أعادت تصريحات وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، الدكتور عزمي محافظة، في برنامج :نيران صديقة" مع الإعلامي الدكتور هاني البدري، فتح النقاش حول مستقبل الثانوية العامة في الأردن، ولا سيما عدد الحقول الأكاديمية ومدة المرحلة الثانوية.
لكن جوهر القضية، في تقديري، لا يكمن في المفاضلة بين أربعة حقول وستة، أو بين عامين دراسيين وثلاثة، بل في سؤال أعمق يمس مستقبل أبنائنا: كيف نضمن أن يقود التطوير إلى تعلم أفضل، وفرص أكثر عدالة، ومسارات أوضح تساعد الطلبة على بناء مستقبلهم بثقة؟
أكتب من منطلق الحرص على مشروع تطوير التعليم، لا من باب الاعتراض على الإصلاح أو التشكيك في القائمين عليه. ولا أشكك في رغبة الوزير في إحداث تغيير إيجابي، لكن صدق النوايا، على أهميته، لا يكفي وحده للحكم على سلامة القرارات. فهناك فرق بين وجاهة الفكرة نظرياً، وجودة تصميمها، وجاهزية الميدان لتنفيذها، والنتائج التي تحققها فعلياً. ومراجعة السياسات ليست انتقاصاً من جهود أصحابها، بل مسؤولية وطنية ومهنية تفرضها آثار القرارات التعليمية في حاضر الطلبة ومستقبلهم.
إن النقاش حول عدد الحقول ينبغي ألا يقتصر على سهولة تنظيم المسارات، بل أن يتناول مدى مراعاتها للفروق الفردية، واتساقها مع التخصصات الجامعية، وقدرتها على توجيه الطلبة وفق ميولهم وقدراتهم. فالطلبة ليسوا نسخاً متشابهة، والاختيار التعليمي لا يكون واعياً ما لم يستند إلى إرشاد أكاديمي ومهني فاعل، ومعلومات واضحة عن الخيارات المتاحة والنتائج المترتبة عليها. والمعيار الحقيقي ليس عدد المسارات المعلنة، بل ما تتيحه من فرص عادلة، وما تمنحه للطالب من قدرة على التخطيط لمستقبله بثقة.
ومن هنا، تبرز أهمية العلاقة بين مسارات الثانوية العامة والقبول الجامعي. فمن غير المقبول أن يكتشف الطالب، بعد اختيار مساره، أن تخصصاً يطمح إليه لم يعد متاحاً له، أو أن خياراته باتت رهينة تعديلات لاحقة في شروط القبول. فمسؤولية الطالب عن اختياره ترتبط بمدى وضوح المعلومات والبدائل أمامه؛ أما القصور في تصميم النظام أو توضيح تبعاته، فلا يجوز أن يتحمل الطالب وحده نتائجه.
لذلك، فإن التخطيط السليم يقتضي تنسيقاً مؤسسياً مسبقاً بين التعليم المدرسي والتعليم العالي، وبالتكامل مع الجامعات، لضمان وضوح قواعد القبول والانتقال واستقرارها قدر الإمكان. وإذا كشفت التجربة الحاجة إلى تعديل بعض المسارات أو شروط الالتحاق، فينبغي دراسة أسباب ذلك وأثره في تكافؤ الفرص، بدل الاكتفاء بالدفاع عن القرارات أو الحكم عليها بصورة متسرعة.
أما السؤال عن كفاية عامين للمرحلة الثانوية أو الحاجة إلى ثلاثة أعوام، فلا ينبغي أن يُحسم بالانطباعات، بل بتشخيص المشكلة أولاً. هل تكمن في ضيق الوقت، أم كثافة المناهج، أم أساليب التدريس والتقويم، أم طبيعة الامتحانات وضغطها، أم محدودية الوقت المتاح لبناء المهارات؟
قد تتيح زيادة مدة الدراسة مجالاً أوسع للتعلم المتعمق، لكنها لا تضمن وحدها تعليماً أفضل، كما أن تقليصها لا يحقق الكفاءة تلقائياً. فإطالة المسار من دون اعادة النظر في مواؤمة المناهج وأساليب التدريس وطرق قياس مهارات التفكير قد تعني زيادة السنوات لا تحسين المخرجات.
ولهذا، ينبغي أن يسبق أي قرار تشخيص دقيق للمشكلة، ودراسة للبدائل، وتقييم لمدى جاهزية المدارس والمعلمين للتطبيق. فالوقت الإضافي لا يصنع تعلماً أفضل بمفرده؛ الأهم هو ما يحدث داخل الصف، وما يكتسبه الطالب من معرفة ومهارات.
ولا يمكن تقييم أي إصلاح بمعزل عن واقع المدارس والأسر. فالإمكانات والبنية التحتية وتوافر الكوادر تختلف بين المدارس والمحافظات، كما أن تغييرات المسارات والامتحانات ومدة الدراسة تؤثر في التخطيط الأسري والإنفاق على التعليم والاستقرار النفسي للطلبة.
ومن الإنصاف أن نقيس أثر السياسة في الطالب في العاصمة والمحافظة والقرية، وألا نفترض أن الجميع يمتلك الظروف ذاتها للتعامل مع التغيير.
إن نجاح النظام لا يُقاس بسلامة تصميمه على الورق وحدها، بل بقدرته على التطبيق العادل، وما يتطلبه ذلك من تأهيل للمعلمين، وإرشاد أكاديمي فاعل، ومعلومات واضحة تصل إلى الطلبة والأسر في الوقت المناسب. فالثقة لا تُطلب من المجتمع بالكلمات، بل تُبنى بوضوح القرارات وشفافية أسبابها والاستعداد للاستماع إلى الملاحظات وإظهار النتائج بالأدلة.
وفي هذه المرحلة، أرى أن أمامنا فرصة للانتقال من التجاذب حول القرارات إلى مراجعة وطنية مؤسسية تستثمر الخبرة المتراكمة.
وهنا تبرز أهمية مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية في دراسة التجربة ومتابعة نتائجها، والنظر في تشكيل لجنة علمية متخصصة تضم خبراء تربويين وأساتذة جامعات وممثلين عن الميدان المدرسي، تستمع إلى المعلمين ومديري المدارس والمرشدين والطلبة والأسر والجامعات، وتقيّم مدى اتساق المسارات مع متطلبات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل، وعدالة الفرص بين المدارس والمناطق، وجاهزية الميدان للتطبيق.
ولا ينبغي أن تنتهي هذه المراجعة إلى حكم عام بالنجاح أو الفشل، بل إلى تحديد ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك، والتمييز بين ما يمكن إصلاحه في التنفيذ وما يستدعي مراجعة تصميم النظام نفسه.
كما ينبغي أن تفضي إلى توصيات عملية قابلة للتطبيق والقياس، تستند إلى بيانات موثوقة ومؤشرات معلنة تقيس جودة التعلم، واكتساب المهارات، واتساق المسارات مع التخصصات الجامعية، وعدالة الفرص، وجاهزية المدارس والمعلمين، ووضوح التعليمات واستقرارها.
وأؤكد هنا أن المراجعة العلمية لا تعني التراجع عن الإصلاح أو الانتقاص من الجهد المبذول؛ بل قد تكون الخطوة التي تمنحه فرصة أقوى للنجاح. فالقيادة الناجحة لا تقتضي الدفاع عن كل تفصيل في التجربة، وإنما القدرة على البناء على ما تحقق، والإنصات إلى ما كشفه التطبيق، وتصويب ما يحتاج إلى تصويب. ويمكن للوزير أن يقود هذه المرحلة بروح منفتحة تجعل اختلاف وجهات النظر فرصة لتحسين السياسات، لا سببًا للتجاذب.
فليس كل تعديل لاحق دليلاً على الفشل، مثلما أن الاستمرار في قرار سابق ليس دليلاً على صوابه. الفيصل هو ما تكشفه النتائج، ومدى الاستعداد للتعلم منها. ومن حق المجتمع أن يعرف ما الذي نجح، وما الذي يحتاج إلى تطوير، وعلى أي أسس تُبنى القرارات التي تمس مستقبل أبنائه.
في النتيجة ، لا يُقاس نجاح إصلاح الثانوية العامة بعدد حقولها أو سنواتها، بل بما يحققه من تعلم حقيقي، وعدالة في الفرص، ووضوح في المسارات، واتساق بين المدرسة والجامعة وسوق العمل، وثقة لدى الطلبة والأسر.
وأنا أؤمن بأن الإصلاح الذي يستحق الثقة ليس ما نصرّ على إثبات صوابه منذ البداية، ولا ما نتخلى عنه عند أول تحدٍّ، بل ما نمتلك الشجاعة المؤسسية لقياس نتائجه ومراجعة مساره وتصويب اختلالاته.
فغاية التطوير ليست تغيير نظام الثانوية العامة في حد ذاته، بل بناء تعليم أردني أجود نوعيةً، وأكثر عدالةً، وأقدر على إعداد أبنائه للمستقبل.
وهذا لا يتحقق بالدفاع عن القرارات لمجرد صدورها، ولا برفضها لمجرد الاختلاف معها، بل بإخضاعها للدليل، ووضع مصلحة الطالب فوق كل اعتبار.
لكن جوهر القضية، في تقديري، لا يكمن في المفاضلة بين أربعة حقول وستة، أو بين عامين دراسيين وثلاثة، بل في سؤال أعمق يمس مستقبل أبنائنا: كيف نضمن أن يقود التطوير إلى تعلم أفضل، وفرص أكثر عدالة، ومسارات أوضح تساعد الطلبة على بناء مستقبلهم بثقة؟
أكتب من منطلق الحرص على مشروع تطوير التعليم، لا من باب الاعتراض على الإصلاح أو التشكيك في القائمين عليه. ولا أشكك في رغبة الوزير في إحداث تغيير إيجابي، لكن صدق النوايا، على أهميته، لا يكفي وحده للحكم على سلامة القرارات. فهناك فرق بين وجاهة الفكرة نظرياً، وجودة تصميمها، وجاهزية الميدان لتنفيذها، والنتائج التي تحققها فعلياً. ومراجعة السياسات ليست انتقاصاً من جهود أصحابها، بل مسؤولية وطنية ومهنية تفرضها آثار القرارات التعليمية في حاضر الطلبة ومستقبلهم.
إن النقاش حول عدد الحقول ينبغي ألا يقتصر على سهولة تنظيم المسارات، بل أن يتناول مدى مراعاتها للفروق الفردية، واتساقها مع التخصصات الجامعية، وقدرتها على توجيه الطلبة وفق ميولهم وقدراتهم. فالطلبة ليسوا نسخاً متشابهة، والاختيار التعليمي لا يكون واعياً ما لم يستند إلى إرشاد أكاديمي ومهني فاعل، ومعلومات واضحة عن الخيارات المتاحة والنتائج المترتبة عليها. والمعيار الحقيقي ليس عدد المسارات المعلنة، بل ما تتيحه من فرص عادلة، وما تمنحه للطالب من قدرة على التخطيط لمستقبله بثقة.
ومن هنا، تبرز أهمية العلاقة بين مسارات الثانوية العامة والقبول الجامعي. فمن غير المقبول أن يكتشف الطالب، بعد اختيار مساره، أن تخصصاً يطمح إليه لم يعد متاحاً له، أو أن خياراته باتت رهينة تعديلات لاحقة في شروط القبول. فمسؤولية الطالب عن اختياره ترتبط بمدى وضوح المعلومات والبدائل أمامه؛ أما القصور في تصميم النظام أو توضيح تبعاته، فلا يجوز أن يتحمل الطالب وحده نتائجه.
لذلك، فإن التخطيط السليم يقتضي تنسيقاً مؤسسياً مسبقاً بين التعليم المدرسي والتعليم العالي، وبالتكامل مع الجامعات، لضمان وضوح قواعد القبول والانتقال واستقرارها قدر الإمكان. وإذا كشفت التجربة الحاجة إلى تعديل بعض المسارات أو شروط الالتحاق، فينبغي دراسة أسباب ذلك وأثره في تكافؤ الفرص، بدل الاكتفاء بالدفاع عن القرارات أو الحكم عليها بصورة متسرعة.
أما السؤال عن كفاية عامين للمرحلة الثانوية أو الحاجة إلى ثلاثة أعوام، فلا ينبغي أن يُحسم بالانطباعات، بل بتشخيص المشكلة أولاً. هل تكمن في ضيق الوقت، أم كثافة المناهج، أم أساليب التدريس والتقويم، أم طبيعة الامتحانات وضغطها، أم محدودية الوقت المتاح لبناء المهارات؟
قد تتيح زيادة مدة الدراسة مجالاً أوسع للتعلم المتعمق، لكنها لا تضمن وحدها تعليماً أفضل، كما أن تقليصها لا يحقق الكفاءة تلقائياً. فإطالة المسار من دون اعادة النظر في مواؤمة المناهج وأساليب التدريس وطرق قياس مهارات التفكير قد تعني زيادة السنوات لا تحسين المخرجات.
ولهذا، ينبغي أن يسبق أي قرار تشخيص دقيق للمشكلة، ودراسة للبدائل، وتقييم لمدى جاهزية المدارس والمعلمين للتطبيق. فالوقت الإضافي لا يصنع تعلماً أفضل بمفرده؛ الأهم هو ما يحدث داخل الصف، وما يكتسبه الطالب من معرفة ومهارات.
ولا يمكن تقييم أي إصلاح بمعزل عن واقع المدارس والأسر. فالإمكانات والبنية التحتية وتوافر الكوادر تختلف بين المدارس والمحافظات، كما أن تغييرات المسارات والامتحانات ومدة الدراسة تؤثر في التخطيط الأسري والإنفاق على التعليم والاستقرار النفسي للطلبة.
ومن الإنصاف أن نقيس أثر السياسة في الطالب في العاصمة والمحافظة والقرية، وألا نفترض أن الجميع يمتلك الظروف ذاتها للتعامل مع التغيير.
إن نجاح النظام لا يُقاس بسلامة تصميمه على الورق وحدها، بل بقدرته على التطبيق العادل، وما يتطلبه ذلك من تأهيل للمعلمين، وإرشاد أكاديمي فاعل، ومعلومات واضحة تصل إلى الطلبة والأسر في الوقت المناسب. فالثقة لا تُطلب من المجتمع بالكلمات، بل تُبنى بوضوح القرارات وشفافية أسبابها والاستعداد للاستماع إلى الملاحظات وإظهار النتائج بالأدلة.
وفي هذه المرحلة، أرى أن أمامنا فرصة للانتقال من التجاذب حول القرارات إلى مراجعة وطنية مؤسسية تستثمر الخبرة المتراكمة.
وهنا تبرز أهمية مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية في دراسة التجربة ومتابعة نتائجها، والنظر في تشكيل لجنة علمية متخصصة تضم خبراء تربويين وأساتذة جامعات وممثلين عن الميدان المدرسي، تستمع إلى المعلمين ومديري المدارس والمرشدين والطلبة والأسر والجامعات، وتقيّم مدى اتساق المسارات مع متطلبات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل، وعدالة الفرص بين المدارس والمناطق، وجاهزية الميدان للتطبيق.
ولا ينبغي أن تنتهي هذه المراجعة إلى حكم عام بالنجاح أو الفشل، بل إلى تحديد ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك، والتمييز بين ما يمكن إصلاحه في التنفيذ وما يستدعي مراجعة تصميم النظام نفسه.
كما ينبغي أن تفضي إلى توصيات عملية قابلة للتطبيق والقياس، تستند إلى بيانات موثوقة ومؤشرات معلنة تقيس جودة التعلم، واكتساب المهارات، واتساق المسارات مع التخصصات الجامعية، وعدالة الفرص، وجاهزية المدارس والمعلمين، ووضوح التعليمات واستقرارها.
وأؤكد هنا أن المراجعة العلمية لا تعني التراجع عن الإصلاح أو الانتقاص من الجهد المبذول؛ بل قد تكون الخطوة التي تمنحه فرصة أقوى للنجاح. فالقيادة الناجحة لا تقتضي الدفاع عن كل تفصيل في التجربة، وإنما القدرة على البناء على ما تحقق، والإنصات إلى ما كشفه التطبيق، وتصويب ما يحتاج إلى تصويب. ويمكن للوزير أن يقود هذه المرحلة بروح منفتحة تجعل اختلاف وجهات النظر فرصة لتحسين السياسات، لا سببًا للتجاذب.
فليس كل تعديل لاحق دليلاً على الفشل، مثلما أن الاستمرار في قرار سابق ليس دليلاً على صوابه. الفيصل هو ما تكشفه النتائج، ومدى الاستعداد للتعلم منها. ومن حق المجتمع أن يعرف ما الذي نجح، وما الذي يحتاج إلى تطوير، وعلى أي أسس تُبنى القرارات التي تمس مستقبل أبنائه.
في النتيجة ، لا يُقاس نجاح إصلاح الثانوية العامة بعدد حقولها أو سنواتها، بل بما يحققه من تعلم حقيقي، وعدالة في الفرص، ووضوح في المسارات، واتساق بين المدرسة والجامعة وسوق العمل، وثقة لدى الطلبة والأسر.
وأنا أؤمن بأن الإصلاح الذي يستحق الثقة ليس ما نصرّ على إثبات صوابه منذ البداية، ولا ما نتخلى عنه عند أول تحدٍّ، بل ما نمتلك الشجاعة المؤسسية لقياس نتائجه ومراجعة مساره وتصويب اختلالاته.
فغاية التطوير ليست تغيير نظام الثانوية العامة في حد ذاته، بل بناء تعليم أردني أجود نوعيةً، وأكثر عدالةً، وأقدر على إعداد أبنائه للمستقبل.
وهذا لا يتحقق بالدفاع عن القرارات لمجرد صدورها، ولا برفضها لمجرد الاختلاف معها، بل بإخضاعها للدليل، ووضع مصلحة الطالب فوق كل اعتبار.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات