عمر الدريني يكتب: قبل أن نحاسب المدرسة .. ماذا فعلنا في البيت؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 12861
عمر الدريني يكتب: قبل أن نحاسب المدرسة ..  ماذا فعلنا في البيت؟
عمر الدريني

عمر الدريني

عندما يقع حادث عنف في مدرسة، تتجه الأنظار سريعًا إلى الإدارة والمعلم، وهذا طبيعي؛ لأن المدرسة مسؤولة عن سلامة الطلبة وتوفير بيئة تعليمية آمنة، لكن وسط الغضب والأسئلة، يغيب أحيانًا سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا حدث قبل أن يصل الطالب إلى بوابة المدرسة؟ التربية لا تبدأ عند الطابور الصباحي، ولا تنتهي عند انتهاء الحصة، فالطالب يصل إلى المدرسة وهو يحمل قاموسًا كاملًا من السلوكيات التي تعلمها في البيت والشارع ومحيطه الاجتماعي والعالم الرقمي. إذا تعلم أن القوة تعني فرض الرأي، فقد يحمل هذه الفكرة معه، وإذا تعلم أن الاعتذار ضعف، فقد يصعب عليه الاعتراف بخطئه، وإذا اعتاد أن يسمع من أسرته تبريرًا لكل تصرف يصدر عنه، فقد يرى في أي مساءلة مدرسية اعتداءً عليه. وهنا يصبح دور الأسرة أساسيًا لا يمكن تأجيله. ليس مطلوبًا من الوالدين أن يقفا ضد أبنائهما، بل أن يقفا معهم بطريقة صحيحة. والوقوف مع الابن لا يعني تبرير خطئه؛ فأحيانًا يكون أعظم دعم يمكن أن تقدمه الأسرة لابنها هو أن تقول له: «أنت أخطأت، وسنساعدك على إصلاح الخطأ». هذه الجملة لا تهدم ثقة الطفل بنفسه، بل تبني داخله شيئًا أهم: المسؤولية. كما ينبغي للأسرة أن تتابع الدوام المدرسي، والغياب، والتأخر، والعلاقات الاجتماعية، والتغيرات السلوكية. فالطالب الذي يبدأ بالغياب دون سبب، أو يتكرر تأخره، أو يتغير سلوكه فجأة، قد يكون بحاجة إلى اهتمام قبل أن يكون بحاجة إلى عقوبة. والطالب الذي يتعرض لمشكلة قد لا يملك دائمًا القدرة على التعبير عنها، ولهذا تحتاج الأسرة إلى أن تكون حاضرة قبل أن تصبح المشكلة خبرًا. ومن المهم أيضًا أن تدرك الأسرة أن التربية لا تعني السيطرة الكاملة على الابن، بل تعني بناء ضمير داخلي يستطيع أن يعمل حتى في غياب الأب والأم. فالهدف ليس أن يتصرف الطالب جيدًا لأن أحدًا يراقبه، وإنما أن يعرف الصواب عندما لا يراقبه أحد. وهذه المرحلة هي الاختبار الحقيقي للتربية الأسرية؛ فالمدرسة تستطيع وضع القواعد، لكنها لا تستطيع أن تكون مع الطالب في كل لحظة من حياته. كما أن التربية الأسرية لا تقتصر على الأوامر والنواهي. الطفل يتعلم من طريقة حديث والديه مع بعضهما، ومن كيفية تعاملهما مع الجيران، ومن موقفهما عندما يخطئان، ومن الطريقة التي يتعاملان بها مع العامل والمعلم والطبيب والموظف. فإذا كان يسمع في البيت لغة تقوم على الإهانة والتهديد، ثم نطلب منه في المدرسة أن يحل خلافاته بالحوار، فإننا نضعه أمام تناقض يصعب عليه فهمه. ومن الخطأ أن ننتظر حتى يقع العنف ثم نسأل أين كانت الأسرة وأين كانت المدرسة. الوقاية تبدأ من التفاصيل الصغيرة، من سؤال عن يوم الطالب، ومن معرفة من يرافقه، ومن ملاحظة التغيرات التي قد تبدو عابرة. وفي المقابل، فإن المدرسة مطالبة بألا تتعامل مع الطالب باعتباره ملفًا إداريًا فقط؛ فخلف كل سلوك قصة، وقد يكون الطالب الذي يثير المشكلات بحاجة إلى احتواء بقدر حاجته إلى الانضباط. لكن الاحتواء لا يعني التساهل، كما أن الحزم لا يعني العنف. التربية الناجحة تجمع بين الرحمة والحدود، وبين الاستماع والمساءلة، وبين فهم الأسباب وعدم تبرير الخطأ. وإذا تعاون البيت والمدرسة، أصبح بالإمكان معالجة السلوك في بدايته بدل انتظار اللحظة التي يتحول فيها إلى حادثة. نحن بحاجة إلى جيل يعرف أن له حقوقًا، لكنه يعرف أيضًا أن عليه واجبات؛ يعرف أن كرامته مصونة، لكنه يدرك أن كرامة الآخرين مصونة كذلك. ولهذا فإن مكافحة العنف المدرسي ليست مهمة المدير وحده، ولا المعلم وحده، ولا المرشد وحده. إنها مسؤولية تبدأ من البيت، وتستمر في المدرسة، وتتعزز في المجتمع. وقبل أن نسأل: «لماذا لم تمنع المدرسة المشكلة؟» علينا أن نسأل أيضًا: «هل علمنا أبناءنا كيف يمنعونها عن أنفسهم وعن غيرهم؟»
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم