القهيوي يكتب: حين تقترب السياسة من الناس

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7881
  القهيوي يكتب: حين تقترب السياسة من الناس
د. ليث عبدالله القهيوي

د. ليث عبدالله القهيوي

لا تختبر المرحلة المقبلة من التحديث السياسي بكثرة الحضور الحزبي، ولا باكتمال التشريعات وحدها، بل بقدرة السياسة على الاقتراب من حياة المواطن اليومية. فصندوق الاقتراع يقرب المسافة شكلًا، لكنه لا يكفي. تقترب السياسة حقًا حين يصبح أثر الاختيار مرئيًا في الخدمة، وفرصة العمل، والاستثمار المحلي، ونوعية الحياة. والسؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم: هل نحن أمام انتقال يجعل السياسة أقرب إلى تفاصيل حياة الأردنيين، أم أمام توسع مؤسسي يبقى أثره بعيدًا عن يوم الناس؟
تقف الحالة الأردنية عند مفصل مهم. فقد نقل مسار التحديث السياسي الأحزاب إلى تجربة أوسع في التمثيل البرلماني، فيما جاء قانون الإدارة المحلية رقم (16) لسنة 2026 ضمن مسار يسعى إلى تعزيز البعد التنموي والاستثماري للإدارة المحلية، لا إبقائها في حدود الخدمة وحدها. وهنا يصبح الاستحقاق المحلي المقبل أكثر من دورة انتخابية جديدة؛ فهو مساحة يلتقي فيها تطور الحياة السياسية مع إدارة محلية يراد لها أن تكون أقرب إلى التنمية والاقتصاد المحلي واحتياجات المجتمعات. البرلمان يختبر قدرة السياسة على حمل تصورات وطنية، أما البلدية فتختبر قدرتها على تحويل الفكرة إلى أثر يراه الناس.
وليست الانتخابات المحلية نسخة مصغرة من الانتخابات النيابية. المقياس ليس أصغر، والوظيفة ليست أخف. فعندما تختزل البلدية في الخدمة اليومية، يسهل أن تطغى عليها العلاقة الشخصية والطلب الفردي. أما حين تتسع وظيفتها نحو التخطيط والتنمية واستثمار الأصول وبناء الشراكات، فإن طبيعة السياسة المحلية نفسها تتغير. وإذا تغيرت وظيفة البلدية، وجب أن تتغير وظيفة السياسة المحلية معها. فمن يدخل ببرنامج وطني عام، من دون معرفة بما تحتاجه إربد بصورة تختلف عما تحتاجه معان أو الطفيلة أو المفرق أو العقبة، لا يكون قد انتقل إلى المحلي؛ بل يكون قد صغّر الخطاب الوطني فقط.
وهنا يظهر اختبار الأحزاب، بعيدًا عن الأسماء والمقارنات. فمن يتحدث وطنيًا عن التشغيل والنقل والتعليم وبيئة الأعمال والتنمية، يصبح مطالبًا بأن يقدم ترجمة محلية لهذه العناوين. والسؤال ليس كم مرشحًا يستطيع الحزب تقديمه، بل هل يمتلك معرفة محلية، وبرامج واقعية، وقيادات تدرك الفرق بين إدارة الموازنة وإدارة الشعار؟ فالانتشار الحزبي لا يُقاس بعدد اللافتات في المحافظات، وإنما بقدرة العمل السياسي على فهم اختلاف الاحتياجات بينها؛ لأن البرنامج الذي يصلح للجميع قد لا يعالج خصوصية أي منها.
ويكمن أحد تحديات المرحلة في احتمال الدخول إليها بأدوات السياسة التقليدية: أن تتقدم الأسماء على البرامج، وأن تطغى العلاقات الاجتماعية على خرائط التنمية، وأن تنتقل الشعارات الوطنية الكبرى إلى استحقاق يحتاج حلولًا محلية محددة وقابلة للقياس. فالتشريع يستطيع أن يفتح الباب أمام التغيير، لكن الممارسة هي التي تحدد مقدار ما سيدخل منه إلى حياة الناس. والفارق بين تحديث النص وتحديث السلوك السياسي هو ما سيشعر به المواطن في النهاية.
وفي هذه المساحة تحديدًا يمكن أن يتغير موقع الشباب. فالإدارة المحلية ليست بوابة للمشاركة فقط، بل مختبر حقيقي للقيادة: موازنة محدودة لا تتسع لكل الوعود، وأولويات متنافسة، وقرار له كلفة، ونتيجة يستطيع المجتمع رؤيتها ومساءلة أصحابها عنها. والشاب لا يحتاج إلى مقعد داخل السياسة فقط؛ بل إلى مساحة يستطيع أن يثبت فيها ماذا يمكن أن يفعل بهذا المقعد. ومن يتعلم أن السياسة قرار تحت قيود ومسؤولية أمام الناس، لا مجرد خطاب أمام جمهور، يكتسب خبرة قيادية لا تمنحها المنصات وحدها.
ولا يكتمل هذا التحول إذا بقيت البلدية جهة خدمات تعلوها لافتة تنموية. فالاقتصاد المحلي يجب أن يصبح جزءًا من التفكير البلدي: استثمار الأصول، وتنشيط الأسواق، وبناء الشراكات، وتحسين البيئة الممكنة للمشروعات الصغيرة والريادية، وربط الفرص بميزات كل منطقة. وليس المطلوب تسييس الخدمة، بل جعل السياسة مسؤولة عن جودة التنمية. فالخدمة بلا أفق اقتصادي تُبقي المدينة مكانًا للإقامة، والتنمية المعلنة بلا أدوات تنفيذ وتمويل ومساءلة قد تبقى عنوانًا أكثر منها تحولًا.
ومن هنا يمكن طرح مفهوم يستحق أن يكون جزءًا من المرحلة المقبلة: العقد المحلي مع المواطن. ليس قائمة طويلة من الوعود، وإنما عدد محدود من الأولويات الواضحة، لكل منها مؤشر أداء وإطار زمني ومصادر تمويل ممكنة، مع نشر دوري لما تحقق، وما تعثر، ولماذا. عندها تنتقل المساءلة من سؤال: ماذا وعدتم؟ إلى سؤال أكثر نضجًا: ماذا أنجزتم مقارنة بما التزمتم به؟
ولكي يصبح هذا العقد ممكنًا، تحتاج الحياة الحزبية نفسها إلى أدوات محلية أكثر تطورًا: وحدات سياسات تفهم المحافظات وبياناتها، وبرامج ترتبط بالميزة النسبية لكل منطقة، ومسارات حقيقية لإعداد القيادات الشبابية قبل وضعها في الواجهة، وآليات معلنة لقياس الأداء. كما تحتاج الإدارة المحلية إلى علاقة أعمق مع الجامعات والقطاع الخاص والرياديين والمجتمع المدني، حتى تصبح المعرفة المحلية جزءًا من القرار، لا مجرد رأي يستدعى بعد اتخاذه.
وإذا تطورت التجربة في هذا الاتجاه، فقد تصبح الإدارة المحلية خلال السنوات المقبلة مدرسة عملية لإنتاج قيادات اختبرت أمام الناس قبل انتقالها إلى مسؤوليات وطنية أوسع. ولا يتعلق الأمر بالتنبؤ بمصير حزب أو بنتيجة انتخابية، بل بأثر التجربة نفسها. فالديمقراطية لا تحتاج إلى توسيع قاعدة المشاركة وحدها، بل إلى توسيع قاعدة الخبرة في الحكم وإدارة الشأن العام.
وهنا يصبح التحدي أكبر من الانتخابات نفسها. فنجاح التحديث السياسي لا يُقاس فقط بأحزاب أكثر حضورًا وتشريعات أكثر تطورًا، وإنما بعلاقة سياسية مختلفة: من الشخص إلى البرنامج، ومن الطلب الفردي إلى المصلحة العامة، ومن الوعد إلى المؤشر، ومن الموسم الانتخابي إلى مساءلة مستمرة.
فالسياسة لا تنتهي عند الصندوق؛ هناك تبدأ مسؤوليتها الأصعب.
وإذا لم تصل إلى المدينة، وفرصة العمل، والمشروع، والاستثمار، والقرار الذي يعرف المواطن صاحبه ويستطيع مساءلته عنه، فستظل المسافة قائمة مهما ارتفع صوت الخطاب. أما حين يرى المواطن أثر اختياره في تفاصيل حياته، وحين يجد الشاب مساحة يصنع فيها الحل لا أن يكون مجرد متلقٍ له، وحين تصبح التنمية المحلية ميدانًا للبرامج والإنجاز والمساءلة، فعندها فقط يمكن القول إن السياسة لم تعد تتحدث باسم الناس فحسب، بل اقتربت منهم فعلًا.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم