أ.د. هيثم علي حجازي يكتب:هل نحتاج إلى تغيير المسؤولين أم تغيير ثقافة الإدارة؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10879
أ.د. هيثم علي حجازي يكتب:هل نحتاج إلى تغيير المسؤولين أم تغيير ثقافة الإدارة؟
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

ثمة سؤال يستحق أنْ نطرحه كلما شهدنا تغييرا في قيادة مؤسسة عامة، أو تعيين مسؤول جديد على رأس وزارة أو دائرة أو هيئة: هل كان الخلل في الشخص الذي غادر، أم في الطريقة التي كانت تُدار بها المؤسسة؟ وهل يكفي تغيير المسؤول حتى تتغير النتائج، أم أننا نعيد إنتاج المشكلات نفسها بأسماء ووجوه مختلفة؟ لقد اعتدنا أنْ ننظر إلى تغيير القيادات باعتباره مؤشرا على الإصلاح، وكأن مغادرة مسؤول وقدوم آخر تعني بالضرورة بداية مرحلة جديدة. غير أنّ التجربة الإدارية تعلمنا أنّ المؤسسات لا تتغير بمجرد تغيير مَن يجلس على رأسها، وأنّ المسؤول الجديد، مهما امتلك مِن كفاءة وحماسة ورغبة في الإنجاز، قد يجد نفسه بعد فترة يمارس الأساليب نفسها التي كان ينتقدها قبل توليه المنصب. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: هل الأشخاص هم الذين يصنعون ثقافة الإدارة، أم أنّ الثقافة الإدارية السائدة تعيد تشكيل سلوك الأشخاص، حتى أولئك الذين جاءوا برؤى مختلفة؟


لعل إحدى المشكلات التي لم تحظَ بما تستحقه مِن النقاش في الإدارة العامة هي أننا نتعامل مع المؤسسة أحيانا وكأن تاريخها يبدأ مع وصول المسؤول الجديد. فكل مسؤول يريد أنْ يترك بصمته، وأنْ يرتبط اسمه بمشروع أو مبادرة، وهذا أمر مفهوم، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرغبة في ترك البصمة إلى رغبة في البدء من الصفر، فتُعاد مراجعة مشروعات لمجرد أنّ المسؤول السابق هو الذي أطلقها، وتتغير الأولويات دون تقييم موضوعي لما تحقق. والنتيجة أنّ المؤسسة قد تنفق سنوات طويلة وهي تتحرك دون أنْ تتقدم بالقدر المتوقع، لأن جزءا مِن طاقتها يُستهلك في إعادة ترتيب ما سبق ترتيبه. ولعل معالجة هذه الظاهرة تبدأ بإرساء قواعد واضحة لانتقال المسؤولية، بحيث يتسلم المسؤول الجديد ملفا يتضمن المشروعات القائمة، ومستويات إنجازها، والتحديات التي تواجهها، على أنْ تستند القرارات المتعلقة بإلغائها أو تغيير مسارها إلى تقييم موضوعي، لا إلى مجرد الرغبة في إعلان بداية مختلفة.


غير أنّ المشكلة الأعمق تكمن في الطريقة التي نفهم بها موقع المسؤول داخل المؤسسة. ففي بعض البيئات الإدارية تتسع المسافة بين مفهوم القيادة ومفهوم السلطة، حتى يصبح المنصب مصدرا للنفوذ أكثر منه مسؤولية عن تحقيق نتائج محددة. وقد تتشكل حول المسؤول دائرة ضيقة من الأشخاص الذين يحرصون على معرفة ما يريد سماعه، بدلا مِن تقديم المعلومات التي يحتاج إليها لاتخاذ القرار الصحيح. ومع مرور الوقت، تصبح الآراء المخالفة أقل حضورا، وتتراجع فرص النقاش المهني، ويتحول الاجتماع الإداري مِن مساحة لتبادل الأفكار إلى مناسبة لتأكيد ما يراه المسؤول. وهنا لا تكون المشكلة في ضعف المعلومات المتاحة، وإنما في ثقافةٍ لا تشجع على قول الحقيقة الإدارية عندما تكون غير مريحة. ولذلك، فإنّ مِن أهم ما يمكن أنْ يفعله المسؤول هو بناء بيئة تسمح بالاختلاف المهني، وتشجع الموظفين على عرض البدائل ومناقشة المخاطر دون خوف مِن أنْ يُفسر اختلاف الرأي باعتباره اعتراضا شخصيا.

ويتصل بذلك مفهوم «الذاكرة المؤسسية» الذي لا يقتصر على حفظ الملفات والقرارات، بل يشمل الاحتفاظ بالمعرفة التي تقف وراءها، والأسباب التي أدت إلى اتخاذها، والدروس المستفادة مِن نتائجها. ففي بعض المؤسسات تتوافر الوثائق، ولكنْ تغيب القدرة على تفسير القرارات السابقة أو تقييم آثارها، مما يجعل المعرفة مرتبطة بأشخاص محددين أكثر مِن ارتباطها بنظام إداري منظم. ويمكن معالجة ذلك مِن خلال توثيق مبررات القرارات الاستراتيجية، ومراجعة نتائجها بصورة دورية، وإتاحة المعرفة للعاملين الذين يحتاجون إليها في أداء مهامهم. والغاية ليست زيادة الأعباء الورقية، وإنما تحويل الخبرة المتراكمة إلى مورد يساعد على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد مِن تكرار الأخطاء.

ثمة جانب آخر يتصل بالطريقة التي نفهم بها الإنجاز الإداري. فهناك فرق بين إدارة تسعى إلى إظهار نتائج سريعة يمكن نسبتها إلى مسؤول بعينه، وإدارة تعمل على بناء قدرات حقيقية قد لا تظهر ثمارها إلا بعد سنوات. هناك بعض القرارات المهمة التي لا تصنع أخبارا جذابة، ولا توفر فرصة لالتقاط الصور أو الإعلان عن إنجاز فوري، لكنها تؤسس لتحولات أكثر عمقا. فتطوير قدرات الموظفين، وتحسين إجراءات العمل، وبناء قواعد معلومات موثوقة، قد يكون أكثر قيمة من مبادرات كثيرة ينتهي أثرها بانتهاء المناسبة التي أُعلنت فيها. ومن المفارقات أننا نحتفي أحيانا بإطلاق المشروعات أكثر مِن اهتمامنا بمعرفة مصيرها، ونمنح الإعلان عن المبادرات اهتماما يفوق ما نمنحه لتقييم نتائجها. ولذلك، فإنّ إعادة النظر في معايير تقييم القيادات الإدارية أصبحت ضرورة، بحيث يرتبط الحكم على أدائها بمؤشرات محددة تشمل جودة الخدمات، وكفاءة استخدام الموارد، ومدى تحقيق الأهداف المعلنة، وليس بعدد الاجتماعات أو المبادرات أو القرارات التي تصدر خلال فترة تولي المسؤولية.

ومِن المظاهر التي تكشف طبيعة الثقافة الإدارية الطريقة التي تنظر بها المؤسسات إلى وقت المواطن.

فالوقت في كثير مِن الممارسات الإدارية يُعامل وكأنه مورد لا قيمة اقتصادية له ما دام لا يظهر في موازنة المؤسسة. فقد يحتاج المواطن إلى مراجعة أكثر مِن جهة لاستكمال معاملة واحدة، وقد ينتظر نتيجة إجراء كان يمكن إنجازه بصورة أبسط، بينما ترى كل دائرة أنها التزمت بالتعليمات وأدت ما هو مطلوب منها. وهنا تكمن المشكلة في طريقة التفكير التي تجعل كل قسم مسؤولا عن إنجاز الجزء الخاص به، دون أنْ يشعر بمسؤوليته عن النتيجة النهائية. فالإدارة الجيدة لا تكتفي بالسؤال عما إذا كانت المعاملة قد انتقلت مِن قسم إلى آخر بصورة صحيحة، وإنما تسأل عن سبب اضطرار المواطن إلى المرور بكل هذه المراحل أصلا. ويمكن للمؤسسات أنْ تبدأ إصلاحا فعليا مِن خلال مراجعة الخدمات الأكثر استخداما، وقياس الوقت الذي تستغرقه، وإلغاء الخطوات غير الضرورية، ودمج الإجراءات المتشابهة، وتحديد مدد واضحة للإنجاز. فاختصار ثلاث مراجعات إلى مراجعة واحدة قد يكون أكثر أثرا في حياة الناس مِن مشروع إداري كبير لا يلمسون نتائجه.

ولعل ما نحتاج إليه أيضا هو الانتقال مِن ثقافة البحث عن الإجابات الجاهزة إلى ثقافة طرح الأسئلة الصحيحة. فكم مِن مؤسسة تنشغل بالسؤال عن كيفية تسريع إجراء معين، بينما السؤال الأهم هو: هل ما زلنا بحاجة إلى هذا الإجراء؟ وكم مِن إدارة تبحث عن وسائل لإضافة مزيد مِن الرقابة على عملية معقدة، بينما يكون الحل في إزالة التعقيد مِن أساسه؟ إنّ التطوير الإداري لا يعني دائما إضافة تعليمات أو استحداث وحدات تنظيمية أو توسيع الصلاحيات، فقد يكون الإصلاح الحقيقي أحيانا في إلغاء ما لم يكن ضروريا، أو إعادة النظر في ممارسات استمرت سنوات دون أنْ يسأل أحد عن جدواها. وهذا يتطلب أنْ تصبح مراجعة السياسات والإجراءات جزءاً مِن العمل الإداري المعتاد، وأنْ يُفسَح المجال أمام الموظفين، ولا سيما أولئك الذين يتعاملون مباشرة مع المواطنين، لتقديم مقترحات التطوير؛ فهم غالبا الأكثر معرفة بالعقبات اليومية التي قد لا تظهر في التقارير الرسمية.

غير أنّ تطوير الإدارة لا يقتصر على تبسيط الإجراءات وتحسين الخدمات، بل يتطلب أيضا معالجة التناقض بين الصلاحيات والمسؤوليات. ففي بعض المؤسسات يُطالب الموظف أو المدير بتحقيق نتائج محددة، لكنه لا يمتلك الصلاحيات الكافية لاتخاذ القرارات اللازمة لتحقيقها، بينما يحتفظ المستوى الإداري الأعلى بتفاصيل كان يمكن حسمها في مستويات أدنى. وينتج عن ذلك بطء في الإنجاز، وتردد في اتخاذ القرار، وانتقال المسؤولية بين المستويات الإدارية، حتى يصبح من الصعب تحديد الجهة المسؤولة فعليا عن النتائج. ولذلك، فإنّ تفويض الصلاحيات ينبغي أنْ يقترن بتحديد واضح للمسؤوليات، وبنظام مساءلة يركز على جودة القرار ونتائجه. فليس مِن المنطق أنْ نطالب الموظف بالمبادرة ثم نحرمه مِن أدواتها، أو أنْ نحاسبه على نتائج لم يكن يمتلك سلطة التأثير فيها.

وترتبط بهذه المسألة ثقافة الخوف مِن الخطأ، التي قد تكون مِن أكثر العوائق غير المرئية أمام التطوير الإداري. ففي البيئة التي يُنظر فيها إلى كل تجربة غير ناجحة باعتبارها فشلا يستوجب العقاب، يميل الموظف إلى تجنب المبادرة والتمسك بالحلول المألوفة، حتى وإنْ كانت محدودة الفاعلية. أما الإدارة التي تميز بين الإهمال والتجريب المدروس، فإنها تتيح اختبار حلول جديدة على نطاق محدود، وقياس نتائجها قبل تعميمها. ولا يعني ذلك التساهل في إدارة المال العام أو التهاون في المسؤولية، بل يعني أنّ التطوير يحتاج إلى مساحة محسوبة للتعلم. فالمؤسسة التي تخشى الخطأ إلى درجة تمنعها مِن المحاولة قد تبدو منضبطة في ظاهرها، لكنها تخسر فرصا عديدة للتحسين.

ليس المقصود مِن هذا كله التقليل مِن أهمية تغيير المسؤولين أو إعفاء القيادات مِن مسؤولية الإخفاق، فبعض حالات القصور تستدعي بالفعل تغيير القيادة، خصوصا عندما تصبح عاجزة عن التطوير أو عائقا أمامه. غير أنّ استبدال الأشخاص ينبغي أنْ يكون جزءا مِن معالجة الخلل، لا بديلا عن فهم أسبابه. فإذا كانت المؤسسة تعاني مِن تضارب الصلاحيات، أو تعقيد الإجراءات، أو ضعف التنسيق بين وحداتها، فإنّ تغيير المسؤول وحده لن يكون كافيا لمعالجة تلك المشكلات. ولذلك، فإنّ أي تغيير في قيادة مؤسسة تعاني مِن ضعف الأداء ينبغي أنْ يستند إلى تشخيص واضح يحدد طبيعة الخلل وأسبابه، ويميز بين ما يرتبط بكفاءة القيادة وما يرتبط بالنظام الإداري نفسه. وعلى أساس هذا التشخيص تُحدَّد مسؤوليات القيادة الجديدة وأهدافها، وتُوفَّر لها الأدوات اللازمة لتحقيقها، ثم تُحاسَب على النتائج.

وفي الأردن، وإذ نتطلع إلى إدارة عامة أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية، فإنّ التحدي الحقيقي لا يتمثل في اختيار قيادات تمتلك المؤهلات والخبرات فحسب، على أهمية ذلك، وإنما في توفير بيئة إدارية تسمح بتحويل هذه الكفاءات إلى نتائج ملموسة. فالإصلاح الذي نحتاج إليه لا يبدأ بالضرورة مِن إعادة تشكيل الهياكل أو تغيير المسميات، بل مِن مراجعة الطريقة التي تُتخذ بها القرارات، والمعايير التي يُقاس بها الأداء، وحدود الصلاحيات، وآليات التعامل مع أخطاء العمل، ومدى استعداد المؤسسات للاستماع إلى موظفيها والمستفيدين من خدماتها. وقد يكون مِن المفيد أنْ تبدأ كل مؤسسة بتحديد ثلاث مشكلات إدارية تؤثر مباشرة في أدائها، ووضع برنامج زمني لمعالجتها، وإعلان النتائج بصورة دورية، بدلا مِن تبَنّي خطط واسعة يصعب قياس أثرها أو متابعة تنفيذها.


إننا نحتاج بالتأكيد إلى مسؤولين أكفاء، لكن الكفاءة الفردية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أنْ تعوِّض ثقافة إدارية تعرقل المبادرة، أو تكافئ المظاهر على حساب النتائج، أو تجعل الالتزام بالإجراء أهم مِن تحقيق الغاية التي وُضع مِن أجلها. ولذلك، فإنّ السؤال الذي ينبغي أنْ نطرحه عند تعيين أي مسؤول جديد لا يقتصر على ما يمتلكه مِن شهادات وخبرات، وإنما يمتد إلى ما إذا كان قادرا على تطوير طريقة العمل، وتشجيع التفكير النقدي، واتخاذ قرارات تستند إلى المعرفة، وإحداث تغيير يشعر به المواطن والموظف معا.
وربما آنَ الأوان لأنْ نتوقف عن التعامل مع تغيير المسؤولين باعتباره إصلاحا بحد ذاته، وأنْ نبدأ بالنظر إليه باعتباره فرصة لاختبار قدرتنا على تغيير ما هو أعمق مِن الأشخاص. فالمسؤول الجيد يستطيع أنْ يحسِّن أداء مؤسسة، أما الثقافة الإدارية الجيدة فهي التي تجعل التحسين ممكنا، وتمنع أنْ يتحول الخلل إلى ممارسة مألوفة لا يجرؤ أحد على مراجعتها.

وعليه، فإنّ القضية ليست اختياراً بين تغيير المسؤولين وتغيير ثقافة الإدارة، فكلاهما قد يكون ضروريا في ظروف معينة، وإنما تكمن القضية في ترتيب الأولويات وفهم طبيعة المشكلة. فتغيير المسؤول قد يعالج خللا في القيادة، لكنه لا يعالج بالضرورة خللا في طريقة الإدارة. وإذا أردنا إصلاحا حقيقيا، فعلينا ألا نكتفي بالسؤال: مَن المسؤول؟ بل أنْ نسأل أيضاً: ما الذي يجعل الإدارة تعمل بهذه الطريقة، ولماذا نسمح باستمرارها؟

 

 

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم