سرايا - أعاد التوجيه الملكي بضرورة إطلاع المواطنين على مستجدات التحقيق في الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، والتصدي للإشاعات والمعلومات المضللة، تسليط الضوء على أهمية الاتصال الرسمي في إدارة الأزمات الأمنية، ودوره في حماية الوعي العام من الروايات التي قد تستغل الأحداث لإثارة الخوف والفتنة.
وكان جلالة الملك عبدالله الثاني قد وجّه، خلال ترؤسه اجتماعا لمجلس الأمن القومي أول من أمس، بضرورة إطلاع المواطنين على مستجدات التحقيق أولا بأول، مؤكدا أهمية التصدي بحزم للشائعات والمعلومات المضللة التي قد تستغل الجريمة لإثارة الخوف والفتنة. وشدّد جلالته على ضرورة ملاحقة المتورطين ومحاسبة كل من أيّد هذا الفعل أو برّره وفقا للقانون. وجاء الاجتماع عقب الهجوم الذي استهدف الكنيسة يوم الجمعة، وأسفر عن استشهاد عدد من المواطنين وإصابة آخرين.
ويضع هذا التوجيه مسألة تدفق المعلومات إلى الجمهور في صلب النقاش حول إدارة الأزمات؛ إذ لا تقتصر تداعيات الأحداث الأمنية على أبعادها الميدانية والتحقيقية، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تتسارع عمليات تداول الأخبار والتعليقات والتفسيرات، وقد تختلط المعلومات المؤكدة بروايات غير موثقة، في ظل حاجة المواطنين إلى معرفة ما يجري ومتابعة المستجدات من مصادر موثوقة.
وتتضاعف أهمية هذه المسألة عندما تتصل الأحداث بالأمن المجتمعي والسلم الأهلي؛ إذ يمكن للمعلومات غير الدقيقة أن تتجاوز حدود الخطأ في نقل الوقائع، لتؤدي إلى إثارة المخاوف أو تغذية الانقسامات، لا سيما إذا جرى توظيفها في سياقات تستهدف النسيج الاجتماعي.
وبين حق المواطنين في معرفة المستجدات ومتطلبات حماية التحقيقات والأمن، تصبح إدارة المعلومات جزءا أساسيا من إدارة الأزمة نفسها، بما يستدعي بحث دور الإعلام الرسمي والمهني، وخبراء الاتصال وإدارة الأزمات، في تعزيز الثقة بالمعلومات الموثوقة، ومساعدة الجمهور على التمييز بين الوقائع والمعلومات غير المؤكدة.
إعطاء الأولوية لدقة المعلومات الرسمية
من جهتها، ترى المحللة والإعلامية رولا سماعين، في حديثها أن التعامل مع الأزمات الأمنية الكبرى، ومنها جريمة حمود في محافظة الكرك، يتطلب إعطاء الأولوية لدقة المعلومات الرسمية والتحقق منها قبل نشرها، حتى وإن استغرق ذلك وقتا إضافيا، خصوصا عندما تتصل الأحداث بالأمن الوطني وسلامة المجتمع.
وتشير إلى أن هذا النهج يواجه تحديا متزايدا في البيئة الرقمية، التي تتيح تداول المعلومات دون التحقق من صحتها أو توثيقها، في وقت تحظى فيه المواد المثيرة والمستفزة بفرص أكبر للانتشار بفعل آليات عمل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي.
وتؤكد أن الحل لا يكمن في التسرع بنشر المعلومات لمجرد مواكبة سرعة التداول الرقمي، وإنما في ضمان استمرار التواصل الرسمي مع المواطنين ووسائل الإعلام، حتى في الحالات التي لا تتوافر فيها صورة مكتملة عن الحدث، عبر توضيح ما هو مؤكد وإبقاء الجمهور على اطلاع بما يستجد.
وتلفت إلى أن سرعة توفير المعلومات للإعلام تكتسب أهمية خاصة خلال الأزمات، إلا أن الدقة تبقى العامل الأهم لتجنب التشويش والبلبلة، مشددة على أن تحقيق التوازن بين سرعة الاستجابة والتحقق من المعلومات يشكّل أساسا للتواصل المسؤول في القضايا التي تمس الأمن الوطني.
أهمية التحقق من المعلومات
بدورها، ترى المدربة الإعلامية بيان التل أن الاتصال خلال الأزمات عملية تفاعلية تتجاوز نقل المعلومات من مصدر إلى متلقٍ، لتشمل تفسير الأحداث وتبادل الأفكار والخبرات، بما يساعد الجمهور على فهم تطورات الأزمة وأبعادها.
وتوضح أن اعتماد وسائل الإعلام والمواطنين على المصادر الرسمية للحصول على المعلومات الدقيقة والسريعة خلال الأزمات والكوارث لا يعفي المؤسسات الإعلامية من مسؤوليتها المهنية في البحث عن المعلومات والتحقق منها، بدلا من انتظار صدور البيانات الرسمية. وتشمل هذه المسؤولية صياغة الأخبار وتبسيطها وشرحها وتحليل أبعادها وربطها بالسياقات التاريخية والمعلومات المتاحة، والاستعانة باللقاءات والتحليلات لتقديم صورة متكاملة للجمهور.
وتشدد على أهمية التحقق من المعلومات، وعدم إتاحة المجال أمام الأصوات التي تنشر العنصرية والكراهية والفتنة، أو تسعى إلى فرض آرائها على الجمهور، معتبرة أن دور الإعلام يفقد جزءا أساسيا من قيمته عندما يقتصر على نقل الرسائل من المرسل إلى المتلقي دون تفسير أو تحليل أو مساءلة.
ولا تحصر التل المسؤولية في المؤسسات الرسمية والإعلامية، بل تمدّها إلى أفراد المجتمع ومؤسسات المجتمع المدني، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية التعامل مع المعلومات بحكمة ووعي، والتصدي للتضليل وأي ممارسات تقصيرية من الجهات المعنية، بما يعزز الانتماء الوطني ويحمي المجتمع من خطاب الكراهية والانقسام.
وتربط التل القدرة على مواجهة المعلومات الخاطئة والمضللة بثلاثة عوامل أساسية: إدراك الجهات الرسمية أهمية إتاحة المعلومات وحق المجتمع في الوصول إليها، وقدرة الإعلام الرسمي على أداء دوره بمهنية، وامتلاك المواطنين الوعي والمهارات اللازمة للتحقق من المعلومات والتعامل معها بصورة نقدية.
الإفصاح المسبق
من جهته، يرى الخبير الإعلامي نضال منصور أن الأصل في الاتصال الرسمي أن يقوم على الإفصاح المسبق والمستدام عن المعلومات الموثوقة المتعلقة بالقضايا التي تهم الرأي العام، بحيث لا يقتصر دور المؤسسات على إصدار البيانات بعد وقوع الأحداث أو الاستجابة للإشاعات، وإنما يشمل توفير المعلومات بصورة منتظمة واستباقية.
ويشير إلى أن الإفصاح المسبق عن المعلومات لا يجري وفق نهج مؤسسي موحد في مختلف مؤسسات الدولة؛ إذ تتبع بعض المؤسسات أشكالا من الإفصاح المسبق، في حين تفتقر مؤسسات أخرى إلى هذا النهج، رغم وجود قانون ضمان حق الحصول على المعلومات، الذي لم تُترجم أحكامه، بحسب قوله، إلى آليات مؤسسية تضمن تنفيذه بصورة فاعلة ومستدامة.
ويلفت إلى إقرار ثلاثة بروتوكولات مرتبطة بالقانون منذ عام 2020، تتعلق بمأسسة آليات العمل التي تضمن تدفق المعلومات إلى الجمهور واستدامتها، وتصنيف المعلومات، وأرشفتها بصورة منهجية. ويعد أن مرور سنوات على إقرار هذه البروتوكولات دون تطبيقها في عدد من مؤسسات الدولة يطرح تساؤلات حول مدى الالتزام بتحويل الحق في الحصول على المعلومات إلى ممارسة مؤسسية منتظمة.
وفي ضوء الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة حمود في محافظة الكرك، يشدد منصور على ضرورة تطوير آلية مؤسسية لإدارة الاتصال خلال الأزمات، عبر تشكيل خلية أزمة تتولى تقديم المعلومات والتحديثات بصورة منتظمة، بما يحد من انتشار الشائعات والمعلومات المضللة، من دون المساس بمتطلبات الأمن أو التأثير في سلامة الأدلة والبينات المرتبطة بالتحقيق.
مواكبة التحولات في أنماط استهلاك الأخبار
من جهته، يرى الدكتور محمود الرجبي أن فاعلية الاتصال الرسمي خلال الأزمات لا تُقاس بمجرد نشر المعلومات بعد وقوع الحدث، وإنما بقدرة المؤسسات على التواصل الاستباقي والسريع والمستمر مع الجمهور، وتقديم معلومات موثوقة في الوقت المناسب، وتحديثها بصورة منتظمة، بما يسهم في الحد من فجوة المعلومات التي قد تملؤها الإشاعات والتكهنات.
ويؤكد أن تأخر الاتصال الرسمي في نشر الأخبار يوسع المجال أمام انتشار الإشاعات، في حين تسهم المبادرة إلى نشر المعلومات الدقيقة في تعزيز ثقة الجمهور والحد من التضليل، مشددا على أهمية مواكبة التحولات التي طرأت على أنماط استهلاك الأخبار وتداولها.
ويلفت إلى أن استهلاك المحتوى الإخباري والتعليق عليه لم يعودا مقتصرين على وسائل الإعلام التقليدية، إذ أصبحت منصات التواصل الاجتماعي لاعبا رئيسا في تداول الأخبار والتفاعل معها، الأمر الذي يفرض على المؤسسات الرسمية تطوير أدوات اتصالها، بما يضمن وصول المعلومات الموثوقة إلى الجمهور بالسرعة المناسبة، ومواكبة النقاشات المتداولة في الفضاء الرقمي.
الغد
الرجاء الانتظار ...
التعليقات