د. نوفل العميريين يكتب: زراعة مؤتة حين تتحوّل المعرفة إلى أثر والأرض إلى أفقٍ للمستقبل

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 14203
د. نوفل العميريين يكتب: زراعة مؤتة حين تتحوّل المعرفة إلى أثر والأرض إلى أفقٍ للمستقبل
الأستاذ الدكتور نوفل العميريين

الأستاذ الدكتور نوفل العميريين

ليست الزراعة مجرّد علمٍ يدرس الأرض وما تنبته، بل معرفةٌ بالحياة، وفهمٌ للموارد، وسعيٌ إلى تحقيق التوازن بين حاجات الإنسان وقدرة الطبيعة على العطاء. ومن هذا المنطلق، تتجاوز رسالة كلية الزراعة في جامعة مؤتة حدود التعليم الأكاديمي، لتغدو مسؤوليةً علمية وتنموية ترتبط بالأمن الغذائي، واستدامة الموارد، ومستقبل المجتمعات.


إن طموح زراعة مؤتة لا يقف عند تطوير البرامج الدراسية وتوسيع النشاط البحثي، بل يمتد إلى بناء نموذج أكاديمي يجعل المعرفة قابلةً للتطبيق، والبحث متصلًا بالتحديات الفعلية، والابتكار جزءًا أصيلًا من ثقافة الكلية. فالمؤسسات العلمية لا تُقاس بإمكاناتها وحدها، بل بقدرتها على توظيفها في إنتاج الحلول، وفتح الآفاق، وتحقيق أثرٍ مستدام.


وفي الأردن، حيث تفرض ندرة المياه ومحدودية الموارد تحدياتٍ متزايدة أمام الإنتاج الزراعي، تبرز أهمية أن تكون كلية الزراعة في جامعة مؤتة شريكًا فاعلًا في مواجهة هذه التحديات؛ عبر بحوث تستجيب لخصوصية البيئة المحلية، وتقنياتٍ تُحسن إدارة المياه، وبرامج أكاديمية تُعِدّ كفاءاتٍ قادرة على توظيف العلوم الحديثة في تطوير الإنتاج الزراعي وتحسين جودته.

 


وتتعمّق هذه الرسالة حين تنفتح الكلية على محيطها في الكرك والجنوب، فتغدو الجامعة شريكًا في التنمية، والمزارع شريكًا في المعرفة، وتجد نتائج الأبحاث طريقها إلى الحقول، حيث تُختبر الأفكار بقدرتها على معالجة المشكلات وتحسين الواقع. فالعلم يكتمل أثره حين يتحوّل إلى ممارسة، والبحث يبلغ غايته حين يستجيب لحاجات المجتمع.

 


غير أن صناعة المستقبل لا تبدأ بالتقنيات وحدها، بل بالإنسان الذي يطوّرها ويوظّفها. لذلك، فإن الاستثمار في الطلبة، وتمكين أعضاء هيئة التدريس، واكتشاف المواهب، وتعزيز العمل الجماعي، وتوفير بيئةٍ تشجّع المبادرة والتجريب، تمثّل ركائز أساسية لبناء كليةٍ متجددة، تستمد قوتها من كفاءة أبنائها ووضوح أولوياتها.

 


فالرؤية لا تكتمل بمجرد أداء الوظائف الأكاديمية بكفاءة، بل بإدراك أثرها، ومراجعة أدواتها، وطرح الأسئلة التي تقود إلى التطوير: ماذا نضيف إلى المعرفة؟ وماذا نقدّم لمجتمعنا؟ وأيّ مستقبل نهيّئ لطلبتنا الذين يتعلّمون في مؤتة اليوم؟
تمتلك زراعة مؤتة فرصةً لأن تجعل من خصوصية المكان منطلقًا للتميّز، ومن تحديات البيئة دافعًا للابتكار، ومن رسالتها الأكاديمية مشروعًا تنمويًا يتجاوز أسوار الجامعة. وليس المطلوب أن تستنسخ الكلية تجارب الآخرين، بل أن تبني تجربتها الخاصة، مستندةً إلى العلم، ومنفتحةً على التطور، ومرتبطةً بحاجات الأردن وأولوياته.

 


وفي المحصلة، لا تُقاس قيمة الكلية بما تخرّجه من طلبة فحسب، بل بما تنتجه من معرفة، وتطوّره من حلول، وتغرسه في طلبتها من قدرةٍ على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية.

 


تلك هي زراعة مؤتة التي نتطلع إليها: علمٌ يستنبت الحلول، وبحثٌ يصنع الفرق، وإنسانٌ يقود التغيير؛ فالأرض التي نرعاها اليوم ليست موردًا للحاضر فحسب، بل أمانةٌ في أعناقنا لمستقبل الأجيال.


عميد كلية الزراعة في جامعة مؤتة
الأستاذ الدكتور نوفل 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم