د. وليد معابرة يكتب: الكراهية تتوضأ بالدماء ..

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 10421
د. وليد معابرة يكتب: الكراهية تتوضأ بالدماء ..
‏الكاتب الساخر وليد معابرة

‏الكاتب الساخر وليد معابرة

أما قبل؛ فإنَّ أسوأ العبارات التي نستخدمها نحن في توصيف الإرهاب هو أننا اعتدنا أن نقتنع بمقولة: "الإرهاب لا دين له"! فهي عبارة نطلقها "لفشة الغلّ" كلما سالت الدماء، معتقدين أننا نواجه الجريمة بتلك العبارة، مع أننا نعلم جيداً مدى تهربنا من مساءلة الخطاب الذي قد يمنحها تلك المبررات، فالمشكلة ليست في تبرئة الدين من الإرهاب؛ ولكنَّ المشكلة تتجسد في اعتقادنا أنَّ إعلان البراءة يُغنينا عن البحث في الأدلة الكافية التي يتذرَّع بها القاتل ويحتجّ بها المجرم.
إننا نعاني من مشكلة الكُتَّاب والصحافيين والمثقفين والمتعلِّمين والخطباء في توصيف تلك الجرائم، فكلَّما ارتكبت جريمة إرهابية باسم الدين؛ خرج علينا طابور كامل من الكُتَّاب والخطباء والوعاظ والمثقفين وغيرهم من المتحمسين للأمر، يرددون العبارة البائسة نفسها "الإرهاب لا دين له"! وكأنَّ الجملة أصبحت صكَّ براءة نخرجه من جيوبنا كلَّما سالت الدماء، لنعيده إلى جيوبنا من جديد بعد قراءته، ثم انتظار وقوع المجزرة القادمة.
وأما بعد؛ فإنَّ هذه العبارة -على ما تحمله من نوايا حسنة- لم تعد كافية لمواجهة ظاهرة تتغذَّى على تأويلات دينية، وتستعير من التراث مفرداتها، ومن المنابر شرعيتها، ومن بعض النصوص المنتزعة من سياقها كلَّ مبررات أخلاقية وإنسانية! فالإرهاب وإن لم يكن ممثلاً للدين؛ فإنَّه قد يرتدي عباءته، ويتحدث بلغته، ويستشهد بنصوصه، ويستحضر تاريخه، ويستخرج من بطون الكتب الصفراء القديمة ما يكفي لإقناع شباب متخلِّف عقلياً بأنَّ قتل الأبرياء طريق مختصر إلى الجنة! وهنا يبات السؤال الذي نتهرَّب منه أكثر أهميَّةً من الشعارات التي نرددها، فإذا كان الإرهاب لا دين له؛ فمن أين جاء الإرهابي بكلِّ هذه الفتاوى والمبررات والمصطلحات التي يستبيح بها دماء البشر؟ وهل أنَّ الإرهابي ولد متطرفاً، أم أنَّ هناك من علَّمه كيف يحول الكراهية إلى عقيدة، والجريمة إلى عبادة، والقتل إلى بطولة؟
إنَّ الاكتفاء بإعلان براءة الدين من الإرهاب يشبه الطبيب الذي يقف أمام المريض الذي ينزف دماً؛ فيؤكِّد لذويه ولجميع الحاضرين أنَّ الطب بريء من النزيف، ثم يغادر من غير أن يصف له علاجاً يسهم في إزالة أسباب النزيف والطرق التي تؤدي إلى حدوثه مستقبلاً.
في الحقيقة إننا لا نحتاج إلى مزيد من بيانات الاستنكار؛ على قدر ما نحتاج إلى شجاعة المراجعة، فضلاً عن أننا لسنا بحاجة إلى المزيد من الخطب التي تمجد التسامح نظرياً وتترك أبواب الكراهية مفتوحة في بعض المناهج والمنابر والخطابات! فالمواجهة الحقيقة تبدأ من إعادة صياغة الخطاب الديني، الذي يُعدُّ من أبجديات نشر العلم الصحيح التي ستُسأل عنه أمام الله كلَّ القيادات التي تسلَّمت المؤسسات الدينية؛ ممثلة بالمساجد ودور القرآن علاوة على الدور القيادي المنوط بوزارات الأوقاف في الدول العربية، فقد سئمنا جميعاً من تجميل العبارات، و "قرفنا" من التفسيرات البشرية التي لا يملك أحد حق تحصينها من النقد! لمجرد أننا معتقدين أنَّ كل ما ورثناه صالحاً لأن يُورَّث، وأنَّ كل ما كُتب قبل عشرات القرون ينبغي علينا أنَّ نحوله إلى دستور أخلاقي ملزم لأجيال تعيش في عالم مختلف وجديد.
خلاصة القول: إنَّ الاحترام الحقيقي للدين لا يتحقق بتحويل الاجتهادات البشرية إلى مقدسات، وإنما بتحريرها من التفسيرات التي تجعله في خصومة مع العقل والإنسان والحياة، ومن هذا المنطلق تبرز ضرورة تأسيس ما يمكن تسميته بـ"فقه التكريه والإجرام"! ليس من أجل أن ندعو إليهما، وإنما لاعتبارهما مجالين نقديين نكشف من خلالهما الآليات الفكرية التي تصنع الكراهية بين الناس، فضلاً عن أسبابها ومصوغاتها التي تمنح الجريمة غطاءً دينياً زائفاً. فليس من المنطق أن نزرع في العقول بذور الإقصاء، ثم نستغرب حينما تنبت أمام أعيننا أشجار العنف! وإنَّه ليس من المنطق أيضاً أن نعمل على تعليم الإنسان أنَّ الاختلاف جريمة؛ ثم نطالبه بأن يكون متسامحاً مع المختلفين!
إنَّ الحضارة التي قدمت للبشرية إسهامات عظيمة في العلوم والفلسفة والطب والأدب والأخلاق والإنسانية واحترام الذات والآخرين؛ لا يجوز أن تظلَّ صورتها رهينة جماعات متطرفة تحتكر الحديث باسمها، ولا أن يختزل تاريخها في مشاهد الذبح والتفجير والقتل، وإنَّ الدفاع عن هذه الحضارة لا يكون بإنكار وجود المشكلة ولكن بالاعتراف الحقيقي والعملي والفعلي بأنَّ بعض ما تراكم في خطابها الديني يحتاج إلى مراجعة جذرية بكل شجاعة! فليس المطلوب منا أن نتوقف عن ترديد القول: "الإرهاب لا دين له" ولكن المطلوب فعلياً أن نتوقف عن الاعتقاد بأنَّ ترديد هذه العبارة كافٍ لمحاربته، وأنَّ براءة الدين لا تثبتها البيانات الصحفية، ولا تؤكدها الخطب العصماء، وإنما يثبتها خطاب ديني جديد ومجدد يرفض الكراهية دون استثناء، ويُحرم العدوان و" الزعرنة، والسَّلبَطَة" وإلا ستمر علينا أيام نجد أنَّ هناك أشخاصاً وجماعات متخلِّفة فكرياً وعقلياً وإنسانياً يحمل منتسبوها كلَّ المعتقدات المليئة والممزوجة بالكراهية التي تتوضأ بالدماء.
الكاتب وليد معابرة
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم