د. عبدالله محمد القضاة يكتب: البيانات الحكومية: من الجزر المعلوماتية إلى مرجعية وطنية موحدة

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 8598
 د. عبدالله محمد القضاة يكتب: البيانات الحكومية: من الجزر المعلوماتية إلى مرجعية وطنية موحدة
أ.د. محمد القضاة

أ.د. محمد القضاة

لا تستطيع أي حكومة أن تصنع سياسات عامة رشيدة، أو توجّه مواردها بكفاءة، أو تقيس نتائج برامجها بدقة، ما لم تمتلك بيانات موثوقة ومتكاملة ومحدّثة. فالبيانات لم تعد مجرد أرقام ترد في تقارير رسمية، بل أصبحت أصلاً استراتيجياً للدولة، وأساساً للتخطيط وتقييم الأداء واستشراف المستقبل.
ومن واقع الإدارة العامة، تبرز مشكلة تستحق معالجة مؤسسية جادة: بيانات ناقصة في بعض المجالات، أو غير دقيقة وحديثة بما يكفي في مجالات أخرى، أو غير ملائمة لاحتياجات القرار. وقد تمتلك المؤسسات الحكومية كماً كبيراً من المعلومات، لكنه يبقى موزعاً بين أنظمة منفصلة، ومبنياً أحياناً على تعريفات ومؤشرات مختلفة، الأمر الذي يجعل تبادل البيانات والاستفادة منها بصورة متكاملة أمراً صعباً.
ولا تقف خطورة هذه المشكلة عند حدود الارتباك الفني؛ فالقرار الذي يُبنى على صورة ناقصة للواقع قد يقود إلى سياسات غير دقيقة، كما أن اختلاف الأرقام بين المؤسسات يربك تقييم الإنجاز ويهدر الموارد في تكرار جمع المعلومات، بينما تظل فجوات أساسية بلا معالجة. ولذلك، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في حوكمة البيانات: من يملكها؟ ومن يحدّثها؟ وما المعايير التي تضمن جودتها؟ وكيف يجري تبادلها واستخدامها ومساءلة الجهات المسؤولة عنها؟
من هنا تبرز الحاجة إلى مشروع وطني لحوكمة البيانات الحكومية، يقوم على إنشاء مجلس وطني لحوكمة البيانات والمعلومات بمرجعية حكومية عليا وصلاحيات واضحة. ويتولى المجلس وضع الإطار العام للسياسة الوطنية لإدارة البيانات، وتنسيق الجهود بين المؤسسات، ومعالجة التعارضات، ومتابعة جودة البيانات وتكاملها، وضمان توجيه استخدامها لخدمة القرار العام.
وينبغي أن يضم المجلس ممثلين عن وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، ودائرة الإحصاءات العامة، والجهات المعنية بتحديث القطاع العام والتخطيط والموازنة، إلى جانب الجهات الرقابية والقانونية والأمنية ذات الصلة، وخبراء في الإحصاء والحوكمة والذكاء الاصطناعي، مع إشراك الجهات القطاعية بحسب طبيعة الملفات المطروحة. غير أن المجلس يجب أن يكون مرجعية للسياسات والمعايير والتنسيق، لا بديلاً عن المؤسسات القائمة ولا جهة جديدة تكرر اختصاصاتها.
وتبدأ الخطوة العملية بإعداد سجل وطني موحد للبيانات الحكومية، يحدد مجموعات البيانات الموجودة لدى كل مؤسسة، والجهة المسؤولة عنها، ومواعيد تحديثها، ومستوى جودتها، وشروط الوصول إليها وتبادلها، ومدى قابليتها للربط مع بيانات المؤسسات الأخرى. ولا تقل أهمية عن ذلك معرفة البيانات غير المتاحة، وأسباب غيابها، والفجوات التي تحول دون استخدامها في القرارات العامة؛ فالحكومة لا تحتاج إلى معرفة ما تملكه فقط، بل إلى معرفة ما ينقصها أيضاً لاتخاذ القرار الصحيح.
كما ينبغي اعتماد بطاقة موحدة لجودة البيانات تقيس اكتمالها ودقتها وحداثتها واتساقها وملاءمتها للغرض المطلوب، مع تحديد مسؤول واضح عن كل مجموعة بيانات، ووضع آلية وطنية لحسم الاختلافات بين الأرقام والتعريفات والمؤشرات الصادرة عن الجهات الحكومية. فالمشكلة ليست في وجود أكثر من مصدر للمعلومة، بل في غياب المرجعية التي توضح أي الأرقام أدق، وأي التعريفات أقدر على خدمة القرار.
ويجب أن تقوم السياسة الوطنية على مبدأ أن البيانات تُجمع مرة، وتُستخدم وفق القانون كلما دعت الحاجة، بما يقلل الازدواجية والكلفة، ويعزز التكامل بين المؤسسات، ويحمي في الوقت نفسه الخصوصية والسرية والأمن الوطني. ومن الضروري التمييز بين البيانات المفتوحة المتاحة للجمهور، والبيانات التي يجوز تبادلها بين الجهات المختصة، والبيانات المقيدة التي تخضع لضوابط قانونية وأمنية. فالحوكمة الرشيدة لا تعني فتح جميع البيانات بلا ضوابط، كما لا تعني حجبها دون مبرر، بل تحقيق التوازن بين الشفافية وحماية الحقوق والمصالح العامة.
ولضمان جدية التنفيذ، لا بد من إطار لمساءلة المؤسسات عن جودة بياناتها وتحديثها، ومؤشر وطني لنضج إدارة البيانات يقيس التقدم في التكامل والجودة والاستخدام الفعلي للمعلومات في صناعة القرار. كما ينبغي أن ترتبط خطط التحسين باحتياجات المؤسسات، وأن تترافق مع دعم فني وتدريب مستمر، بدلاً من الاكتفاء بإصدار التعليمات؛ فالمؤسسة التي يُطلب منها رفع جودة بياناتها تحتاج إلى أدوات ومعايير وكفاءات قادرة على تنفيذ ذلك.
ويمكن البدء خلال عام بمرحلة تجريبية تشمل قطاعات حكومية مختارة، تُحصر فيها البيانات والفجوات، وتُختبر آليات التبادل والتصحيح، وتُقاس النتائج قبل الانتقال إلى التوسع التدريجي. ويسمح هذا النهج باكتشاف العقبات مبكراً، وتعديل الأطر قبل تعميمها، وبناء الثقة بين المؤسسات، وإثبات أن حوكمة البيانات ليست مشروعاً تقنياً منفصلاً، بل إصلاح مؤسسي يتطلب قيادة وتنسيقاً وتدرجاً ومراجعة مستمرة.
إن تحديث الإدارة العامة لا يتحقق برقمنة الإجراءات وحدها، بل ببناء حكومة تعرف واقعها بدقة، وتتشارك المعلومات بمسؤولية، وتقيس نتائجها على أساس الأدلة. فالبيانات الجيدة لا تضمن وحدها صحة القرار، لكنها تقلل مساحة التخمين، وتتيح المقارنة بين البدائل، وتساعد على توجيه الموارد نحو الأولويات الحقيقية.
والانتقال من مؤسسات تمتلك بيانات متفرقة إلى دولة تدير بياناتها باعتبارها أصلاً وطنياً مشتركاً يمثل خطوة أساسية نحو إدارة عامة أكثر كفاءة، وسياسات أكثر استناداً إلى الأدلة، ومساءلة أوضح عن النتائج. وفي وقت تتسارع فيه التحولات وتتزايد الضغوط على المال العام، لم تعد حوكمة البيانات خياراً إدارياً مؤجلاً، بل شرطاً من شروط الدولة القادرة على التخطيط والتعلم والاستجابة.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم