أما قبل؛ فإِنَّ الكتابة بأنواعها لا تُعدُّ مسابقةً في تنسيق الكلمات، ولا معرضاً للألفاظ (المتشابهة في نهايتها والمختلفة في قيمتها)، فاللغة وُجدت لتعبِّر عن الفكرة وتوضحها، ولم تكن لتجعل الفِكر خادماً لزخارف اللغة. فحين ينشغل الكاتب بموسيقى العبارات أكثر من انشغاله بحقيقة الفكرة؛ فإِنَّه حتماً سيتحوَّل من صانعٍ للمعنى إلى منسِّقٍ للأصوات وضابطٍ للإيقاع.
إنَّ المفارقات الساخرة في عالم التأليف والكتابة تكشف لنا أنَّ بعض الكُتَّاب يبذلون جهداً مضنياً في البحث عن كلمة تنتهي بالحرف نفسه، أكثر مما يبذلونه في البحث عن فكرة تستحق أن تبدأ بها جملة! لذلك يصبح السجع غاية والمعنى ضحيَّة، ليبات بسببها القارئ مستمعاً لحفل موسيقيٍّ صاخبٍ مزعج لا يعرف لماذا ارتكب فيه السعادة واشترى تذكرة الدخول إلى مسرح القراءة البائسة.
وأما بعد؛ فإِنَّ العمق الفلسفي لا يُقاس بقدرة الكلمات على التشابه، ولكنَّه يُقاس بقدرة الأفكار على الاختلاف والإضافة، فضلاً عن قدرته على إثارة الأسئلة العميقة التي تستأهل البحث عن جوابٍ دقيق، فالفلسفة بأنواعها لا تبحث عن الجملة لتُطرب الأُذن، وإنما تبحث عن الفكرة التي تُقلق العقل وتجعله أكثر وعياً وتفكيراً! بدليل أنَّه لا يوجد قيمة لعبارة جميلة الإيقاع إذا لم تكن عميقة المعنى؛ لأنَّها ستكون بلا شك جملة تتصافح فيها الكلمات وتتخاصم بها المعاني والمضامين.
إنَّني لست ضد السجع بوصفه أُسلوباً بلاغياً؛ فقد يكون جميلاً حين يأتي السجع عفوياً في خدمة المعنى؛ ولكنَّني ضد استبعاد الفكرة لإرضاء القافية؛ لأنَّ الكاتب آنذاك يُجبر على حذف الحقيقة واختصار التفسير، وهذا ما يسترعي انتباهي حينما أقرأ بعضاً من الكتب التي تتكئ على العنوانات المسجوعة فتثير لديَّ شكوكاً مشروعةً تقودني أن أسأل وأتساءل باستنكار واستفهام: "هل اختار الكاتب عنوانه لأنَّه يختصر فلسفة الكتاب؟ أم أنَّه اختار فلسفة الكتاب لتتناسب مع عنوان أعجب ذوقه"؟!
لا شكَّ أنَّ ذلك السؤال الذي يراودني أثناء القراءة قد ازداد إلحاحاً حين زارني أحد المؤلفين في المنام؛ ليزفَّ إليَّ بشرى إنجازه الفكري العظيم، معلناً أنَّه انتهى من تأليف كتابه التاريخي المعنون بـ: "البائس واليائس في مسامرة الخنافس"! حينها، وعندما استمعت إليه؛ لم أستطع أن أحدِّد إن كان الكتاب بحثاً في الفقه، أم دراسة في علم الحشرات، أم محاولة فلسفية لإثبات أنَّ السجع قادر على تزويج المستحيلات! وهذا ما قاد ذاكرتي إلى موقفٍ كنت فيه بمعية ثلَّةٍ من الأكاديميين الفضلاء، حين أُجبرنا على حضور درسٍ امتدَّ ساعةً ونصف الساعة، وقف خلاله المحاضر يُخاطبنا بصوتٍ جهوريٍّ صارخ: (أيُّها العُدول، استحضروا العقول)! مستعيناً بما تيسَّر له من شعارات التراث والخطاب المسجوع! وبعد أن أدركنا –حينها- أنَّنا "عُدول"؛ امتثلنا للأمر، واستحضرنا ما تبقَّى من العقول، لنكتشف أنَّ المحاضر قد أعدَّ لنا درساً مطوَّلاً في المنهجية العقلية والوعي المستفيض عند دخول المراحيض! فراح يُبحر في دقائق المسألة، ويستخرج من تفاصيلها مناهج التفكير، حتى بدا لنا أنَّ الحضارة الإنسانية لم تتعثر بسبب تخلُّف البحث العلمي، وإنَّما بسبب قصور الإنسان في توظيف عقله أثناء قضاء حاجته!
وحين انتهت تلك المحاضرة، وانقضت مدَّة الاعتقال الفكري، وأُفرج عن الجالسين بعد ساعة ونصف من الاحتجاز البلاغي؛ التفت إليّ صديقي الأَكاديمي، وقد بدت على وجهه آثار الصدمة المعرفية، ليسألني بجدية ساخرة:
((يا وليد! بعد هذا الدرس العظيم، كيف يمكنني أن أُوظِّف العقل))!؟
فقلت له: يا صديقي، إن أردت أن تدخل التاريخ من أوسع أبواب المعرفة المسجوعة، فلا تُتعب نفسك بالبحث والتجريب والتحليل؛ فما عليك إلا أن تؤلِّف كتاباً تراثياً مسجوعاً عنوانه: "وظِّف أنسجة المخّ؛ لتتعلَّم كيف تَشُخّ"! حينها ستكتشف بعد تأليفك للكتاب بأنَّ بعض الخطابات لا تحتاج إلى عقلٍ لفهمها، بل تحتاج إلى عقلٍ يتحمَّلها؛ ولتتأكَّد أنَّ أخطر ما في السجع ليس أنَّه يُفسد المعنى أحياناً، بل إنَّه يمنح التفاهة هيبة الحكمة، ويُلبس الفراغ ثوب المعرفة، حتى يصبح الإنسان مضطراً إلى تعطيل عقله احتراماً لمن يأْمره باستحضاره.
خلاصة القول: إنَّني قد أدركت أنَّ بعض الكتب "إللي معكم خبرها" لا تحتاج إلى مراجعة نقدية بقدر ما تحتاج إلى تشريح لغوي، وأنَّ بعض المحاضرات والدروس لا توقظ العقول بقدر ما تُرهقها، كما أنَّني أدركتُ تمام الإدراك أنَّ الفكرة حينما تعجز عن الوقوف؛ فإنَّ المؤلِّفين يُسندون إليها قافية! وحين يتقاعد العقل؛ فإِنَّ السجع يتولَّى إدارة المعرفة، ولعلَّ أعظم ما يمكن أن يُقدمه بعض هؤلاء للتاريخ؛ هو أن يكفُّوا عن إِقحام الفلسفة في قوافيهم، وأن يذروا للعقل فرصةً أخيرةً ليمارس وظيفته الطبيعية؛ قبل أن تعمَّ الكارثة الفكرية ويستكمل المؤلِّف الذي جاءني في المنام إجراءات نشرِ كتابه الموسوم بـ: "البائس واليائس في مسامرة الخنافس".
الكاتب الساخر: وليد معابرة
إنَّ المفارقات الساخرة في عالم التأليف والكتابة تكشف لنا أنَّ بعض الكُتَّاب يبذلون جهداً مضنياً في البحث عن كلمة تنتهي بالحرف نفسه، أكثر مما يبذلونه في البحث عن فكرة تستحق أن تبدأ بها جملة! لذلك يصبح السجع غاية والمعنى ضحيَّة، ليبات بسببها القارئ مستمعاً لحفل موسيقيٍّ صاخبٍ مزعج لا يعرف لماذا ارتكب فيه السعادة واشترى تذكرة الدخول إلى مسرح القراءة البائسة.
وأما بعد؛ فإِنَّ العمق الفلسفي لا يُقاس بقدرة الكلمات على التشابه، ولكنَّه يُقاس بقدرة الأفكار على الاختلاف والإضافة، فضلاً عن قدرته على إثارة الأسئلة العميقة التي تستأهل البحث عن جوابٍ دقيق، فالفلسفة بأنواعها لا تبحث عن الجملة لتُطرب الأُذن، وإنما تبحث عن الفكرة التي تُقلق العقل وتجعله أكثر وعياً وتفكيراً! بدليل أنَّه لا يوجد قيمة لعبارة جميلة الإيقاع إذا لم تكن عميقة المعنى؛ لأنَّها ستكون بلا شك جملة تتصافح فيها الكلمات وتتخاصم بها المعاني والمضامين.
إنَّني لست ضد السجع بوصفه أُسلوباً بلاغياً؛ فقد يكون جميلاً حين يأتي السجع عفوياً في خدمة المعنى؛ ولكنَّني ضد استبعاد الفكرة لإرضاء القافية؛ لأنَّ الكاتب آنذاك يُجبر على حذف الحقيقة واختصار التفسير، وهذا ما يسترعي انتباهي حينما أقرأ بعضاً من الكتب التي تتكئ على العنوانات المسجوعة فتثير لديَّ شكوكاً مشروعةً تقودني أن أسأل وأتساءل باستنكار واستفهام: "هل اختار الكاتب عنوانه لأنَّه يختصر فلسفة الكتاب؟ أم أنَّه اختار فلسفة الكتاب لتتناسب مع عنوان أعجب ذوقه"؟!
لا شكَّ أنَّ ذلك السؤال الذي يراودني أثناء القراءة قد ازداد إلحاحاً حين زارني أحد المؤلفين في المنام؛ ليزفَّ إليَّ بشرى إنجازه الفكري العظيم، معلناً أنَّه انتهى من تأليف كتابه التاريخي المعنون بـ: "البائس واليائس في مسامرة الخنافس"! حينها، وعندما استمعت إليه؛ لم أستطع أن أحدِّد إن كان الكتاب بحثاً في الفقه، أم دراسة في علم الحشرات، أم محاولة فلسفية لإثبات أنَّ السجع قادر على تزويج المستحيلات! وهذا ما قاد ذاكرتي إلى موقفٍ كنت فيه بمعية ثلَّةٍ من الأكاديميين الفضلاء، حين أُجبرنا على حضور درسٍ امتدَّ ساعةً ونصف الساعة، وقف خلاله المحاضر يُخاطبنا بصوتٍ جهوريٍّ صارخ: (أيُّها العُدول، استحضروا العقول)! مستعيناً بما تيسَّر له من شعارات التراث والخطاب المسجوع! وبعد أن أدركنا –حينها- أنَّنا "عُدول"؛ امتثلنا للأمر، واستحضرنا ما تبقَّى من العقول، لنكتشف أنَّ المحاضر قد أعدَّ لنا درساً مطوَّلاً في المنهجية العقلية والوعي المستفيض عند دخول المراحيض! فراح يُبحر في دقائق المسألة، ويستخرج من تفاصيلها مناهج التفكير، حتى بدا لنا أنَّ الحضارة الإنسانية لم تتعثر بسبب تخلُّف البحث العلمي، وإنَّما بسبب قصور الإنسان في توظيف عقله أثناء قضاء حاجته!
وحين انتهت تلك المحاضرة، وانقضت مدَّة الاعتقال الفكري، وأُفرج عن الجالسين بعد ساعة ونصف من الاحتجاز البلاغي؛ التفت إليّ صديقي الأَكاديمي، وقد بدت على وجهه آثار الصدمة المعرفية، ليسألني بجدية ساخرة:
((يا وليد! بعد هذا الدرس العظيم، كيف يمكنني أن أُوظِّف العقل))!؟
فقلت له: يا صديقي، إن أردت أن تدخل التاريخ من أوسع أبواب المعرفة المسجوعة، فلا تُتعب نفسك بالبحث والتجريب والتحليل؛ فما عليك إلا أن تؤلِّف كتاباً تراثياً مسجوعاً عنوانه: "وظِّف أنسجة المخّ؛ لتتعلَّم كيف تَشُخّ"! حينها ستكتشف بعد تأليفك للكتاب بأنَّ بعض الخطابات لا تحتاج إلى عقلٍ لفهمها، بل تحتاج إلى عقلٍ يتحمَّلها؛ ولتتأكَّد أنَّ أخطر ما في السجع ليس أنَّه يُفسد المعنى أحياناً، بل إنَّه يمنح التفاهة هيبة الحكمة، ويُلبس الفراغ ثوب المعرفة، حتى يصبح الإنسان مضطراً إلى تعطيل عقله احتراماً لمن يأْمره باستحضاره.
خلاصة القول: إنَّني قد أدركت أنَّ بعض الكتب "إللي معكم خبرها" لا تحتاج إلى مراجعة نقدية بقدر ما تحتاج إلى تشريح لغوي، وأنَّ بعض المحاضرات والدروس لا توقظ العقول بقدر ما تُرهقها، كما أنَّني أدركتُ تمام الإدراك أنَّ الفكرة حينما تعجز عن الوقوف؛ فإنَّ المؤلِّفين يُسندون إليها قافية! وحين يتقاعد العقل؛ فإِنَّ السجع يتولَّى إدارة المعرفة، ولعلَّ أعظم ما يمكن أن يُقدمه بعض هؤلاء للتاريخ؛ هو أن يكفُّوا عن إِقحام الفلسفة في قوافيهم، وأن يذروا للعقل فرصةً أخيرةً ليمارس وظيفته الطبيعية؛ قبل أن تعمَّ الكارثة الفكرية ويستكمل المؤلِّف الذي جاءني في المنام إجراءات نشرِ كتابه الموسوم بـ: "البائس واليائس في مسامرة الخنافس".
الكاتب الساخر: وليد معابرة
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات