عمر الدريني يكتب: اليوم العالمي للصحة النفسية وراء الأبواب المغلقة حكايات لا تكشفها الوجوه

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7295
عمر الدريني يكتب: اليوم العالمي للصحة النفسية وراء الأبواب المغلقة حكايات لا تكشفها الوجوه
عمر الدريني

عمر الدريني

قد تمرّ بجارك كل صباح، وتلقي التحية على زميلك في العمل، وتجلس إلى جانب صديقك في مناسبة اجتماعية، دون أن يخطر لك أن أحد هؤلاء ربما يخوض معركة داخلية لا يعرف كيف يصفها. فالوجوه التي نراها ليست دائمًا مرايا لما نشعر به، والهدوء لا يعني بالضرورة الطمأنينة، والانشغال بالحياة لا يمنع الإنسان من الشعور بأنه يثقل تحت أعبائها. في العاشر من تشرين الأول، الذي يصادف اليوم العالمي للصحة النفسية، يصبح من الضروري أن ننظر إلى ما تخفيه الوجوه خلف مظاهر الحياة اليومية، فهل صنعنا مجتمعات تسمح للإنسان بأن يتحدث عن معاناته، أم صنعنا بيئات تدفعه إلى إخفائها حفاظًا على صورته أمام الآخرين؟ وهل نريد من الناس أن يكونوا بخير فعلًا، أم نكتفي بأن يبدوا كذلك حتى لا يزعجنا حزنهم؟ المشكلة أن بعض أشكال المعاناة لا تصطدم بجدار الألم وحده، بل بجدار الأحكام المسبقة أيضًا، قد يخشى الإنسان أن يُوصف بالضعف، أو أن تتحول تجربته إلى حديث متداول، أو أن يُستخدم ما يقوله ضده في العمل أو العلاقات الاجتماعية. وعندما يصبح الصمت أقل كلفة من الصراحة، يتعلم كثيرون إخفاء ما يشعرون به، حتى عندما يكونون في أمسّ الحاجة إلى المساندة. لكن الصحة النفسية ليست امتيازًا للأشخاص الذين يعيشون ظروفًا مريحة، وليست قضية تخص فئة دون أخرى. إنها جزء من الصحة العامة، وتتأثر بعوامل متداخلة، منها الاستقرار الأسري، والضغوط الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية، وتجارب الفقد، وظروف العمل، والشعور بالأمان. ولذلك، فإن اختزال المعاناة في ضعف الشخصية يظلم الإنسان ويتجاهل الظروف التي قد تثقل حياته. ولعل الأسرة هي المكان الأول الذي يمكن أن تتغير فيه هذه المعادلة، حين يخطئ الابن، لا ينبغي أن يكون التوبيخ أول رد فعل دائم؛ وحين ينسحب من الحديث، لا ينبغي أن نكتفي باتهامه بالجفاء؛ وحين تتراجع طاقته، لا ينبغي أن نفترض أنه فقد الرغبة في الحياة، أحيانًا يحتاج أفراد الأسرة إلى مساحة آمنة للكلام أكثر مما يحتاجون إلى محاضرة جديدة عن الصبر والانضباط. وفي المدرسة، يمكن للمعلم أن يلاحظ ما قد يغيب عن الآخرين: طالبًا تغيّر سلوكه فجأة، أو طالبة تراجعت مشاركتها، أو طفلًا صار يفضّل العزلة بعد أن كان مندمجًا مع زملائه. لا يعني ذلك أن كل تغير مؤشر إلى اضطراب نفسي، لكنه قد يكون دعوة إلى السؤال الهادئ، والتواصل المسؤول مع الأسرة، والاستعانة بالمرشد أو المختص عند الحاجة. أما المؤسسات، فعليها أن تدرك أن الإنسان لا يصبح أكثر إنتاجًا بمجرد مطالبته بمزيد من التحمل. فبيئة العمل التي تحترم الكرامة، وتحد من التنمر، وتتيح التوازن المعقول بين المسؤوليات والحياة الخاصة، تسهم في بناء شعور أكبر بالأمان والانتماء. وفي الأردن، نحتاج إلى تعزيز ثقافة تحترم خصوصية من يطلب الدعم، وتيسّر الوصول إلى الخدمات النفسية، وتقدم المعلومات الصحيحة بعيدًا عن التهويل أو الإنكار. فالوعي الحقيقي لا يقتصر على معرفة المصطلحات، بل يظهر في طريقة حديثنا مع المتعبين، وفي قدرتنا على عدم تحويل معاناتهم إلى مادة للسخرية. ليس علينا أن نعرف كل ما يخفيه الآخرون، ولا أن نمتلك إجابات لكل أسئلتهم. يكفي أحيانًا أن نكون أشخاصًا لا يخاف الآخر من مصارحتهم، وأن نسأل بصدق، ونصغي باحترام، ونحافظ على السرية، ونساعدهم في الوصول إلى الدعم المناسب. في النهاية، ليست الأبواب المغلقة دليلًا على أن وراءها لا شيء؛ فقد تكون خلفها حكاية تنتظر لحظة أمان كي تُروى. والمجتمع الأكثر إنسانية ليس الذي يخلو من المتألمين، بل الذي لا يتركهم يواجهون آلامهم وحدهم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم