَا مَا يَخْدِمُ الْمَنْطِقَ الْإِرْهَابِيَّ مِنْ حَيْثُ لَا نُرِيدُ؛ لِأَنَّ التَّطَرُّفَ يَتَغَذَّى عَلَى الْفُرْقَةِ وَالْإِقْصَاءِ وَضَعْفِ الثِّقَةِ. لِذَلِكَ، فَإِنَّ الِالْتِزَامَ بِالْقَانُونِ وَحُقُوقِ الْإِنْسَانِ لَيْسَ عَائِقًا أَمَامَ الْأَمْنِ، بَلْ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ مَشْرُوعِيَّتِهِ وَاسْتِدَامَتِهِ. وَإِذَا كَانَتِ الْمُؤَسَّسَاتُ الْأَمْنِيَّةُ تَتَحَمَّلُ دَوْرًا مَحْوَرِيًّا فِي الْحِمَايَةِ وَالْمَنْعِ وَالتَّعَامُلِ مَعَ التَّهْدِيدَاتِ، فَإِنَّ مُعَالَجَةَ الْجُذُورِ تَحْتَاجُ إِلَى شَرَاكَةٍ وَطَنِيَّةٍ أَوْسَعَ. فَالْأُسْرَةُ تَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةٍ تُمَكِّنُهَا مِنْ مُلَاحَظَةِ التَّحَوُّلَاتِ الْمُقْلِقَةِ فِي سُلُوكِ أَبْنَائِهَا، وَالتَّحَدُّثِ مَعَهُمْ دُونَ تَهْدِيدٍ أَوْ إِذْلَالٍ. وَالْمَدْرَسَةُ مَعْنِيَّةٌ بِبِنَاءِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ وَتَعْلِيمِ قِيَمِ الْمُوَاطَنَةِ وَاحْتِرَامِ الِاخْتِلَافِ. وَالْجَامِعَةُ مَطْلُوبٌ مِنْهَا أَنْ تَفْتَحَ مَسَاحَاتٍ لِلْحِوَارِ الْعِلْمِيِّ وَتَفْكِيكِ الْخِطَابَاتِ الْمُتَطَرِّفَةِ، وَأَنْ تَدْعَمَ الْبَحْثَ فِي أَسْبَابِ التَّشَدُّدِ وَمَسَارَاتِ الْوِقَايَةِ وَإِعَادَةِ الِانْدِمَاجِ. أَمَّا الْمُؤَسَّسَاتُ الدِّينِيَّةُ وَالثَّقَافِيَّةُ، فَمَسْؤُولِيَّتُهَا أَنْ تُرَسِّخَ فَهْمًا مُتَوَازِنًا لِلْقِيَمِ وَالنُّصُوصِ، وَأَنْ تُوَاجِهَ خِطَابَ التَّكْفِيرِ وَالْكَرَاهِيَةِ بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ وَالْحِكْمَةِ، لَا بِالِاسْتِقْطَابِ الْمُضَادِّ.


وَعَلَى الْإِعْلَامِ أَنْ يَتَحَرَّى الدِّقَّةَ وَيَتَجَنَّبَ تَضْخِيمَ الْمَخَاوِفِ أَوْ تَحْوِيلَ الْمُتَّهَمِينَ إِلَى أَبْطَالٍ فِي الْخِطَابِ الْمُتَطَرِّفِ، وَأَنْ يَتَنَاوَلَ الْحَوَادِثَ بِمِهْنِيَّةٍ تَحْفَظُ حَقَّ الْجُمْهُورِ فِي الْمَعْرِفَةِ دُونَ أَنْ تَمْنَحَ الْمُتَطَرِّفِينَ مَسَاحَةً لِلدِّعَايَةِ وَالتَّأْثِيرِ. وَلَا تَكْتَمِلُ الْمُعَالَجَاتُ الشَّامِلَةُ دُونَ تَنَاوُلِ الْعَوَامِلِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَجْعَلُ بَعْضَ الْأَفْرَادِ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِلِاسْتِقْطَابِ وَالِاسْتِغْلَالِ. فَالتَّهْمِيشُ لَا يُنْتِجُ الْإِرْهَابَ تِلْقَائِيًّا، وَالْفَقْرُ لَيْسَ تَفْسِيرًا كَافِيًا لِلتَّطَرُّفِ، وَلَكِنَّ الْبِيئَاتِ الَّتِي تَضْعُفُ فِيهَا فُرَصُ الْمُشَارَكَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْعَمَلِ وَالْإِحْسَاسِ بِالْكَرَامَةِ قَدْ تُسْهِمُ فِي إِتَاحَةِ مَسَاحَاتٍ لِلِاسْتِغْلَالِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الْعَدَالَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ، وَتَكْافُؤَ الْفُرَصِ، وَتَمْكِينَ الشَّبَابِ، وَتَعْزِيزَ الثِّقَةِ بِالْمُؤَسَّسَاتِ، لَيْسَتْ مَلَفَّاتٍ مُنْفَصِلَةً عَنْ الْأَمْنِ؛ بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ بِنَاءِ الْمَنَاعَةِ الَّتِي تَحُولُ دُونَ تَحَوُّلِ الِاسْتِيَاءِ إِلَى تَطَرُّفٍ، وَالْعُزْلَةِ إِلَى انْقِطَاعٍ، وَالْغَضَبِ إِلَى عُنْفٍ.


وَثَمَّةَ بُعْدٌ آخَرُ لَا يَجُوزُ إِغْفَالُهُ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الْمُوَاجَهَةِ؛ فَالْمُعَالَجَةُ لَا تَنْتَهِي بِتَفْكِيكِ شَبَكَةٍ أَوْ إِحْبَاطِ مُخَطَّطٍ، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى تَقْيِيمٍ مُسْتَمِرٍّ لِلثَّغَرَاتِ، وَرِعَايَةٍ لِلْمُتَضَرِّرِينَ، وَمُعَالَجَةٍ لِلصَّدْمَاتِ النَّفْسِيَّةِ، وَبَرَامِجَ مَدْرُوسَةٍ لِلْوِقَايَةِ مِنَ الِانْتِكَاسِ وَإِعَادَةِ الِانْدِمَاجِ، وَتَعَامُلٍ قَانُونِيٍّ مَعَ مَنْ يَثْبُتُ تَوَرُّطُهُ. فَالْوِقَايَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَتَعَلَّمُ مِنَ الْأَزَمَاتِ، وَتُحَوِّلُ الدُّرُوسَ إِلَى سِيَاسَاتٍ وَإِجْرَاءَاتٍ وَمُؤَشِّرَاتِ أَدَاءٍ، لَا إِلَى تَحْذِيرَاتٍ مُتَكَرِّرَةٍ تَفْقِدُ أَثَرَهَا مَعَ الْوَقْتِ. إِنَّ الدَّوْلَةَ الْقَوِيَّةَ لَيْسَتِ الَّتِي تَنْتَظِرُ الْخَطَرَ حَتَّى يَطْرُقَ أَبْوَابَهَا، وَلَا الَّتِي تُحِيلُ الْمُجْتَمَعَ إِلَى مَسَاحَةٍ دَائِمَةٍ مِنَ الِاشْتِبَاهِ؛ إِنَّهَا الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الْقُدْرَةِ الْأَمْنِيَّةِ وَالْبَصِيرَةِ الْمُؤَسَّسِيَّةِ، وَبَيْنَ الْحَزْمِ وَالْعَدَالَةِ، وَبَيْنَ الْوِقَايَةِ وَالْمُعَالَجَةِ. وَالْمُجْتَمَعُ الْمَنِيعُ لَيْسَ الَّذِي يَخْلُو مِنَ الِاخْتِلَافِ، بَلْ الَّذِي يَمْلِكُ مِنَ الثِّقَةِ وَالْوَعْيِ وَالتَّمَاسُكِ مَا يَمْنَعُ تَحْوِيلَ الِاخْتِلَافِ إِلَى عَدَاءٍ، وَالْغَضَبِ إِلَى تَحْرِيضٍ، وَالْفِكْرَ الْمُتَطَرِّفَ إِلَى جَرِيمَةٍ. فَمَا وَرَاءَ الْإِرْهَابِ لَيْسَ خَلِيَّةً نَائِمَةً فَحَسْبُ، بَلْ بِيئَةٌ يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَهَا، وَفَكْرٌ يَجِبُ أَنْ نُفَكِّكَ مَرْتَكَزَاتِهِ، وَثَغَرَاتٌ يَجِبُ أَنْ نُعَالِجَهَا، وَثِقَةٌ يَجِبُ أَنْ نَحْمِيَهَا. إِنَّ الِانْتِصَارَ الْحَقِيقِيَّ لَا يُقَاسُ بِمَنْعِ هَجْمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، بَلْ بِبِنَاءِ وَطَنٍ تَضِيقُ فِيهِ مَسَاحَاتُ التَّطَرُّفِ، وَتَقْوَى فِيهِ مَنَاعَةُ الْإِنْسَانِ، وَتَتَكَامَلُ فِيهِ الْمُؤَسَّسَاتُ دُونَ أَنْ تَتَجَاوَزَ الْقَانُونَ. فَحِينَ تَجْتَمِعُ الْيَقَظَةُ مَعَ الْعَدَالَةِ، وَالْأَمْنُ مَعَ الْوَعْيِ، وَالْحَزْمُ مَعَ الْمُعَالَجَةِ، يَفْقِدُ الْإِرْهَابُ مَسَاحَةَ التَّمَدُّدِ، وَيَسْتَعِيدُ الْوَطَنُ أَقْوَى أَسْلِحَتِهِ: إِنْسَانَهُ الْوَاعِيَ، وَمُجْتَمَعَهُ الْمُتَمَاسِكَ، وَدَوْلَتَهُ الْعَادِلَةَ الْقَادِرَةَ.
وسوم:
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم