العميد الركن المتقاعد حسن الحوراني يكتب: معتقد التطرف وسلوك الإرهاب: من المواجهة الأمنية إلى التحصين الفكري

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10839
 العميد الركن المتقاعد حسن  الحوراني يكتب: معتقد التطرف وسلوك الإرهاب: من المواجهة الأمنية إلى التحصين الفكري

إن ما شهدته كنيسة حمود في محافظة الكرك من اعتداء آثم، إن ثبتت طبيعته ودوافعه الإرهابية، يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً يتجاوز تفاصيل الحادثة إلى جذور المشكلة: كيف يتحول التطرف بوصفه معتقداً منحرفاً إلى سلوك إجرامي يستبيح كرامة الإنسان، ويعتدي على أمن المجتمع واستقراره؟

إن خطورة الإرهاب لا تكمن في الجريمة التي يرتكبها فحسب، بل في العقلية التي تنتجها، وفي منظومة الأفكار التي تبرر العنف، وتمنح مرتكبه وهماً زائفاً بالحق في الاعتداء على الآخرين.

فحين تُغيَّب إنسانية الإنسان، ويُستبدل منطق التعايش بثقافة الكراهية والإقصاء، يصبح المجتمع أمام خطر لا تكفي لمواجهته الإجراءات الأمنية وحدها، مهما بلغت كفاءتها وفاعليتها.

لقد واجه الأردن، على مدى سنوات طويلة، تهديدات إرهابية استهدفت أمنه الوطني،
وأوقعت ضحايا أبرياء من أبناء الوطن. وقد أثبتت قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية كفاءة عالية في التصدي لهذه التهديدات، وحماية المواطنين وصون استقرار الدولة. غير أن النجاح في المواجهة الأمنية، على أهميته، ينبغي أن يترافق مع مواجهة فكرية وثقافية واجتماعية تجفف منابع التطرف، وتمنع إعادة إنتاجه في عقول الأجيال.

من هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة لاستراتيجيات مواجهة التطرف والإرهاب، لا من حيث صياغتها وإعلانها، بل من حيث تنفيذها وقياس أثرها على أرض الواقع. فليست العبرة بعدد الخطط والبرامج والندوات، وإنما بمدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في الوعي والسلوك، وبمدى خضوعها للمتابعة والتقييم والمساءلة، لضمان انتقالها من أدراج المكاتب إلى الميدان، ومن النصوص النظرية إلى الممارسات اليومية.

إن المقاربة الفكرية لمواجهة التطرف لا تعني التقليل من أهمية الدور الأمني، بل تعني استكماله وتعزيز أثره.

فالأمن يتصدى للجريمة ويحمي المجتمع من أخطارها المباشرة، أما التحصين الفكري فيستهدف الأسباب التي قد تقود إلى الجريمة قبل وقوعها. وبين المسارين تكامل ضروري لا غنى عنه في بناء منظومة وطنية شاملة لمكافحة الإرهاب.
وفي هذا السياق، لا بد من تفعيل جميع محركات المجتمع ومؤسساته، وفي مقدمتها المدرسة والجامعة والأسرة ودور العبادة ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فالمدرسة ليست مكاناً لتلقي المعرفة فحسب، بل فضاء لتشكيل الوعي وترسيخ قيم المواطنة واحترام الاختلاف. والجامعة ليست مؤسسة لإعداد الكفاءات المهنية فقط، بل منبر لبناء العقل النقدي ومواجهة الأفكار المغلقة. أما الأسرة، فهي خط الدفاع الأول في غرس قيم الاعتدال والتسامح واحترام الآخر.

كما يقع على عاتق الخطاب الديني مسؤولية كبيرة في ترسيخ قيم الرحمة والعدل وصون النفس الإنسانية، وتحصين الشباب من التأويلات المنحرفة التي توظف الدين لتبرير العنف. وتتحمل وسائل الإعلام مسؤولية مهنية ووطنية في نشر الوعي، ومواجهة خطاب الكراهية، وعدم منح الأفكار المتطرفة مساحة للترويج أو الاستقطاب، أما منصات التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت ساحة مؤثرة في تشكيل الوعي، الأمر الذي يستدعي حضوراً مؤسسياً ومجتمعياً فاعلاً في مواجهة المحتوى المتطرف وتعزيز الخطاب المسؤول.

ولا بد أن تقوم هذه الجهود على برامج عملية قابلة للقياس، تتضمن تحديد المسؤوليات، ووضع مؤشرات واضحة للأداء، ومتابعة التنفيذ، وتقييم النتائج دورياً. فمواجهة التطرف ليست حملة إعلامية مؤقتة، ولا نشاطاً موسمياً مرتبطاً بوقوع حادثة، بل مشروع وطني طويل الأمد يتطلب التنسيق بين المؤسسات، والاستثمار في الشباب، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ومن الضروري كذلك التمييز بين التدين المعتدل والتطرف، وبين الاختلاف الفكري والسلوك الإرهابي، فالتعميم والإقصاء لا يعالجان المشكلة، بل قد يفاقمانها.

إن المجتمع الأردني، بتنوع مكوناته وتماسك نسيجه الوطني، يمتلك رصيداً كبيراً من قيم التعايش والتكافل والانتماء، وينبغي البناء على هذا الرصيد باعتباره أحد أهم عناصر المناعة الوطنية.

إن الاعتداء على دور العبادة، أياً كانت، ليس اعتداءً على مكان فحسب، بل مساس بأمن المجتمع وحق أفراده في ممارسة حياتهم وعباداتهم بكرامة وطمأنينة. ومن هنا، فإن حماية دور العبادة وصون حرمتها مسؤولية وطنية وأخلاقية، كما أن حماية المجتمع من الفكر الذي يبرر الاعتداء عليها مسؤولية مشتركة لا يجوز أن تنفرد بها مؤسسة واحدة.

لقد أثبت الأردن قدرته على مواجهة الإرهاب بأدواته العسكرية والأمنية، والمرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذا الإنجاز من خلال استراتيجية متكاملة تجعل الوقاية الفكرية والتربوية والثقافية جزءاً أصيلاً من منظومة الأمن الوطني.

فالإرهاب سلوك إجرامي، لكنه لا ينشأ من فراغ؛ ومواجهته الحقيقية تبدأ بتفكيك الفكر الذي يبرره، وتجفيف البيئة التي تحتضنه، وترسيخ ثقافة تحترم الإنسان وكرامته، وتصون حقه في الحياة والأمن والاختلاف.

إن معركتنا مع التطرف لا تُحسم فقط بإلقاء القبض على المجرمين، بل تُحسم أيضاً ببناء جيل يرفض فكرهم، ومجتمع يلفظ خطابهم، ومؤسسات تحول قيم الاعتدال والتسامح إلى ممارسة يومية. وتلك هي المعادلة التي تضمن للأردن، بإذن الله، أمنه واستقراره، وتحفظ وحدته الوطنية في مواجهة كل من يحاول العبث بنسيجه الاجتماعي أو النيل من رسالته الحضارية.

 

 

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم