النواطير يكتب: حين وصل الملك إلى الكرك .. رسالة لا تحتاج كثيراً من الكلام

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11207
النواطير يكتب: حين وصل الملك إلى الكرك ..  رسالة لا تحتاج كثيراً من الكلام
محمد النواطير

محمد النواطير

حين يكون الملك أول من يصل إلى الكرك ليطمئن على المصابين ويعزي ذوي الشهداء، مرتدياً بزته العسكرية "الفوتيك"، وعلى يمينه سلاحه، فإن المشهد يحمل رسالة واضحة بأن الدولة حاضرة إلى جانب أبنائها، وأن أمن الأردن ووحدة الأردنيين خط أحمر لا يُسمح بالمساس به.

ليست الزيارة مجرد حضور ملكي في ظرف استثنائي، ولا صورة عابرة أمام عدسات الكاميرات، بل وقفة إلى جانب أبناء الوطن في لحظة ألم، ورسالة بأن ما يصيب الكرك يصيب الأردن كله، وأن وجع عائلة أو قرية أو مدينة هو وجع وطن بأكمله.

لكن كلمات الملك للمصابين خلال زيارته كانت ربما أبلغ من أي بيان رسمي.

اقترب من أحد المصابين وقال له: "خلي المعنوية عالية"، ثم أكد أن ما حدث هو "هجوم على كل الأردنيين"، داعياً بالرحمة للشهداء والحماية للشعب والبلد، ومضيفاً: "وراح نورجيهم".

ولمصاب آخر قال: "أهم شيء تشد حيلك".

كلمات قليلة تختصر موقفاً كاملاً. فالملك لم يتحدث إلى المصابين بوصفهم أرقاماً في حادث أمني، بل خاطبهم كأبناء وطن يستشعر الجميع وجعهم، مؤكداً أن استهداف الأبرياء لا يستهدف فئة بعينها، بل يمس الأردن كله.

وصل الملك إلى مستشفى الكرك الحكومي، والمستشفى العسكري في الكرك، واطمأن على المصابين الذين أصابتهم رصاصات الغدر، وقدم التعازي لأسر الشهداء.

وفي هذا الحضور رسالة بأن القيادة تقف إلى جانب المواطنين في أصعب الظروف، وأن الدولة لا تكتفي بمتابعة الأحداث من خلف المكاتب، بل تتواجد في الميدان.

ما جرى في بلدة حمود ليس حادثا عابرا يمكن أن يمر في ذاكرة الأردنيين مرور الكرام.

رصاصات استهدفت أبرياء في محيط كنيسة خلال مراسم تشييع، فسقط شهداء وأصيب آخرون، في جريمة تستوجب كشف ملابساتها ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنها.

وفي مواجهة جريمة كهذه، تبقى الحقيقة وسيادة القانون وحماية المجتمع مسؤوليات لا تقبل التهاون.

فالأردنيون، بمختلف أديانهم وأصولهم ومناطقهم، يجمعهم وطن واحد ومصير مشترك، ولا تستطيع جريمة أن تنتقص من حقيقة راسخة صنعتها سنوات طويلة من العيش المشترك وروابط الأخوة والمواطنة.

وقد عبّرت الكرك عن هذه الحقيقة بمواقف أبنائها، الذين عرفوا عبر تاريخهم بالشهامة والكرامة والوقوف إلى جانب بعضهم في الأفراح والأتراح.

فالمسلم والمسيحي في هذه الأرض ليسا جماعتين متجاورتين فحسب، بل شريكان في الوطن والتاريخ والذاكرة، تجمعهما علاقات إنسانية واجتماعية أعمق من أن تنال منها جريمة.

وبالتوازي مع الزيارة الملكية، تابع رئيس الوزراء وقادة الأجهزة الأمنية تداعيات الحادثة، في تأكيد على مسؤولية مؤسسات الدولة في كشف ملابساتها وملاحقة المتورطين وتقديمهم إلى العدالة.

ولا تقتصر المسؤولية على مؤسسات الدولة وحدها، بل تشمل المواطن والإعلام والعائلة والعشيرة ورجل الدين وكل صاحب كلمة ومنصة.

فالكلمة في مثل هذه الظروف مسؤولية، ونشر معلومة غير موثوقة قد يضاعف ألم ذوي الضحايا، فيما يسهم الوعي والتحقق من الأخبار والابتعاد عن التحريض في حماية المجتمع وصون كرامة المصابين والشهداء.

إن مواجهة الإرهاب لا تكون بالإجراءات الأمنية والقضائية وحدها، بل أيضاً بالتمسك بالقيم الوطنية التي تجمع الأردنيين، ورفض كل خطاب يحاول تحميل جماعة بأكملها مسؤولية فعل ارتكبه أفراد، أو الإساءة إلى مكون من مكونات المجتمع بسبب جريمة ارتكبها آخرون.

أما عبارة الملك "وراح نورجيهم"، فتختصر موقفا واضحا في مواجهة الجريمة، عنوانه تطبيق القانون ومحاسبة المسؤولين عنها، بما يحفظ أمن المواطنين ويؤكد أن الاعتداء على الأبرياء لن يمر من دون مساءلة.

إن صورة الملك في الكرك، ببزته العسكرية وسلاحه، وكلماته للمصابين، وتحرك الحكومة والأجهزة الأمنية، تؤكد جميعها أن حماية الأردنيين مسؤولية الدولة، وأن العدالة واجب، وأن التماسك الوطني ليس شعاراً للمناسبات، بل حقيقة راسخة ومسؤولية مشتركة.

لقد فقدت أسر شهداء حمود أحبة لن تعوضهم الكلمات، ويحتاج المصابون إلى التعافي والدعم. والواجب اليوم أن نقف إلى جانبهم، وأن نحفظ كرامة الضحايا، ونترك للقانون أن يأخذ مجراه، ونصون ما يجمع الأردنيين من أخوة ومواطنة وانتماء.

رحم الله شهداء حمود، وشفى المصابين، وحمى الأردن وشعبه من كل سوء.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم