أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: التعيينات القيادية بين الكفاءة والاعتبارات الشخصية .. أين المصلحة العامة؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 23347
أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: التعيينات القيادية بين الكفاءة والاعتبارات الشخصية ..   أين المصلحة العامة؟
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

لا تتمثل أخطر أزمات الإدارة العامة، في أي دولة من الدول، في نقص الموارد أو ضعف التشريعات أو حتى تعقيد الإجراءات البيروقراطية، بل أنْ تتحول المناصب القيادية إلى امتيازات تُمنح بالعلاقات، ولا تُكتسب بالكفاءة والجدارة. فعندما تصبح الواسطة أقوى من المؤهلات، والمحسوبية أكثر تأثيراً من الخبرة، والولاءات الشخصية أهم مِن الإنجازات المهنية، فإننا لا نكون أمام مجرد خلل في سياسات التعيين، بل أمام اختلال عميق في مفهوم الدولة المؤسسية، يهدد عدالة الفرص، ويقوّض الثقة العامة، ويجعل الحديث عن الإصلاح الإداري أقرب إلى الشعارات منه إلى الممارسة الفعلية.

المناصب القيادية في الدول ليست جوائز ترضية، ولا مكافآت على علاقات شخصية، ولا حصصاً توزع على أصحاب النفوذ، وإنما مواقع مسؤولية وطنية يفترض أن يصل إليها الأكثر كفاءة وقدرة ونزاهة. فالمسؤول الذي يتولى قيادة مؤسسة عامة لا يدير ممتلكاته الخاصة، ولا يمارس سلطة مستمدة مِن رضا مَن أوصله إلى المنصب، بل يتصرف في موارد الدولة، ويؤثر في مصالح المواطنين، ويتخذ قرارات تنعكس على حاضر المؤسسات ومستقبلها. ومِن هنا، فإن أي انحراف في معايير اختياره لا يمثل ظلماً للمنافسين المستحقين فحسب، بل قد يتحول إلى ظلم للمجتمع بأكمله.

من المؤكد أنّ الواسطة والمحسوبية، عندما تتغلغلان في عمليات اختيار القيادات، لا تكتفيان بإقصاء الكفاءات، بل تعيدان تشكيل الثقافة الإدارية على أسس خطيرة؛ إذ يتراجع الاعتقاد بأن الاجتهاد والتأهيل والخبرة والإنجاز هي الطريق الطبيعي إلى التقدم الوظيفي، لتحل محله قناعة مدمرة مفادها أنّ الطريق الأقصر إلى المناصب يمر عبر أبواب النفوذ والعلاقات الشخصية. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن الموظف الكفؤ الذي يكتشف أنّ سنوات عطائه لا تساوي اتصالاً هاتفياً مِن شخصية نافذة، قد يفقد حافزه على الإبداع، بينما يتعلم الآخرون أنّ بناء العلاقات أهم من بناء القدرات، وأن البحث عن صاحب نفوذ قد يكون أجدى مِن البحث عن شهادة علمية أو خبرة مهنية.
والأكثر خطورة أنّ المحسوبية لا تنتج دائماً مسؤولاً غير مؤهل، فقد يكون المستفيد منها صاحب مؤهلات وخبرات فعلية، ولكن المشكلة تكمن في أنّ وصوله إلى المنصب لم يخضع بالضرورة لمنافسة عادلة تكشف ما إذا كان هو الأكفأ بين المرشحين. فالعدالة لا تتحقق بمجرد أنْ يكون الشخص المعين مؤهلاً، وإنما بأنْ تتاح الفرصة لجميع المؤهلين، وأنْ يخضعوا لمعايير واحدة وإجراءات معلنة وتقييم موضوعي. ولذلك، فإنّ السؤال الذي ينبغي أنْ يُطرح عند كل تعيين قيادي ليس فقط: هل الشخص المعين كفؤ؟ بل أيضاً: هل كان الأكثر كفاءة؟ وكيف جرى التحقق مِن ذلك؟ ولماذا اختير دون غيره؟
إنّ أخطر ما في غياب الشفافية أنه يحوّل القرار الإداري مِن إجراء مؤسسي قابل للفحص والمساءلة إلى مساحة مغلقة للتقديرات الشخصية. وعندما لا يعرف المواطنون كيف تُختار القيادات، ولا ما المعايير التي جرى اعتمادها، ولا طبيعة المفاضلة بين المرشحين، فإنّ الشك يصبح نتيجة طبيعية لغياب المعلومات. وليس مِن الإنصاف اتهام كل مَن يصل إلى منصب قيادي بأنه وصل بالواسطة، ولكن مِن غير المقبول أيضاً مطالبة الناس بالثقة المطلقة في قرارات لا يعرفون كيف صُنعت. فالشفافية ليست منّة تمنحها السلطة للمواطنين، وإنما ضمانة أساسية لحماية نزاهة القرار العام وحماية المسؤول الكفؤ نفسه من الشبهات.
ولعل من أخطر نتائج التعيينات القائمة على الولاء الشخصي أنها تخلق مسؤولاً يشعر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأنّ بقاءه في موقعه مرتبط برضا مَن أسهم في وصوله إليه، لا برضا المجتمع عن أدائه أو نجاحه في تحقيق أهداف المؤسسة. وفي مثل هذه البيئة، قد تصبح الأولوية لتجنب إغضاب أصحاب النفوذ بدلاً مِن اتخاذ القرارات الصحيحة، وقد يتقدم الولاء للأشخاص على الالتزام بالقانون والمصلحة العامة، فتتحول المؤسسة تدريجياً مِن جهاز لخدمة المواطنين إلى مساحة لتبادل المصالح وحماية النفوذ.
ومِن المفارقات المؤلمة أن بعض الإدارات تطالب الموظفين بالالتزام بمعايير الأداء والانضباط والإنجاز، بينما تعجز عن تقديم النموذج نفسه في اختيار قياداتها. فكيف يمكن لمسؤول وصل إلى موقعه خارج منافسة عادلة أنْ يقنع مرؤوسيه بأنّ الجدارة هي أساس الترقية؟ وكيف تستطيع مؤسسة أنْ ترسخ ثقافة النزاهة إذا كانت إجراءات اختيار قيادتها تفتقر إلى الوضوح؟ إنّ القيم المؤسسية لا تُبنى بالخطب والتعاميم ومدونات السلوك وحدها، وإنما تتجسد أولاً في القرارات الكبرى، وفي مقدمتها قرارات التعيين والترقية وإسناد المسؤوليات.
إنّ المطلوب ليس مجرد الإعلان الشكلي عن الشواغر القيادية، ولا تشكيل لجان مقابلات لإضفاء مظهر التنافس على قرارات محسومة سلفاً، وإنما بناء منظومة اختيار حقيقية تبدأ بالإعلان المفتوح عن الوظائف، وتحديد المؤهلات والكفايات المطلوبة بصورة مسبقة، وإخضاع المرشحين لتقييم مهني مستقل، وإعلان معايير المفاضلة وأوزانها، وضمان عدم تضارب المصالح، وتوفير آليات فاعلة للتظلم والمراجعة. والأهم مِن ذلك أنْ تخضع القيادات بعد تعيينها لتقييم دوري جاد يستند إلى نتائج قابلة للقياس، بحيث لا يتحول المنصب إلى حصانة دائمة مِن المحاسبة.
إنّ الإصلاح لن يكون حقيقياً ما دامت الاستثناءات قادرة على تجاوز القواعد، وما دامت الإجراءات قابلة للتجاوز كلما تعلق الأمر بمنصب حساس أو بشخص يحظى بدعم نافذ. فالدولة المؤسسية لا تُختبر عندما تسير الأمور بصورة اعتيادية، وإنما تُختبر عندما تتعارض قواعد العدالة مع رغبات أصحاب النفوذ. وعند تلك اللحظة تحديداً، يتبين ما إذا كانت المؤسسات أقوى مِن الأشخاص، أم أنّ الأشخاص أقوى مِن المؤسسات.
إنّ الواسطة في التعيينات القيادية ليست مجرد ممارسة إدارية خاطئة، بل هي شكل من أشكال الفساد المؤسسي عندما تنطوي على إساءة استخدام السلطة أو النفوذ لمنح امتياز غير مستحَق. وهي لا تستنزف المال العام بصورة مباشرة بالضرورة، لكنها قد تستنزف ما هو أثمن منه: الثقة بالدولة، والانتماء إلى مؤسساتها، والإيمان بعدالة الفرص. والدولة التي تخسر ثقة كفاءاتها الوطنية تدفع ثمناً باهظاً، حتى لو لم يظهر ذلك في موازناتها وتقاريرها المالية.
والخلاصة، فإن الأوطان لا تنهض بمن يعرف المسؤول، بل بمن يعرف كيف يتحمل المسؤولية. ولا تُبنى المؤسسات القوية بتوزيع المناصب على أصحاب العلاقات، وإنما بإسنادها إلى أصحاب الكفاءات. أما أخطر ما يمكن أنْ يحدث للإدارة العامة، في أي دولة من الدول، هو أنْ يصبح المنصب مكافأة على الولاء بدلاً مِن أنْ يكون تكليفاً قائماً على الجدارة. فحين تُقصى الكفاءة لصالح الواسطة، لا يخسر المرشح المستحق وحده، بل تخسر الدولة فرصة أنْ تكون أفضل. وحين يصبح النفوذ أقصر الطرق إلى القيادة، فإننا لا نعيّن مسؤولاً فحسب، بل نشارك في صناعة أزمة إدارية جديدة، سيدفع المواطن ثمنها عاجلاً أم آجلاً.
إن إصلاح الإدارة العامة في جميع المجتمعات يبدأ مِن إصلاح بوابة الوصول إلى قيادتها؛ ومن المؤكد أنّ الجدارة هي الطريق إلى قيادة هذه المؤسسات.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم