قد يظن الإنسان أن أخطر أعدائه هم أولئك الذين يقفون في مواجهته ويحاولون إلحاق الضرر به فيحذرهم ويراقب تصرفاتهم ويبحث عن الطرق التي تحميه من تأثيرهم لكنه قد يغفل عن خصم أكثر قربا منه وأشد معرفة بنقاط ضعفه وهو نفسه حين تستسلم للهوى وتتحول رغباتها من دوافع طبيعية في الحياة إلى قوة تقوده نحو ما يضره وهو يعتقد أنه يمارس حريته ويختار بإرادته.
وليس المقصود هنا أن النفس شر مطلق أو أن الإنسان عدو لنفسه بطبيعته فالتصور الإسلامي يقدم لنا صورة أعمق للنفس التي قد تدفع صاحبها إلى السوء وقد تلومه على تقصيره وقد تبلغ من الطمأنينة والاستقرار ما يجعله أكثر وعيا واتزانا فالمشكلة ليست في وجود النفس ورغباتها وإنما فيمن يقود الآخر هل يقود الإنسان نفسه أم تجره أهواؤه إلى حيث لا يريد.
يقول الله تعالى في سورة يوسف ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ وهذه الآية تضع أيدينا على جانب من طبيعة الإنسان حين يترك رغباته دون ضابط فيصبح قادرا على تبرير الخطأ وتزيينه لنفسه حتى يراه أمرا مقبولا وربما ضروريا وهنا تكمن خطورة النفس حين لا تكتفي بدفع الإنسان إلى الخطأ بل تجعله يبحث عن المبررات التي تقنعه بأنه لم يخطئ أصلا.
ولنفهم ذلك لنتأمل مشهدا مألوفا في المدارس حين يكون هناك طالب لا يمتلك القدرة الكافية على رفض ما لا يقتنع به ويخشى أن يفقد قبول زملائه أو أن يبدو مختلفا عنهم فيصبح عرضة للاستدراج من رفاق السوء وقد يشاركهم في سلوكيات يعلم في قرارة نفسه أنها خاطئة لا لأنه يجهل الصواب دائما بل لأنه لم يستطع مقاومة رغبته في القبول أو خوفه من الرفض
وفي المقابل نجد طالبا آخر يعرف مبادئه ويملك الشجاعة للتمسك بها فلا يجعل رضا الآخرين ثمنا يدفعه من أخلاقه ولا يسمح لضغط رفاقه بأن يحدد قراراته وحين يحاولون جذبه نحو الخطأ يجدون أمامهم إرادة قادرة على الرفض
والفارق بين الطالبين لا يكمن بالضرورة في اختلاف ما يتعرضان له من إغراء وإنما في قدرة كل منهما على إدارة نفسه فالطالب الأول سمح لرغبته في القبول أن تتقدم على قناعته أما الثاني فقد أدرك أن خسارة رضا الآخرين أهون من خسارة احترامه لنفسه.
وهنا تتضح العلاقة بين النفس والشيطان فالشيطان يوسوس ويزين ويغري لكن النفس حين تستسلم لهواها قد تهيئ الطريق أمام تلك الوسوسة وتمنحها فرصة التأثير ولذلك يقول الله تعالى ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ وليس معنى ذلك أن الإنسان بمنأى عن الإغواء بل إن مقاومة الهوى تسلب الإغواء كثيرا من قدرته على التأثير بينما يصبح الإنسان أكثر عرضة له حين يجد في داخله استعدادا لتبرير الخطأ واتباع الرغبة.
ومع ذلك فإن النفس لا تبقى أسيرة هذا الجانب فقد جعل الله فيها موضعا للمراجعة واللوم يقول تعالى ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ وهي تذكرنا بأن الإنسان يستطيع أن يستيقظ من غفلته وأن يراجع اختياراته ويعترف بتقصيره فليس الخطر أن يخطئ الإنسان فحسب بل أن يفقد القدرة على رؤية خطئه أو أن يعتاد تبريره حتى يصبح الخطأ في نظره أمرا عاديا.
ومن هنا تأتي المجاهدة الحقيقية التي يشير إليها قوله تعالى ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ فالقوة ليست في أن تختفي الرغبات من داخل الإنسان بل في أن يعرف كيف يضبطها وألا يسمح لها بأن تتولى قيادة حياته وأن يدرك أن بعض ما تشتهيه نفسه قد يضره وبعض ما يرفضه هواه قد يكون هو الصواب الذي يحتاج إليه.
والغاية ليست أن يعيش الإنسان في صراع دائم مع ذاته بل أن يرتقي بها حتى يبلغ الطمأنينة التي أشار إليها قوله تعالى ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ فالنفس التي كانت تحتاج إلى ضبط ومجاهدة يمكن أن تصبح مصدر سكينة واتزان حين تتربى على الحق وتتعلم مقاومة الهوى.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل إنسان على نفسه هل أنا الذي أقود نفسي أم أن رغباتي هي التي تقودني
فليس كل من يفعل ما يشاء حرا فقد يكون أسيرا لهواه وليس كل من يرفض رغبة عابرة ضعيفا فقد يكون قد حقق أعظم انتصاراته
إن أخطر هزيمة لا تقع حين ينتصر عليك عدو تعرفه بل حين تنتصر عليك رغبة في داخلك فتدفعك إلى ما يضرك ثم تقنعك بأنك اخترته بإرادتك
وليس المقصود هنا أن النفس شر مطلق أو أن الإنسان عدو لنفسه بطبيعته فالتصور الإسلامي يقدم لنا صورة أعمق للنفس التي قد تدفع صاحبها إلى السوء وقد تلومه على تقصيره وقد تبلغ من الطمأنينة والاستقرار ما يجعله أكثر وعيا واتزانا فالمشكلة ليست في وجود النفس ورغباتها وإنما فيمن يقود الآخر هل يقود الإنسان نفسه أم تجره أهواؤه إلى حيث لا يريد.
يقول الله تعالى في سورة يوسف ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ وهذه الآية تضع أيدينا على جانب من طبيعة الإنسان حين يترك رغباته دون ضابط فيصبح قادرا على تبرير الخطأ وتزيينه لنفسه حتى يراه أمرا مقبولا وربما ضروريا وهنا تكمن خطورة النفس حين لا تكتفي بدفع الإنسان إلى الخطأ بل تجعله يبحث عن المبررات التي تقنعه بأنه لم يخطئ أصلا.
ولنفهم ذلك لنتأمل مشهدا مألوفا في المدارس حين يكون هناك طالب لا يمتلك القدرة الكافية على رفض ما لا يقتنع به ويخشى أن يفقد قبول زملائه أو أن يبدو مختلفا عنهم فيصبح عرضة للاستدراج من رفاق السوء وقد يشاركهم في سلوكيات يعلم في قرارة نفسه أنها خاطئة لا لأنه يجهل الصواب دائما بل لأنه لم يستطع مقاومة رغبته في القبول أو خوفه من الرفض
وفي المقابل نجد طالبا آخر يعرف مبادئه ويملك الشجاعة للتمسك بها فلا يجعل رضا الآخرين ثمنا يدفعه من أخلاقه ولا يسمح لضغط رفاقه بأن يحدد قراراته وحين يحاولون جذبه نحو الخطأ يجدون أمامهم إرادة قادرة على الرفض
والفارق بين الطالبين لا يكمن بالضرورة في اختلاف ما يتعرضان له من إغراء وإنما في قدرة كل منهما على إدارة نفسه فالطالب الأول سمح لرغبته في القبول أن تتقدم على قناعته أما الثاني فقد أدرك أن خسارة رضا الآخرين أهون من خسارة احترامه لنفسه.
وهنا تتضح العلاقة بين النفس والشيطان فالشيطان يوسوس ويزين ويغري لكن النفس حين تستسلم لهواها قد تهيئ الطريق أمام تلك الوسوسة وتمنحها فرصة التأثير ولذلك يقول الله تعالى ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ وليس معنى ذلك أن الإنسان بمنأى عن الإغواء بل إن مقاومة الهوى تسلب الإغواء كثيرا من قدرته على التأثير بينما يصبح الإنسان أكثر عرضة له حين يجد في داخله استعدادا لتبرير الخطأ واتباع الرغبة.
ومع ذلك فإن النفس لا تبقى أسيرة هذا الجانب فقد جعل الله فيها موضعا للمراجعة واللوم يقول تعالى ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ وهي تذكرنا بأن الإنسان يستطيع أن يستيقظ من غفلته وأن يراجع اختياراته ويعترف بتقصيره فليس الخطر أن يخطئ الإنسان فحسب بل أن يفقد القدرة على رؤية خطئه أو أن يعتاد تبريره حتى يصبح الخطأ في نظره أمرا عاديا.
ومن هنا تأتي المجاهدة الحقيقية التي يشير إليها قوله تعالى ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ فالقوة ليست في أن تختفي الرغبات من داخل الإنسان بل في أن يعرف كيف يضبطها وألا يسمح لها بأن تتولى قيادة حياته وأن يدرك أن بعض ما تشتهيه نفسه قد يضره وبعض ما يرفضه هواه قد يكون هو الصواب الذي يحتاج إليه.
والغاية ليست أن يعيش الإنسان في صراع دائم مع ذاته بل أن يرتقي بها حتى يبلغ الطمأنينة التي أشار إليها قوله تعالى ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ فالنفس التي كانت تحتاج إلى ضبط ومجاهدة يمكن أن تصبح مصدر سكينة واتزان حين تتربى على الحق وتتعلم مقاومة الهوى.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل إنسان على نفسه هل أنا الذي أقود نفسي أم أن رغباتي هي التي تقودني
فليس كل من يفعل ما يشاء حرا فقد يكون أسيرا لهواه وليس كل من يرفض رغبة عابرة ضعيفا فقد يكون قد حقق أعظم انتصاراته
إن أخطر هزيمة لا تقع حين ينتصر عليك عدو تعرفه بل حين تنتصر عليك رغبة في داخلك فتدفعك إلى ما يضرك ثم تقنعك بأنك اخترته بإرادتك
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات