الدكتور علي الصلاحين يكتب: ديناميات الغلو والتطرف

منذ 52 دقيقة
المشاهدات : 7101
الدكتور علي الصلاحين يكتب: ديناميات الغلو والتطرف
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

ليست خطورة الغلوّ والتطرف في التشدد وحده، بل في أن يتحوّل الإيمان من رسالة رحمة وهداية إلى وسيلة للإقصاء والكراهية، وأن يظن الإنسان أنه ينتصر للدين، بينما تبتعد ممارساته عن مقاصده وقيمه. وهنا تكمن المفارقة؛ أن يحمل المرء راية الحق، ثم يمارس باسمه ما يناقض العدل والرحمة.



ينشأ التطرف حين تتحول الفكرة إلى عقيدة مغلقة لا تقبل النقاش، وحين يعتقد أصحابها أنهم وحدهم يملكون الحقيقة، وأن مخالفيهم لا يستحقون الحوار أو الاحترام. وقد تبدأ الحكاية برفض الظلم ومقاومة الفساد، ثم تنتهي إلى ظلم جديد، لأن الغلوّ يمنح صاحبه شعورًا بالتفوق، ويجعله يرفض النقد والمراجعة. وهكذا قد تنقلب الثورات على أبنائها، حين تصبح الفكرة فوق الإنسان، ويغدو الاختلاف معها سببًا للإقصاء والعداء. لقد جاء الإسلام ليقيم ميزانًا يحمي الإنسان من هذا الانحراف، فقال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. فالوسطية ليست ضعفًا ولا تراجعًا عن الحق، بل هي عدل واتزان، وقدرة على التمييز بين الحزم والتعصب، وبين الدفاع عن المبادئ والاعتداء على الآخرين.



إنها أن نرفض الخطأ دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نتمسك بالحق دون أن نصادر كرامة الناس. وقد جسّد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المعاني في سيرته، فكان حريصًا على هداية الناس، لا على الانتقام منهم. ففي صلح الحديبية قبل شروطًا رأى بعض الصحابة فيها مشقة، لكنه نظر إلى ما وراء اللحظة، وإلى ما يمكن أن تحققه الحكمة من خير أكبر. وفي الطائف، حين اشتد أذى أهلها عليه، لم يختر الانتقام، بل أبقى باب الأمل مفتوحًا، راجيًا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده. لقد رأى في الإنسان فرصة للهداية، لا مجرد خصم يستحق العقاب.


وهنا يظهر الفرق بين صاحب الرسالة وأسير الكراهية؛ فالأول يسعى إلى إصلاح الإنسان، والثاني ينشغل بإدانته وإقصائه.

وليس في الرحمة قبولٌ بالظلم، ولا في التسامح تفريطٌ بالحقوق، وإنما أن يكون موقفنا منضبطًا بالعدل، وألا يدفعنا الغضب إلى تجاوز حدود الحق. إن مواجهة التطرف لا تكون بتطرف مضاد، بل بتربية واعية تعلّم الأجيال فهم القرآن في سياقه ومقاصده، والاقتداء بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، واحترام كرامة الإنسان، والتمييز بين الاختلاف والعداوة، وبين النقد والتكفير، وبين الإصلاح والانتقام.


كما أن الظلم والفساد وغياب العدالة بيئات تساعد على نمو التطرف، مما يجعل الإصلاح مسؤولية دينية وتربوية واجتماعية مشتركة.

إن أخطر ما يفعله الغلوّ أنه يقنع صاحبه بأن القسوة فضيلة، والكراهية دليل إيمان، وإقصاء الآخرين انتصار للحق. والحقيقة أن الإيمان لا يُقاس باتساع دائرة الأعداء، بل بصدق الإنسان وعدله ورحمته. فليس كل من خالفنا عدوًا، وليس كل من أخطأ ميؤوسًا من إصلاحه. وأعظم الانتصارات أن نتمسك بالحق دون ظلم، وأن نواجه الخطأ دون أن نفقد إنسانيتنا؛ فالرحمة ليست نقيض القوة، بل هي أسمى صورها، والهداية لا تُصنع بالكراهية، وإنما بالحكمة والعدل وحسن الخلق.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم