نسرين أبوالرُّب تكتب: (ياعين حمود لاتبكي)

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 28441
 نسرين أبوالرُّب تكتب: (ياعين حمود لاتبكي)
نسرين غازي أبوالرب

نسرين غازي أبوالرب

لم تكن فاجعة قرية حمود في الكرك خبرًا مرّ أمام عينيّ ثم مضى، بل وجعًا استقرّ في أعماقي وترك في القلب غصّةً لا تفيها الكلمات حقّها. منذ وقوع هذه الجريمة وأنا أشعر أن الحزن أكبر من قدرتنا على التعبير، وأن مشهد الفقد حين يطرق أبواب البيوت الآمنة يترك في الروح أسئلةً موجعة عن قسوة التطرف وعن حق الإنسان في أن يعيش مطمئنًا وأن يودّع أحباءه دون أن تتحول الحياة إلى فاجعة.

إلى أهلنا في حمود وإلى كل قلبٍ أوجعه هذا المصاب أكتب بقلبٍ حزين، لا لأدّعي أن الكلمات تجبر ما انكسر، بل لأقول لكم إن ألمكم ليس بعيدًا عنّا وإننا نحمل من وجعكم نصيبًا في قلوبنا. إن المواساة الصادقة تبدأ من الاعتراف بأن بعض الأحزان لا تُختصر في عبارة ولا تنتهي بانتهاء مراسم العزاء.

ما يؤلمني أكثر أن خلف كل اسمٍ فقدناه حكايةً لم تكتمل، وخلف كل جنازة أمًّا ستظل تبحث عن صوتٍ ألفته، وأبًا يحاول أن يستوعب غيابًا لم يكن مستعدًا له، وأسرةً تغيّر شكل أيامها إلى الأبد. ولهؤلاء جميعًا أقول: عظم الله أجركم وربط على قلوبكم ومنحكم من الصبر ما يعينكم على حمل هذا الوجع الثقيل. لا أملك أن أردّ إليكم من فقدتم، لكنني أملك أن أقول بصدق إنكم أهلنا وإن مصابكم يسكن ضمير الأردن وإنكم لستم وحدكم في مواجهة هذا الألم.

وفي قلب هذه الفاجعة جاء وصول جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الكرك ليحمل معنى يتجاوز الزيارة الرسمية إلى دلالة الأب الذي لا يترك أبناءه في لحظات الانكسار. حين يصل الملك إلى مكان المصاب ويقف إلى جانب أهل الفقد فإن حضوره يصبح رسالة بأن وجع الناس ليس هامشًا في مسؤولية الدولة بل في صميمها. هناك لا تعود القيادة لقبًا أو صورةً أو خطابًا، بل تصبح يدًا تمتدّ للمواساة ووقفةً إلى جوار المكلومين وشعورًا بأن هذا الوطن لا يتنكر لأحزان أبنائه ولا يتركهم وحدهم حين تضيق بهم الحياة.

إنني أعتزّ بجلالة الملك لا بوصفه قائدًا لهذا الوطن فحسب بل بوصفه أبًا أردنيًا يعرف أن وراء كل فاجعة قلوبًا تحتاج إلى من يقترب منها وأن بعض المواقف لا تُقاس بطول الكلمات بل بصدق الحضور. في لحظات كهذه تتجلى قيمة النهج الهاشمي الذي يجعل الإنسان وكرامته وأمنه في صدارة المسؤولية ويؤكد أن قوة الدولة لا تظهر فقط في قدرتها على مواجهة الخطر بل أيضًا في قدرتها على مواساة الإنسان حين يصيبه الألم.

أما جلالة الملكة رانيا العبدالله فإن مشهد مواساتها لأهالي الفقد واحتضانها لهم يلامس أعمق ما في النفس الإنسانية. وفي دموع أم الحسين رأينا أمًّا تتألم لألم الأمهات وقلبًا لم تمنعه المكانة من أن يتأثر بحرقة الفقد. كانت الدمعة أبلغ من أي خطاب لأن الأمومة لغة لا تحتاج إلى ترجمة ولأن وجع أمٍّ فقدت عزيزًا لا يمكن أن يمر أمام قلب أمٍّ أخرى دون أن يهزّه. لقد حمل ذلك المشهد معنى إنسانيًا عميقًا، فالمواساة ليست كلمات تُقال من بعيد بل مشاركة وجدانية صادقة ودمعة الإنسان أمام مصاب أخيه قد تكون أصدق من آلاف العبارات.

وكذلك فإن حضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بين أهل الكرك ومشاركته أحزانهم يجسّدان معنى الانتماء إلى الناس والوقوف معهم في الشدائد. وفي مواقف الأسرة الهاشمية مجتمعة نرى صورة الأردن الذي نعتزّ به، وطنًا تتقارب فيه القيادة والشعب عند الألم وتصبح فيه المواساة مسؤولية إنسانية ووطنية ويظل الإنسان فيه حاضرًا قبل كل اعتبار.

وإلى إخوتنا المسيحيين في قرية حمود أقول من أعماق القلب: أنتم أهلنا ووجعكم وجعنا وحزنكم ليس حزن طائفة بل حزن وطن. لا أكتب إليكم من موقع المواساة العابرة بل من إيمان راسخ بأننا شركاء هذه الأرض وتاريخها ومستقبلها وأن مقدّساتكم محترمة ومصونة وأن أمنكم وكرامتكم حق لا يقبل المساومة. نحن الأردنيين لا تجمعنا المصالح وحدها بل تجمعنا البيوت المتجاورة والخبز المشترك والذاكرة والوفاء وأيام طويلة من العيش الواحد. ولن تأتي يد الإرهاب لتعيد تعريف علاقتنا ببعضنا ولن نسمح لجريمة أن تزرع بيننا خوفًا أو شكًّا أو فرقة.

إن الإرهاب والتطرف لا يستهدفان المسيحي أو المسلم وحده بل يستهدفان معنى الوطن حين يكون بيتًا للجميع. ومن يعتدي على الأبرياء إنما يعتدي على حق الإنسان في الحياة والأمان وعلى القيم التي تحفظ للمجتمعات تماسكها. لذلك فإن مواجهته واجب أمني وفكري وأخلاقي يبدأ بملاحقة المجرمين وتطبيق القانون ويمتد إلى حماية الوعي ورفض خطاب الكراهية وتربية الأجيال على احترام الإنسان مهما اختلف دينه أو معتقده.

ومن هنا نرفع تحية الاعتزاز لنشامى أجهزتنا الأمنية وفرسان الحق الذين يواصلون أداء واجبهم لحماية الأردن ونثمّن جهودهم في ملاحقة المشتبه بهم والقبض عليهم. إن أمن الوطن أمانة وإن حماية الأردنيين مسؤولية عظيمة وإن ثقتنا بمؤسساتنا الأمنية تزداد حين نرى الجهود المبذولة لصون الاستقرار وحماية المجتمع في إطار القانون والعدالة.

إن وحدتنا الوطنية ليست شعارًا نرفعه عندما تشتد المحن بل حقيقة نعيشها ونُختبر فيها. وفي حمود ينبغي أن تكون رسالتنا واضحة: لا فرق بين مسلم ومسيحي حين يُصاب الأردن ولا فرق بين بيتٍ يرفع الأذان وبيتٍ تقرع أجراسه، فكل البيوت أردنية وكل أهلها أهلنا وكل دمعة تسقط فيها تعنينا. هذه هي هويتنا التي نعتز بها وهذه هي أخلاقنا التي لا يجوز أن نسمح للتطرف بأن ينتزعها منّا.

أهلنا في حمود أعلم أن الكلمات لا تعيد غائبًا وأن المواساة لا تمحو فراغًا تركه الفقد، لكنني أرجو أن تصلكم هذه الكلمات محمّلة بصدق الحزن والمحبة وأن تشعروا أن وراءها قلوبًا تدعو لكم بالصبر وتتألم لألمكم وتتمنى لكم السكينة والقوة. أسأل الله أن يربط على قلوبكم وأن يمنحكم الصبر في الأيام التي تثقل فيها الذكريات وأن يحفظ أبناءكم وأهلكم وأن يجعل لكم بعد هذا الوجع طمأنينة ورحمة.

رحم الله من فقدناهم وألهم ذويهم جميل الصبر ومنّ على المصابين بالشفاء وحفظ الكرك وأهلها وحمى الأردن وقيادته الهاشمية وشعبه من كل سوء.

سيبقى الأردن وطنًا إذا بكى فيه بيت شعر الوطن كله بدمعته وإذا أوجعت الفاجعة أهلًا امتدّ الحزن إلى قلوب إخوانهم. نحن الأردنيين لا تفرّقنا الأديان ولا تجمعنا راية فوق الرؤوس فحسب بل تجمعنا أخوّة في الأرض والمصير ووفاء لا تهزمه الفتن. حفظ الله الأردن وأدام بين أبنائه المحبة والرحمة والوحدة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم