الثقة هي المساحة التي تمنح الإنسان شعوراً بالأمان، وعندما يشارك شخص صورة أو تسجيلاً أو مقطعاً خاصاً مع من يثق به، فإنه لا يمنح بالضرورة حق نشره أو إظهاره للآخرين. لكن خروج هذا المحتوى من نطاقه الخاص قد يقلب المعادلة كاملة؛ فما أُرسل في لحظة ثقة يمكن أن يتحول إلى وسيلة للتشهير أو الإساءة أو الضغط أو تحقيق منفعة، ويصبح المحتوى الذي كان جزءاً من خصوصية صاحبه مصدراً لأذى يتجاوز لحظة النشر نفسها.
ومع اتساع حضور الوسائل الإلكترونية في حياتنا، أصبحت الخصوصية أكثر عرضة للانتقال من نطاقها المحدود إلى فضاء واسع لا يمكن التحكم في مساره بسهولة. فالصورة أو التسجيل أو الفيديو بمجرد تداوله يمكن أن يُنسخ ويُحفظ ويُعاد إرساله، وقد يصل إلى أشخاص لم يكن صاحب المحتوى يتوقع وصوله إليهم. وهنا تتجاوز المسألة حدود العلاقة بين الأفراد، لتصبح أمام سلوك يمكن أن يرتب القانون عليه مسؤولية جزائية متى توافرت شروطه.
وفي هذا الإطار جاءت المادة (20) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 لتضع حماية قانونية للخصوصية في مواجهة هذا النوع من الاستخدام، فجرّمت استخدام الوسائل الإلكترونية في نشر الصور أو التسجيلات أو الفيديوهات التي يحرص الشخص على صونها وعدم إظهارها للعامة، متى كان النشر بقصد التشهير أو الإساءة أو الحصول على منفعة، حتى لو كان من قام بالنشر قد حصل على هذه المواد بصورة مشروعة.
وهنا تظهر قاعدة مهمة في فهم النص: الحصول على المحتوى بصورة مشروعة لا يعني امتلاك الحق في نشره. فقد تصل صورة إلى شخص برضا صاحبها، أو يُشارك معه تسجيل في إطار خاص، لكن انتقالها إلى حوزته لا يمنحه تلقائياً حق إخراجها من نطاقها ونشرها أمام الآخرين. فالعبرة في هذه الحالة لا تقف عند كيفية الحصول على المحتوى، وإنما تمتد إلى فعل النشر والغاية منه ومدى توافر الشروط التي حددها القانون.
ولم يتوقف المشرع عند النشر، وإنما واجه صورة أكثر خطورة عندما يتم تركيب أو تعديل أو معالجة الصورة أو التسجيل أو المشهد أو الفيديو، مما يحرص الشخص على عدم إظهاره للعامة، إذا كان ذلك بقصد التشهير أو الإساءة أو الحصول على منفعة. وهنا ينتقل الاعتداء من مجرد إخراج محتوى خاص إلى العلن إلى التدخل فيه وتغيير صورته أو مضمونه لتحقيق غرض يضر بصاحبه، وهو ما يفسر تشديد العقوبة في هذه الصورة.
والفرق بين الصورتين مهم لفهم المادة؛ ففي الحالة الأولى يكون الاعتداء من خلال نشر المحتوى الخاص بقصد التشهير أو الإساءة أو الحصول على منفعة، بينما تتخذ الصورة الثانية بعداً أكثر خطورة عندما يتدخل الفاعل في المحتوى نفسه بالتركيب أو التعديل أو المعالجة لتحقيق الغاية ذاتها. ولذلك لم يساوِ المشرع بين الصورتين بل رتب على الثانية عقوبة أشد.
أما من حيث العقوبة، فقد قرر المشرع في الفقرة (أ) الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وغرامة لا تقل عن (20000) عشرين ألف دينار ولا تزيد على (40000) أربعين ألف دينار، وتكون الملاحقة بناءً على الشكوى. أما الفقرة (ب) من ذات المادة فقد شدد المشرع العقوبة عندما يتعلق الفعل بالتركيب أو التعديل أو المعالجة لتصبح الحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن (25000) خمسة وعشرين ألف دينار ولا تزيد على (50000) خمسين ألف دينار.
وهنا ينبغي أن يدرك المستخدم أن التعامل مع صور الآخرين وتسجيلاتهم ومقاطعهم لا يتوقف عند سؤال: هل وصلتني بطريقة مشروعة؟ وإنما يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل أملك حق نشرها؟ فالثقة التي سمحت بوصول المحتوى لا تعني بالضرورة السماح بإخراجه إلى العامة، وإعادة إرساله إلى الآخرين لا تمحو المسؤولية متى توافرت شروط الجريمة.
كما أن خطورة هذا النوع من الأفعال لا تقاس بعدد الأشخاص الذين شاهدوا المحتوى فقط، وإنما بما قد يتركه من أثر على صاحبه؛ فالمحتوى الخاص عندما يصبح متداولاً قد يسبب ضرراً اجتماعياً أو معنوياً يصعب احتواؤه، وقد تستمر آثاره حتى بعد حذف المنشور الأصلي، بسبب النسخ وإعادة الإرسال والحفظ.
وفي النهاية تحمي المادة (20) مساحة أساسية في حياة الإنسان: حقه في أن يقرر ما يخرج من نطاقه الخاص وما يبقى داخله. والتكنولوجيا التي جعلت مشاركة الصور والتسجيلات أمراً سهلاً، جعلت في الوقت نفسه مسؤولية احترام خصوصية الآخرين أكثر أهمية. فقبل أن تعيد نشر صورة أو تسجيلاً أو مقطعاً، لا يكفي أن تسأل عن قدرتك على نشره؛ بل اسأل عن حق صاحبه في أن يبقى بعيداً عن أعين العامة. فاحترام الخصوصية لا يبدأ من القانون وحده، بل يبدأ من احترام الثقة التي وُضعت بين يديك.
ومع اتساع حضور الوسائل الإلكترونية في حياتنا، أصبحت الخصوصية أكثر عرضة للانتقال من نطاقها المحدود إلى فضاء واسع لا يمكن التحكم في مساره بسهولة. فالصورة أو التسجيل أو الفيديو بمجرد تداوله يمكن أن يُنسخ ويُحفظ ويُعاد إرساله، وقد يصل إلى أشخاص لم يكن صاحب المحتوى يتوقع وصوله إليهم. وهنا تتجاوز المسألة حدود العلاقة بين الأفراد، لتصبح أمام سلوك يمكن أن يرتب القانون عليه مسؤولية جزائية متى توافرت شروطه.
وفي هذا الإطار جاءت المادة (20) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 لتضع حماية قانونية للخصوصية في مواجهة هذا النوع من الاستخدام، فجرّمت استخدام الوسائل الإلكترونية في نشر الصور أو التسجيلات أو الفيديوهات التي يحرص الشخص على صونها وعدم إظهارها للعامة، متى كان النشر بقصد التشهير أو الإساءة أو الحصول على منفعة، حتى لو كان من قام بالنشر قد حصل على هذه المواد بصورة مشروعة.
وهنا تظهر قاعدة مهمة في فهم النص: الحصول على المحتوى بصورة مشروعة لا يعني امتلاك الحق في نشره. فقد تصل صورة إلى شخص برضا صاحبها، أو يُشارك معه تسجيل في إطار خاص، لكن انتقالها إلى حوزته لا يمنحه تلقائياً حق إخراجها من نطاقها ونشرها أمام الآخرين. فالعبرة في هذه الحالة لا تقف عند كيفية الحصول على المحتوى، وإنما تمتد إلى فعل النشر والغاية منه ومدى توافر الشروط التي حددها القانون.
ولم يتوقف المشرع عند النشر، وإنما واجه صورة أكثر خطورة عندما يتم تركيب أو تعديل أو معالجة الصورة أو التسجيل أو المشهد أو الفيديو، مما يحرص الشخص على عدم إظهاره للعامة، إذا كان ذلك بقصد التشهير أو الإساءة أو الحصول على منفعة. وهنا ينتقل الاعتداء من مجرد إخراج محتوى خاص إلى العلن إلى التدخل فيه وتغيير صورته أو مضمونه لتحقيق غرض يضر بصاحبه، وهو ما يفسر تشديد العقوبة في هذه الصورة.
والفرق بين الصورتين مهم لفهم المادة؛ ففي الحالة الأولى يكون الاعتداء من خلال نشر المحتوى الخاص بقصد التشهير أو الإساءة أو الحصول على منفعة، بينما تتخذ الصورة الثانية بعداً أكثر خطورة عندما يتدخل الفاعل في المحتوى نفسه بالتركيب أو التعديل أو المعالجة لتحقيق الغاية ذاتها. ولذلك لم يساوِ المشرع بين الصورتين بل رتب على الثانية عقوبة أشد.
أما من حيث العقوبة، فقد قرر المشرع في الفقرة (أ) الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وغرامة لا تقل عن (20000) عشرين ألف دينار ولا تزيد على (40000) أربعين ألف دينار، وتكون الملاحقة بناءً على الشكوى. أما الفقرة (ب) من ذات المادة فقد شدد المشرع العقوبة عندما يتعلق الفعل بالتركيب أو التعديل أو المعالجة لتصبح الحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن (25000) خمسة وعشرين ألف دينار ولا تزيد على (50000) خمسين ألف دينار.
وهنا ينبغي أن يدرك المستخدم أن التعامل مع صور الآخرين وتسجيلاتهم ومقاطعهم لا يتوقف عند سؤال: هل وصلتني بطريقة مشروعة؟ وإنما يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل أملك حق نشرها؟ فالثقة التي سمحت بوصول المحتوى لا تعني بالضرورة السماح بإخراجه إلى العامة، وإعادة إرساله إلى الآخرين لا تمحو المسؤولية متى توافرت شروط الجريمة.
كما أن خطورة هذا النوع من الأفعال لا تقاس بعدد الأشخاص الذين شاهدوا المحتوى فقط، وإنما بما قد يتركه من أثر على صاحبه؛ فالمحتوى الخاص عندما يصبح متداولاً قد يسبب ضرراً اجتماعياً أو معنوياً يصعب احتواؤه، وقد تستمر آثاره حتى بعد حذف المنشور الأصلي، بسبب النسخ وإعادة الإرسال والحفظ.
وفي النهاية تحمي المادة (20) مساحة أساسية في حياة الإنسان: حقه في أن يقرر ما يخرج من نطاقه الخاص وما يبقى داخله. والتكنولوجيا التي جعلت مشاركة الصور والتسجيلات أمراً سهلاً، جعلت في الوقت نفسه مسؤولية احترام خصوصية الآخرين أكثر أهمية. فقبل أن تعيد نشر صورة أو تسجيلاً أو مقطعاً، لا يكفي أن تسأل عن قدرتك على نشره؛ بل اسأل عن حق صاحبه في أن يبقى بعيداً عن أعين العامة. فاحترام الخصوصية لا يبدأ من القانون وحده، بل يبدأ من احترام الثقة التي وُضعت بين يديك.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات