موفق ابودلبوح يكتب: البعد التنموي للحياة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 5947
موفق ابودلبوح يكتب: البعد التنموي للحياة
موفق عبدالحليم ابودلبوح

موفق عبدالحليم ابودلبوح

البعد التنموي للحياة ليست الحياة أن نعيش فقط وإنما أن نُحسن بناء الحياة وليست قيمة الإنسان في عدد السنوات التي يقضيها على هذه الأرض بل في مقدار ما يضيفه إليها من معرفة وعمل وأثر وبين أن يعيش الإنسان يومه كما هو وأن يعيش وهو يصنع غده تتجسد حقيقة البعد التنموي للحياة فالتنمية في جوهرها ليست أرقامًا اقتصادية ولا مشاريع عمرانية ولا ارتفاعًا في معدلات الإنتاج فحسب إنها قبل ذلك وبعده مشروع لبناء الإنسان الذي يمتلك وعيًا ويحسن التفكير ويؤمن بقدرته على التغيير ويشعر بمسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه ومستقبل الأجيال القادمة ولذلك فإن أي تنمية لا تبدأ بالإنسان وتنتهي بتحسين حياته وكرامته وفرصه هي تنمية ناقصة مهما بدت إنجازاتها كبيرة.



لقد اعتاد الإنسان أن ينظر إلى التنمية باعتبارها شأنًا تتولاه الحكومات والمؤسسات غير أن هذه النظرة تختزل مفهومًا واسعًا في إطار ضيق فالتنمية تبدأ من الفرد قبل المؤسسة ومن الفكرة قبل المشروع ومن الوعي قبل القرار حين يقرر الإنسان أن يتعلم مهارة جديدة أو يتخلص من عادة تعوق تقدمه أو يطور طريقة تفكيره أو يتحمل مسؤولية عمله بإتقان فإنه يمارس التنمية في أبسط صورها وأكثرها صدقًا فالإنسان الذي لا ينمو من الداخل لا يستطيع أن يصنع نموًا حقيقيًا في الخارج. ومن هنا يأتي التعليم بوصفه أحد أعمدة التنمية الأساسية فالأمم لا تتقدم بكثرة ما تملك من موارد بقدر ما تتقدم بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قوة والعلم إلى إنتاج والفكرة إلى ابتكار التعليم الحقيقي لا يملأ العقول بالمعلومات فقط وإنما يصنع إنسانًا قادرًا على السؤال والتحليل والنقد والإبداع واتخاذ القرار ولهذا فإن الاستثمار في التعليم ليس إنفاقًا على الحاضر بل استثمار في مستقبل المجتمع بأكمله. لكن المعرفة وحدها لا تكفي فما قيمة العلم إذا لم يتحول إلى عمل؟ وما قيمة الطموح إذا لم يتحول إلى إنجاز؟ هنا يظهر العمل باعتباره فعلًا تنمويًا فالعمل المتقن لا يوفر الدخل فقط بل يبني الإنسان ويمنحه الشعور بالمسؤولية والانتماء والقدرة على التأثير وكل مهنة مهما بدت بسيطة يمكن أن تكون لبنة في بناء المجتمع عندما تؤدى بإخلاص وإتقان وابتكار إن المجتمعات لا تنهض بأفراد ينتظرون التغيير وإنما بأفراد يصنعون التغيير.



وهنا تتضح العلاقة العميقة بين التنمية والمسؤولية فحين ينظر الإنسان إلى مشكلات مجتمعه باعتبارها شأنًا يخص الآخرين تتعطل طاقات المجتمع أما حين يدرك أن له دورًا في الحل مهما كان محدودًا فإنه يتحول من متفرج إلى شريك في المحافظة على الممتلكات العامة واحترام القانون ومساعدة المحتاج وحماية البيئة والإتقان في العمل وتربية الأبناء على القيم والمشاركة الإيجابية في المجتمع كلها أعمال قد تبدو صغيرة منفردة لكنها عندما تتحول إلى ثقافة عامة تصبح قوة تنموية هائلة.


والتنمية الحقيقية كذلك لا يمكن أن تقوم على إقصاء الإنسان أو حرمانه من الفرص لذلك فإن العدالة وتكافؤ الفرص جزء أصيل من البعد التنموي للحياة فلا يمكن لمجتمع أن يحقق نهضة مستدامة بينما تُهدر طاقات فئة من أبنائه بسبب الفقر أو التهميش أو ضعف فرص التعليم والعمل وكل إنسان يمتلك طاقة يمكن أن تصبح قيمة مضافة إذا وجد البيئة التي تساعده على اكتشافها وتطويرها. ومن أخطر الأخطاء أن نختزل التنمية في الجانب المادي فالإنسان قد يمتلك المال لكنه يفتقر إلى المعنى وقد يمتلك التكنولوجيا لكنه يفتقر إلى الحكمة وقد يعيش في مدينة متطورة لكنه يشعر بالعزلة والاغتراب لذلك فإن التنمية المتوازنة هي التي تهتم بالعقل والجسد والروح والعلاقات والمجتمع والبيئة لأن الإنسان كيان متكامل ولا يمكن بناء حياة مزدهرة من خلال جانب واحد وإهمال بقية الجوانب كما أن البعد التنموي يفرض علينا مسؤولية تجاه المستقبل فنحن لا نعيش وحدنا في الزمن بل نعيش في سلسلة متصلة من الأجيال وما نستهلكه اليوم من موارد وما نلوثه من بيئة وما نزرعه من قيم وما نبنيه من مؤسسات سيترك أثره في حياة من سيأتي بعدنا ولذلك فإن التنمية المستدامة ليست ترفًا فكريًا وإنما أمانة أخلاقية تفرض علينا ألا نبني حاضرنا على حساب مستقبل أبنائنا والسؤال الأهم هنا ليس ماذا نملك؟ بل ماذا نصنع بما نملك؟ فقد يمتلك مجتمع موارد طبيعية هائلة ولا يحسن استثمارها بينما يمتلك مجتمع آخر موارد محدودة ويحقق بها إنجازات عظيمة والفارق غالبًا ليس في حجم الموارد وإنما في الإنسان الذي يديرها وفي مستوى الوعي والتخطيط والمؤسسات والثقافة التي تحكم استخدامها.



إن البعد التنموي للحياة في أعمق معانيه هو أن يتحول الإنسان من مستهلك للواقع إلى صانع له ومن أسير للظروف إلى شريك في تشكيلها ومن شخص يسأل ماذا سيقدم له المستقبل إلى إنسان يسأل ماذا سأقدم أنا للمستقبل؟ وهنا يصبح النجاح مفهومًا أوسع من الثروة والمكانة النجاح الحقيقي أن تنمو دون أن تفقد قيمك وأن تتقدم دون أن تسحق غيرك وأن تحقق طموحك دون أن تنسى مسؤوليتك وأن تترك بعد رحيلك أثرًا يدل على أنك كنت هنا وأن وجودك جعل شيئًا في حياة الآخرين أفضل. إن التنمية ليست مشروعًا له بداية ونهاية بل فلسفة حياة إنها أن يؤمن الإنسان بأن الوقوف في المكان نفسه ليس قدرًا وأن التغيير ممكن وأن كل يوم يحمل فرصة للنمو والتعلم والإصلاح والبناء ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس هل نعيش؟ فهذا أمر يحدث لنا وإنما كيف نعيش؟ وماذا نبني؟ وماذا سنترك وراءنا؟ فالحياة التي لا تضيف شيئًا قد تمر لكن الحياة التي تصنع إنسانًا أفضل ومجتمعًا أقوى وبيئة أكثر أمانًا ومستقبلًا أكثر عدلًا هي الحياة التي تستحق أن تُعاش. إن التنمية الحقيقية تبدأ حين يدرك الإنسان أن مستقبله ليس شيئًا ينتظره بل شيئًا يشارك في صناعته وأن نهضة المجتمع لا تبدأ من المباني التي نشيدها وإنما من الإنسان الذي نبنيه. موفق عبدالحليم ابودلبوح
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم