د. وليد معابرة يكتب: إِلِّي على راسه ريشة!

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 20890
د. وليد معابرة يكتب: إِلِّي على راسه ريشة!
‏الكاتب الساخر وليد معابرة

‏الكاتب الساخر وليد معابرة

قبل أيام؛ كنتُ جالساً إلى نفرٍ من الناس ضمن حلقة حوار يعتريها مناخ اجتماعي سياسي أيديولوجي، وعندما جاء دوري في الحديث عن بعض قضايا الفساد الاجتماعي؛ خَرَجَتْ من فمي جملة بريئة قلت فيها: "إِنَّ نصف المجتمع سيِّء"، وقد نطقت بها من غير مقدمات دبلوماسية أو استئذان رسمي من وزارة المشاعر العامة التي تتضمن قوانينها وأنظمتها مراعاة وتحسين المفردات حتى لو كان على حساب الحقيقة! ولكنني فوجئت بأنَّ جميع الجالسين قد انتفضوا عصبية، وارتفعت الأصوات، وتقاطعت الاعتراضات، وكأنني أعلنت الحرب على الوطن، أو ارتكبت جريمة بحق السلم المجتمعي، أو كأنني تطاولت على إحدى المقدسات الاجتماعية التي لا يجوز الاقتراب منها إلا بعد الوضوء! فقد اتهمني بعضهم بالتشاؤم، وأطلق عليَّ البعض الآخر بأنني أُسيء الظن والتعبير، فيما رأى فريق ثالث بأنني أفتقر إلى الموضوعية في الحوار، فأشعروني بأنني تعمدت تشويه صورة المجتمع الذي بدا لي أنَّه مجموعة من الأُسر التي تم رسمها بصورة زيتية لا يجوز الحديث عن عيوبها خشية أن تتأثر قيمتها الفنية!

ولأنني رجل أحترم الرأي الآخر خصوصاً عندما يتحدث بصوتٍ مرتفع؛ فقد احتفظت بقناعتي، وقررت التراجع عن العبارة، فقلت لهم معتذراً: "أنا آسف! إِنَّ نصف المجتمع جيِّد"! وبعد أن صححت المفهوم بنظرهم؛ وجدت أنَّ الأسارير قد انفرجت، والنفوس قد هدأت، وبدأت الابتسامات ترتسم على وجوه الحاضرين! حتى خيل إليَّ أنني لم أعد ذلك المتشائم الذي يُسيء إلى أفراد مجتمعه، بل أصبحتُ -ضمن معتقداتهم الاجتماعية- مفكراً اجتماعياً يستحق التكريم، وربما –بنظر بعضهم- أستحق الترشح لجائزة نوبل في التفاؤل الوطني!

إنَّ الغريب في الموضوع أنني لم أُغير شيئاً في المعادلة، ولم أُضف مواطناً صالحاً إلى المجتمع، فضلاً عن إنني لم أشطب فاسداً واحداً من السجلات المخصصة لأسماء الفاسدين، ولم أُجرِ أيَّ تعديلٍ وزاريٍّ على الأخلاق العامة! فكل ما فعلته أنني نقلت الضوء من النصف السيئ إلى النصف الجيِّد، لأتحول بعدها -في أنظار الجالسين- من متهم بالإساءة إلى شاهد على حسن السيرة والسلوك!

في تلك اللحظات أدركتُ تمام الإدراك أنَّ مشكلتنا ليست مع الحقيقة، وإنما مع الطريقة التي نقدم بها الأحداث! فنحن مجتمعات لا تكره الكذب بقدر ما تكره الحقيقة حين تخلع ثياب المجاملة، فضلاً عن أننا من مجتمع لا يرفض الواقع لأنه قبيح؛ بل يرفض المرآة التي لا تمتلك مهارة النفاق.

إِنَّ تلك المشكلة لا تنحصر ضمن مجلس عابر، بل تُعدُّ ثقافة اجتماعية وسياسية متجذرة في النفوس، تقاس فيها قيمة الكلام بمقدار ما يتركه من ارتياح في نفوس المستمعين، وليس بمقدار ما يحمله من صدق!
فإذا قلت: إِنَّ الفساد منتشر؛ اتهموك بالإساءة إلى المؤسسات! وإذا قلت: إِنَّ النزاهة ما زالت موجودة؛ صفقوا لك واعتبروك مواطناً صالحاً، مع علمهم الأكيد بأنَّ وجود النزاهة لا ينفي انتشار الفساد، مثلما أنهم يعلمون علم اليقين -أيضاً- بأنَّ وجود المستشفيات لا يعني أنَّ المجتمع خالٍ من الأمراض! ولكنك –في الوقت ذاته- إذا قلت لهم: إِنَّ التعليم يتراجع؛ غضب منك أصحاب الشهادات! وإذا قلت: إِنَّ جامعاتنا تخرِّج آلاف الطلبة سنوياً؛ احتفوا بك وقدَّروك؛ لكنك إذا قلت: إِنَّ الطالب يتخرَّج من تلك الجامعات دون أن يعي شيئاً؛ انفجروا بوجهك! وإذا قلت لهم: إِنَّ الفقر ينهش الحياة الأسرية؛ اتهموك بالسوداوية، أما إذا قلت: إِنَّ نصف المواطنين قادرون على تأمين احتياجاتهم؛ اعتبروك خبيراً اقتصادياً متفائلاً! في حين أنهم يعلمون جيداً أنَّ ثُلثيّ أفراد المجتمع يبحثون عن رغيف الخبز ضمن الأخبار العاجلة التي تنشرها الوعود الحكومية على شاشات التلفاز ومواقع التواصل الخاصة بها.

إنها حقاً عبقرية مائزة في تحويل الكارثة إلى إنجاز، والهزيمة إلى انتصار، والعجز إلى خطط استراتيجية بائسة؛ حتى أصبح المواطن مطالبا بأن يشكر الحكومة لأنها لم تأخذ النصف الآخر مما تبقى في جيبه. والأخطر من ذلك أنَّ تلك الثقافة لا تكتفي بتجميل الواقع، بل تحوَّل النقد فيها إلى تهمة، والمجاملة إلى فضيلة، والنفاق إلى حكمة اجتماعية، فمن يقول الحقيقة يصبح عدواً للتفاؤل، ومن يزيفها يصبح حارساً للأمل، ومن يكشف العيوب يُتهم بالإساءة إلى سمعة مجتمعه، أما من يتستَّر عليها؛ فيمنح صفة الحريص على المصلحة العامة.

الحقيقة التي يجب أن نعترف بها إننا نعيش في مجتمع لا يريد إصلاح عيبوبه بقدر ما يريد تحسين طريقة الحديث عنها! لذلك؛ فإنَّ أكثر ما أثار فضولي في تلك الجلسة؛ هو أنَّ جميع الجالسين قد اعترضوا عندما وصفتُ نصف المجتمع بالسوء، وأنَّ جميعهم صفقوا عندما وصفتُ نصفه بالجودة؛ لكنَّ المثير حقاً هو أنني لم أجد شخصاً واحداً من الحضور وقف ليسألني إلى أي نصف أنتمي أنا؟ فقد افترض كل واحد منهم أنه من النصف الجيد، وأن النصف السيئ موجود في الحقيقة ولكنه يعيش في مكان آخر! بين فئة أخرى من الناس! وربما أنَّ تلك الفئة هي مجموعة ضالة تعيش في مناطق جرداء.

إِنَّ المأساة الحقيقية للقيم المجتمعية هي أنَّ الفاسد لا يرى نفسه فاسداً، والمنافق لا يعترف بنفاقه، والمتعصب يعتقد أنه حارس للحقيقة، والجاهل يتصوَّر أنه آخر ما تبقى من العقل البشري؛ فأصبح لدينا مجتمع يتبرأ فيه الجميع من عيوبه ويتسابق إلى احتكار فضائله!

خلاصة القول: لقد أدركت أنني مخطئ حينما قسَّمتُ المجتمع في عبارتي إلى "نصف جيِّد ونصف سيِّئ"، فقد تبيَّن لي أنَّ المشكلة ليست في عدد السيئين، ولكنَّ المشكلة تكمن في عدم اعترافنا بأننا فاسدون، لذلك؛ إذا أردت أن تقيس حجم الفساد في مجتمع ما؛ فلا تُتعب نفسك في الدراسة والبحث عن الفاسدين، "ولا تغلِّب حالك بنشر أبحاث ودراسات في مجلات علمية محكَّمة؛ تدفع فيها إللي فوقك وإللي تحتك عشان تترقى بس"! فكل ما يتطلَّبه الأمر منك هو أن تتحدث عن الفساد بصوت مرتفع، ثم تراقب الوجوه التي تحمرُّ غضباً، والأَلسنة التي تنتفضُ دفاعاً! فالحقيقة التي لا أُنكرها أنه ليس كل من يغضب فاسداً؛ لكنَّ الحقيقة التي أؤمن بها أنَّ الفاسدين يمتلكون حساسية مفرطة تجاه الحقيقة، وهنا لا تحتاج إلى توجيه الاتهام لأحد، يكفيك أن تفتح ملف الفساد، ودع ردود الأفعال تتصرف بدورها لتتولَّى مهمةً وطنية تشير بالبنان وتعلن فضيحة كل واحد على راسه ريشة.
الكاتب: وليد معابرة
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم