المحامي الخطاطبة يكتب: العزاءُ ومُدَّتُه هو موضوعٌ فقهيّ دعهُ لأهلهِ

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 16112
المحامي الخطاطبة يكتب: العزاءُ ومُدَّتُه هو موضوعٌ فقهيّ دعهُ لأهلهِ
فضيلة المحامي الشرعي الشيخ حمزة الخطاطبة

فضيلة المحامي الشرعي الشيخ حمزة الخطاطبة

بسمِ اللهِ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ محمد بن عبدالله وعلى آلهِ وصحبهِ ومن والاه وبعد :

إن الناظرَ بعينِ البصيرة الفقهيّة والوعي المجتمعيّ يدركُ تماماً أن ميزان الأحكام لا يُبنى على ردود الأفعال العاطفية أو الدعوات الارتجالية، بل يستند إلى قواعد الشريعة الغراء ومقاصدها العامة في التراحم والمواساة، ومن هنا فإن ما يتردد اليوم من دعوات لاختصار مدة العزاء إلى يوم واحد أو ساعات الدفن فقط بدعوى التيسير ورفع المشقة، يقتضي وقفة علمية متأنية تزن الأمور بميزان الفقه الصحيح وترد الفروع إلى أصولها.

فإذا أتينا إلى مدةِ العزاء وتحديدها بثلاثة أيام، فليس الأمر عُرفاً اجتماعياً مجرداً من الدليل أو مسلكاً لا أصل له في السنّة كما يظن البعض، بل هو حكم فقهي مستقر استنبطهُ جمهور فقهاء الأمة من الحنفية والشافعية والحنابلة، استناداً إلى الهدي النبوي الثابت في الصحيحين؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً». وقد قرر شُرّاح الحديث وأئمة الفقه أن جعل مدة الحداد لغير الزوج ثلاثة أيام دليلٌ صريح على اعتبار هذه المدة ظرفاً زمنياً معقولاً تسكن فيه لوعة الفراق، وتهدأ فيه فورة الحزن، وتنجبر به القلوب الكسيرة، ولذلك صرح الفقهاء بأن التعزية مشروعة في الأيام الثلاثة وتُكره بعدها لعدم تجديد الأحزان، فالثلاثة أيام إنما شُرعت لتفريغ الحزن ومواساة المصابين، وإتاحة الفرصة للقريب والغريب والمسافر لأداء واجب الأخوة وتأدية حق المسلم على أخيه، فلا يسوغ لأحد أن يتجاوز هذا الاستنباط الفقهي الراسخ بدعوى انعدام السند السُّنّيّ.

وأما عن المرجعية الشرعية والفتيا، فإن الأصل أن يُرد هذا الأمر إلى أهله وسدنته، ودائرة الإفتاء العام في المملكة هي الجهة الرسمية المُخوّلة شرعاً وقانوناً بحسم هذه المسائل وقطع النزاع فيها، حيث بيّنت الفتاوى الصادرة عنها مشروعية التعزية لثلاثة أيام بما يحقق مقصد الشريعة في التعاضد وشد الأزر، دون إفراط أو تفريط.

وبناءً على ما سبقَ ذكره فإن المبادرات التي تدعو لاقتطاع مدة العزاء دون الرجوع للمرجعيات المعتمدة تُعد اجتهاداً في غير محلهِ، إذ المشقة الحاصلة اليوم في بيوت العزاء لم تنشأ أصلاً من امتداد الأيام الثلاثة، وإنما نشأت من البدع الدخيلة والعادات المستحدثة التي أثقلت كاهل الناس وأرهقت أهل المصاب.

فالواجب أن تتوجه الهمم والمبادرات إلى استئصال المنكرات لا إلى تقليص الشعيرة المشروعة، فالمخالفة البيّنة تقع حين يُلزم أهل الميت بصنع الطعام للمعزّين وذبح الذبائح والتكلُّف بالضيافة، في الوقت الذي صدع فيه التوجيه النبوي الشريف حين استُشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قائلاً: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم»، فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإنكار هذه التكاليف الباهظة والولائم المحدثة، وتجريد العزاء من التباهي والخيام الفارهة، والرجوع إلى السنة بصنع الطعام لأهل الميت والدعاء لفقيدهم والانصراف دون إحراج، وحينها ستزول المشقة تماماً ويبقى أصل المواساة محفوظاً كما أراده الشارع.

وأما بخصوص التناقض العجيب في معايير المجتمع، فمن المؤسف حقاً أن نرى حرصاً متزايداً على تقليص ثلاثة أيام تُذكر فيها الدار الآخرة، وتُرفع فيها الدعوات للمتوفى، بحجة ضيق الوقت ومشقة الإنفاق، بينما يُسكت تماماً عن الأفراح المبالغ فيها التي أرهقت كاهل المواطن حقيقةً، سواء كان مُهنِّياً يُثقله عبء "النقوط" والمجاملات، أو مُهنَّى يُغرق نفسه بالديون، إن الأولى بالنقدِ الحازم أن يكونَ لتلك السهرات الطويلة التي تمتد لأيام وليالٍ، ويصاحبها الغناء الصاخب، وإطلاق العيارات النارية المرعب، وشرب الخمور والمسكرات في بعض المواطن، فضلاً عن ولائم الأعراس المفرطة التي يُلقى نصفها في حاويات القمامة، واللهُ يُحذِّرنا قائلاً : {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، وهذا لا يعنى أننا ننسفُ بذلكَ سنة الوليمة عند الزواج وإنما ننادي بها دون إسرافٍ أو تبذير.

إن المحافظة على سنة التعزية لثلاثة أيام خالية من المخالفات الشرعيّة والتكلُّف هي التعبير الأمثل عن التوازن بين التوجيه الديني والحاجة الإنسانية، إذ لا يُعقل أن نختصر من شرائع الدين وسننه لمعالجة أخطاء اجتماعية، بل الأولى والأحق أن نقف بحزم في وجه مظاهر البذخ والانحلال في مواسم الأفراح، وأن نبقي بيوت العزاء منابر مواساة وتذكير وتراحم وفق ما سنّهُ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ملتزمين بفتاوى علمائنا ومؤسساتنا الفقهية المعتمدة.
والحمد لله رب العالمين.
كتبهُ المحامي الشرعي حمزة أمين الخطاطبة

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم