رفعت ثورات الخمسينيات والستينيات شعارات التحرير والوحدة والعدالة والاشتراكية، وخاطبت الجماهير بلغة الأحلام الكبرى، حتى خُيّل للعرب أن فجرًا جديدًا على وشك أن يولد. لكن ما بين بريق الشعارات ومرارة النتائج، ضاعت أوطان، وتبددت أحلام، ودُفعت أثمان باهظة من دماء الشعوب وحرياتها.
لم تكن المشكلة في أحلام التحرر والوحدة، بل فيمن احتكر الحديث باسمها، وحوّل الثورة في تجارب عديدة من وسيلة للتغيير إلى ذريعة للاستئثار بالسلطة. ففي عهد الناصرية، تمدد نفوذ الأجهزة الأمنية، وضاقت مساحات المعارضة، وتعرض خصوم النظام للاعتقال والتعذيب، بينما ارتفع صوت الدعاية فوق صوت النقد والمحاسبة.
أما حزب البعث، الذي رفع شعارات الحرية والوحدة والاشتراكية، فقد شهد حكمه في العراق وسوريا استبدادًا وقمعًا دمويًا، وتحولت أجهزة الأمن والحزب في مراحل عديدة إلى أدوات لإخضاع المجتمع، بدلًا من تحريره. وهكذا صار المواطن في بعض تلك التجارب يخشى سلطةً جاءت، باسم الشعب، لتدّعي تمثيله.
ثم جاءت حرب حزيران 1967 لتكشف الفجوة الهائلة بين ضجيج الخطابات وحقيقة الاستعداد والقدرة؛ فخسر العرب أراضي واسعة، واحتُلت القدس الشرقية والضفة الغربية وسيناء والجولان، وسقطت أوهام النصر السهل تحت وطأة الهزيمة. ولم تكن الكارثة مجرد خسارة عسكرية، بل امتحانًا قاسيًا لقيادات بالغت في الوعود، ولم تترك للمساءلة مكانًا يوازي مكانة الشعارات.
واليمن السعيد، الذي كان يستحق أن يظل سعيدًا، دفع بدوره ثمن الصراعات والثورات والتدخلات وتنازع السلطة. فبدل أن تتجه طاقات أبنائه إلى التعليم والبناء والتنمية، استُنزفت في الحروب والانقسامات والصراع على الحكم، حتى انتهى اليمن في العقود الأخيرة إلى مأساة إنسانية واقتصادية هائلة، وتراجعت مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية في مناطق واسعة. فأيُّ ثورة هذه التي يعجز وطنها عن توفير أبسط مقومات الحياة لأبنائه؟ وأيُّ تنظير سياسي يعوّض طفلًا جائعًا أو مريضًا بلا دواء أو أسرةً هجّرتها الحرب؟
ولم تكن ليبيا بمنأى عن دروس الحكم الثوري. فقد أنفقت عائدات نفطية ضخمة على مدى عقود، وكان بوسعها أن تؤسس نهضة مستدامة في التعليم والصحة والبنية التحتية والاقتصاد المنتج. لكن تركّز السلطة وضعف المؤسسات والمغامرات السياسية والعسكرية أضعفت إمكانات بناء دولة راسخة، ثم جاء انهيار النظام عام 2011 لتدخل البلاد في انقسام وصراع مسلح، وتتعثر في استثمار ثرواتها لصالح جميع أبنائها. فالثروة التي لا تحميها المؤسسات قد تتحول من نعمة وطنية إلى فرصة ضائعة.
وليس المقصود أن كل ما حدث في اليمن وليبيا نتيجة الثورات وحدها، أو أن القوى الخارجية لا تتحمل مسؤولياتها؛ فالتاريخ أكثر تعقيدًا من تفسير واحد. لكن السؤال الذي لا يجوز الهروب منه هو: لماذا عجزت تلك التجارب عن بناء دول مستقرة تحمي الإنسان وتصون الثروة وتضمن تداول السلطة؟
ولا يعني إنصاف التاريخ إنكار ما شهدته بعض البلدان من توسع في التعليم والخدمات الاجتماعية أو أدوار تحررية، لكنه لا يسمح أيضًا بأن تتحول الإنجازات الجزئية إلى صك براءة للاستبداد والإخفاق.
لقد أثبتت التجربة أن الوطن لا يُبنى بتقديس الحاكم، وأن الوحدة لا تتحقق بإلغاء الشركاء، وأن التحرير لا تصنعه الخطب وحدها، بل العلم والكفاءة والمؤسسات والمحاسبة. كما أثبتت أن القائد الذي يغلق أبواب النقد قد يسمع التصفيق حتى اللحظة التي تسقط فيها الأوهام، وأن الشعب هو الذي يدفع الفاتورة حين تتحول السياسة إلى مغامرة.
فهل أنقذت ثورات الخمسينيات والستينيات الأمة من أزماتها، أم أن بعضها عمّق تلك الأزمات حين استبدّ بالقرار، وقدّس الشعارات، وأهمل بناء الدولة؟
إن الأوطان أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكام، وأغلى من أن تكون مختبرًا لتجارب لا يحاسب أصحابها أنفسهم على نتائجها. والتاريخ لا يحكم على الثورات بما وعدت به، بل بما أنجزته، وبما تركته وراءها من حرية وكرامة واستقرار أو من انقسام ودمار وضياع للفرص.
فالثورة التي ترفع راية كرامة الأمة ثم تهدر كرامة الإنسان، وتَعِد بالخلاص ثم تترك الوطن أسير الأزمات، تكون قد ناقضت أهدافها بيدها؛ وحينها تصبح مراجعة التاريخ واجبًا وطنيًا، لا جريمة سياسية
لم تكن المشكلة في أحلام التحرر والوحدة، بل فيمن احتكر الحديث باسمها، وحوّل الثورة في تجارب عديدة من وسيلة للتغيير إلى ذريعة للاستئثار بالسلطة. ففي عهد الناصرية، تمدد نفوذ الأجهزة الأمنية، وضاقت مساحات المعارضة، وتعرض خصوم النظام للاعتقال والتعذيب، بينما ارتفع صوت الدعاية فوق صوت النقد والمحاسبة.
أما حزب البعث، الذي رفع شعارات الحرية والوحدة والاشتراكية، فقد شهد حكمه في العراق وسوريا استبدادًا وقمعًا دمويًا، وتحولت أجهزة الأمن والحزب في مراحل عديدة إلى أدوات لإخضاع المجتمع، بدلًا من تحريره. وهكذا صار المواطن في بعض تلك التجارب يخشى سلطةً جاءت، باسم الشعب، لتدّعي تمثيله.
ثم جاءت حرب حزيران 1967 لتكشف الفجوة الهائلة بين ضجيج الخطابات وحقيقة الاستعداد والقدرة؛ فخسر العرب أراضي واسعة، واحتُلت القدس الشرقية والضفة الغربية وسيناء والجولان، وسقطت أوهام النصر السهل تحت وطأة الهزيمة. ولم تكن الكارثة مجرد خسارة عسكرية، بل امتحانًا قاسيًا لقيادات بالغت في الوعود، ولم تترك للمساءلة مكانًا يوازي مكانة الشعارات.
واليمن السعيد، الذي كان يستحق أن يظل سعيدًا، دفع بدوره ثمن الصراعات والثورات والتدخلات وتنازع السلطة. فبدل أن تتجه طاقات أبنائه إلى التعليم والبناء والتنمية، استُنزفت في الحروب والانقسامات والصراع على الحكم، حتى انتهى اليمن في العقود الأخيرة إلى مأساة إنسانية واقتصادية هائلة، وتراجعت مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية في مناطق واسعة. فأيُّ ثورة هذه التي يعجز وطنها عن توفير أبسط مقومات الحياة لأبنائه؟ وأيُّ تنظير سياسي يعوّض طفلًا جائعًا أو مريضًا بلا دواء أو أسرةً هجّرتها الحرب؟
ولم تكن ليبيا بمنأى عن دروس الحكم الثوري. فقد أنفقت عائدات نفطية ضخمة على مدى عقود، وكان بوسعها أن تؤسس نهضة مستدامة في التعليم والصحة والبنية التحتية والاقتصاد المنتج. لكن تركّز السلطة وضعف المؤسسات والمغامرات السياسية والعسكرية أضعفت إمكانات بناء دولة راسخة، ثم جاء انهيار النظام عام 2011 لتدخل البلاد في انقسام وصراع مسلح، وتتعثر في استثمار ثرواتها لصالح جميع أبنائها. فالثروة التي لا تحميها المؤسسات قد تتحول من نعمة وطنية إلى فرصة ضائعة.
وليس المقصود أن كل ما حدث في اليمن وليبيا نتيجة الثورات وحدها، أو أن القوى الخارجية لا تتحمل مسؤولياتها؛ فالتاريخ أكثر تعقيدًا من تفسير واحد. لكن السؤال الذي لا يجوز الهروب منه هو: لماذا عجزت تلك التجارب عن بناء دول مستقرة تحمي الإنسان وتصون الثروة وتضمن تداول السلطة؟
ولا يعني إنصاف التاريخ إنكار ما شهدته بعض البلدان من توسع في التعليم والخدمات الاجتماعية أو أدوار تحررية، لكنه لا يسمح أيضًا بأن تتحول الإنجازات الجزئية إلى صك براءة للاستبداد والإخفاق.
لقد أثبتت التجربة أن الوطن لا يُبنى بتقديس الحاكم، وأن الوحدة لا تتحقق بإلغاء الشركاء، وأن التحرير لا تصنعه الخطب وحدها، بل العلم والكفاءة والمؤسسات والمحاسبة. كما أثبتت أن القائد الذي يغلق أبواب النقد قد يسمع التصفيق حتى اللحظة التي تسقط فيها الأوهام، وأن الشعب هو الذي يدفع الفاتورة حين تتحول السياسة إلى مغامرة.
فهل أنقذت ثورات الخمسينيات والستينيات الأمة من أزماتها، أم أن بعضها عمّق تلك الأزمات حين استبدّ بالقرار، وقدّس الشعارات، وأهمل بناء الدولة؟
إن الأوطان أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكام، وأغلى من أن تكون مختبرًا لتجارب لا يحاسب أصحابها أنفسهم على نتائجها. والتاريخ لا يحكم على الثورات بما وعدت به، بل بما أنجزته، وبما تركته وراءها من حرية وكرامة واستقرار أو من انقسام ودمار وضياع للفرص.
فالثورة التي ترفع راية كرامة الأمة ثم تهدر كرامة الإنسان، وتَعِد بالخلاص ثم تترك الوطن أسير الأزمات، تكون قد ناقضت أهدافها بيدها؛ وحينها تصبح مراجعة التاريخ واجبًا وطنيًا، لا جريمة سياسية
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات