تهاني روحي تكتب: بعد الكرك .. ماذا نعلم أبناءنا عن بعضنا؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 16012
تهاني روحي تكتب: بعد الكرك ..  ماذا نعلم أبناءنا عن بعضنا؟
تهاني روحي

تهاني روحي

أمسكت قلمي مرات عدة، فقد كان الحزن أثقل من التحليل. فما جرى في كنيسة حمود بالكرك أصاب أناسا اجتمعوا ليودّعوا عزيزا عليهم، فإذا بالموت ينتزع آخرين من بينهم. ورأيتُ في الأيام الماضية ما يستحق التوقف، أردنيون من كل المحافظات توافدوا إلى حمود للتشييع، ومساجد وكنائس رفعت الدعاء نفسه، وهذا المشهد حقيقي، وهو ما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا، إذا كان هذا هو الأردن، فمن أين جاء من أطلق النار؟


أكثر من عقد ونصف أمضيته بين مؤتمرات وورش عمل وندوات. التقيت رجال دين متنورين، وشبابا أتاحت لهم المعرفة المباشرة بالآخر مراجعة أفكار ورثوها ولم يختبروها. وللأردن السباقة بإطلاق مبادرة عالمية من جلالة الملك بأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، ومن رسالة عمان، وجهود مؤسسات وأفراد آمنوا بأن تنوّع المجتمع مصدر غنى له.
لكن للحقيقة وجب أن أقول إن ما ألاحظه منذ سنوات، معظم هذا الحوار يجري بين من هم مقتنعون به أصلًا. الوجوه نفسها تلتقي في القاعات نفسها، تتبادل الكلمات نفسها. أما الشاب الذي يتشكل وعيه في الصف أو على هاتفه، فنادرا ما يصله شيء من ذلك.
لا أقول إن الجهود ضاعت، فهي من صنعت التضامن الذي رأيناه هذا الأسبوع، فالتضامن الواسع لا يعني أن التعصب غائب، كما أن وجود التعصب لا يلغي حقيقة العيش المشترك. إدراك الأمرين معا يساعدنا على حماية ما بنيناه ومعالجة ما أهملناه، بعيدًا عن الاكتفاء بطمأنة أنفسنا أو التشكيك بمجتمعنا كله.
كتبنا وتحدثنا كثيرا بأن مناهجنا تحتاج إلى إبراز غنى التنوع الديني والثقافي في الأردن. وما زلت أرى أن البداية من هنا، ماذا يعرف الطالب في المدرسة عن زميله وجاره المختلف؟ وأن يتعلم في مادة التربية الوطنية أن الأردن بناه المسلم والمسيحي، والشركسي والشيشاني والأرمني، والدرزي والبهائي، وكل مكوّن مهما كان عدده. وأن يتعلم كيف يختلف دون أن يقصي، وكيف يرى الأمور بعيونه لا بعيون الآخرين، حتى لا يقع فريسة أحكام جاهزة.
وللخطاب الديني مسؤولية أساسية في هذا البناء. فالكلمة على المنبر، وفي الموعظة وحصة التربية الدينية، تسهم في تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى غيره. ومن هنا أهمية أن يقترن الحديث عن الرحمة والعدل باحترام ملموس عن نبل الإنسان وكرامته. ويكون أثر القيادات الدينية أعمق حين يمتد تعاونها إلى خدمة الناس ومعالجة همومهم المشتركة، فيكون الهدف المزدوج انعكاسا صادقا لما تعكسه التربية الدينية من أعمال وخدمة للمجتمع.
ويمتد هذا الواجب إلى الإعلام والفضاء الرقمي، مسؤوليتنا كإعلاميين أن نمنح الناس فرصة لفهم بعضهم، وأن ننتبه إلى اللغة المستخدمة. كما نحتاج إلى إشراك الشباب في حوارات جادة تساعدهم على فحص ما يتلقونه، وتمنحهم قدرة على الاختلاف دون إقصاء.
هذه مسؤوليات تحتاج إلى عمل متواصل تتراكم نتائجه. فالمبادرة التي تنتهي بانتهاء تمويلها، والندوة التي نقيس نجاحها بعدد الحاضرين، قد لا تكفيان لإحداث التغيير المنشود. نحتاج إلى تنسيق يجمع المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والمجتمع المدني، وإلى متابعة تسأل عمّا تغير في معرفة الطلبة وسلوكهم، وفي علاقات الناس داخل أحيائهم ومؤسساتهم في عملية تشاورية بروح من المحبة.
التضامن مع أهل حمود واجب إنساني ووطني، وله في نفوس المفجوعين معنى لا تعوّضه الكلمات. والوفاء لهذا المصاب يقتضي أن يستمر اهتمامنا بعد انقضاء العزاء، وأن نراجع بصدق ما نقوله ونعلّمه ونسمح بتداوله عن بعضنا. فالسؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا هو: ماذا نعلّم أبناءنا عن المختلف، وأيّ مكان نمنحه في صورة الوطن التي يكبرون عليها؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم