سرايا - يعيش قطاع الثروة الحيوانية في الأردن حالة من التوتر والقلق، تتصاعد معها الأسئلة حول مستقبل هذا القطاع الحيوي الذي يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني، فبين شكوى المربين من ارتفاع تكاليف الإنتاج، ووعود الحكومة بتقديم الدعم، يجد المواطن نفسه في مواجهة أسعار لحوم تجاوزت 12 ديناراً للكيلوغرام الواحد.
الأعلاف والأسعار
وفي السياق، يرى الخبير في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة، وخاصة الشعير والنخالة، يعد السبب الرئيسي وراء معاناة مربي الثروة الحيوانية.
وأضاف الزعبي إن قلة الأمطار وتراجع المراعي الطبيعية خلال السنوات الأربع الماضية دفعت المربين إلى الاعتماد بشكل شبه كامل على الأعلاف المستوردة ذات التكلفة المرتفعة، مبينا أن الحكومة تؤكد أنها توزع الأعلاف المدعومة عبر 50 موقعاً في مختلف مناطق المملكة، بنصيب يبلغ 20 كيلوغراماً سنوياً لرأس الغنم، فيما يشكو المربون من أن هذه الكميات غير كافية، وأنهم يضطرون للشراء من السوق المفتوحة بأسعار تفوق قدرتهم الشرائية.
وأشار إلى أن مؤسسة الإقراض الزراعي قدمت قروضاً بقيمة 7.7 مليون دينار استفاد منها 2276 مزارعاً لشراء الأعلاف، كما يجري العمل على مشروع "المجترات الصغيرة" بدعم دولي يهدف إلى تحسين سلالات الثروة الحيوانية ودعم الأسر الريفية، غير أن هذه الجهود تصطدم بواقع أن الأردن لا يغطي سوى 45 % من احتياجاته من اللحوم محلياً، فيما يستورد الباقي من أكثر من 21 دولة.
وتشير تقارير إلى تسرب الشعير المدعوم إلى غير الغايات المخصصة له، مما يفاقم الشعور بعدم عدالة التوزيع.
وقال الزعبي إن الأزمة لا تقتصر على المربين، بل تمتد لتطال المستهلك الذي وجد نفسه أمام أسعار قياسية، إذ تجاوز الكيلوغرام من الخراف البلدية 13 ديناراً، ومن11 - 12 ديناراً للعجول البلدية، مبينا أن بعض كبار المربين يفضلون التصدير لدول الجوار بحثاً عن العملة الصعبة، ما يقلل المعروض المحلي ويرفع الأسعار.
وزاد أن الأزمة ليست مجرد "نقص دعم" أو "ارتفاع تكلفة" كسببين منفصلين، بل هي مزيج معقد من الاثنين معاً، إذ إن تكلفة الإنتاج ترتفع بشكل جنوني، وآليات الدعم لا تصل إلى مستحقيها بالشكل المطلوب.
وتابع الزعبي إنه بقدر ما يحتاج المربي إلى دعم فوري، فإن القطاع يحتاج إلى رؤية إستراتيجية حقيقية تعالج جذور المشكلة، من تحسين المراعي وإدارة الموارد المائية، إلى تطوير سلاسل الإنتاج والتسويق، وضبط الاستيراد والتصدير بما يحمي السوق المحلي، موضحا أن الأمن الغذائي لا يُبنى بالتصريحات، بل بقرارات جريئة توقف النزيف قبل أن ينهار القطاع بالكامل.
مطلوب سياسة متكاملة
من جهته، يرى رئيس جمعية مربي المواشي زعل الكواليت أن تجاوز الأزمة يتطلب سياسة زراعية متكاملة تشمل دعم المربين والمراعي واللقاحات البيطرية، وليس فقط دعماً موسمياً للأعلاف، مؤكدا أن تحقيق الاكتفاء الذاتي يحتاج إلى وقت وتدرج، ومطالبا بتأجيل أقساط القروض وإعفائهم المربين من الفوائد.
فيما بين وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن الأزمة هي أزمة تكلفة وربحية في الأساس، يخففها الدعم القائم لكنه لا يعالج أسبابها كاملة، مبينا أن القول بأن القطاع بلا دعم غير صحيح، والقول إنه بوجود الدعم يعني أن المربي يجب أن يكون رابحًا غير صحيح أيضًا، والأدق أن نتحدث عن أزمات مختلفة للأغنام والأبقار والدواجن، لا أزمة واحدة بوصفة واحدة.
وأضاف المصري أن الدعم موجود، لكنه ليس متساويًا بين القطاعات، ومثال على ذلك أنه "في قرار كانون الأول (ديسمبر) 2025، كان سعر الشعير المدعوم لمربي الأغنام المسجلين يبلغ 175 دينارًا للطن الواحد، مقابل 245 دينارًا لبقية الفئات المحددة بالقرار؛ وللنخالة 77 دينارًا للأغنام تحديدا مقابل 157 دينارًا للفئات الأخرى، وهذه الأسعار تخص ذلك القرار، وليست تأكيدًا لتسعيرة اليوم، وهي تثبت وجود معاملة تفضيلية واضحة للأغنام، لكنها لا تثبت كفاية الدعم ولا مقدار صافي تكلفته على الخزينة.
وتساءل: كم يخفض الدعم تكلفة إنتاج كيلو اللحم أو الحليب، ولمن يصل، وهل تبقى للمربي ربحية بعده؟
وبين أن سعر طن الشعير وحده لا يكشف حقيقة الأزمة، إذ إن المربي يدفع ثمن العليقة الكاملة، والمياه والنقل والعمالة والعلاج والطاقة والتمويل، ويتحمل خسائر النفوق وضعف التناسل، وقد يبقى سعر الشعير المدعوم ثابتًا، بينما ترتفع فاتورته الإجمالية لأن الرعي الطبيعي أصبح أقل، فيضطر إلى شراء كميات أكبر من الغذاء.
وتابع: "والعكس صحيح، حيث أفاد مربون في الأغوار الشمالية في نيسان (إبريل) 2026 بأن تحسن المراعي خفّض اعتمادهم على الأعلاف المركزة وتكلفة شرائها، وعليه فإن كمية العلف المشترى مسألة أساسية بقدر سعره، والظروف تختلف بين المناطق والمواسم.
وقال المصري إن هناك فرق بين غلاء المدخلات وضعف الإنتاجية، اقتصاديًا، إذ قد يشتري مربيان العلف بالسعر نفسه، لكن تختلف كلفة إنتاجهما كثيرًا بسبب كمية الحليب، وعدد المواليد، وسرعة النمو، والنفوق، وإدارة التغذية.
تحديد المسؤولية
وزاد المصري: "هنا ينبغي الإقرار بأن زيادة الدعم وحدها لا تصلح لتحسين الإنتاجية، وبأنه ليس عدلًا تحميل المربي وحده مسؤولية ضعفها، خصوصا إذا كانت الخدمات البيطرية والإرشاد والتمويل المناسب غير متاحة له"، مبينا أن تحديد المسؤولية يحتاج قياسًا فعليًا على مستوى المزرعة، لا اتهامًا عامًا للمربين أو تبرئة عامة للسياسات.
وأضاف بأن الربحية تتحدد أيضًا بسعر البيع ومن يملك القوة في السوق، إذ ربما تكون المزرعة جيدة الإدارة، ومع ذلك تتضرر إذا انخفض سعر شراء إنتاجها أو تعذر تسويقه، خصوصًا الحليب الذي لا يحتمل الانتظار طويلًا، وبالتالي، فإن ارتفاع سعر اللحم أو الألبان على المستهلك لا يثبت أن المربي يحقق أرباحًا مرتفعة.
ورأى أن المطلوب معرفة توزيع السعر بين المزرعة والتجميع والنقل والتصنيع والتجزئة، كما أن اتهام الوسطاء بالاستحواذ على الأرباح يحتاج بيانات عن الكلف والهوامش؛ لأن فرق السعر وحده ليس دليلًا كافيًا.
وأوضح أن حماية المستهلك لا يجوز أن تُموَّل من خسارة المنتج، لأنه إذا طُلب من المربي المحافظة على سعر منخفض بينما ترتفع كلفته، فلا بد من آلية تعوض الفجوة أو تخفض التكلفة، وإلا يصبح استمرار عمله قائمًا على الاستدانة أو استنزاف أصوله.
وتابع: "وفي المقابل، فإن تقييد الاستيراد بلا حساب قد يرفع فاتورة الغذاء على المواطنين، والمطلوب سياسة استيراد وتصدير مستقرة ومعلنة، تراعي مواسم الإنتاج المحلي وحاجة السوق، وتسمح للمنتج بالتخطيط بدل مواجهة تغييرات مفاجئة."
وقال المصري إنه لا يصح الجزم بحجم الخسائر دون حسابات منشورة، مبينا أن المصادر التي راجعها تثبت وجود الدعم وشكاوى التكلفة والتسويق، لكنها لا تكفي لتحديد نسبة المزارع الخاسرة أو مبلغ الدعم الإضافي اللازم لكل قطاع، ولحسم المسألة نحتاج إلى نشر ثلاثة أرقام بصورة دورية، بحسب نوع التربية وحجم الحيازة، وتكلفة وحدة الإنتاج بعد الدعم، مع احتساب العمل والاستهلاك والتمويل، كما نحتاج معرفة سعر البيع الفعلي عند باب المزرعة، وصافي العائد للمربي.
ودعا إلى الحفاظ على قاعدة إنتاج حيواني محلية مجدية، مؤكدا أن عدد الرؤوس وحده ليس مقياسا للنجاح، بل ينبغي أن يجمع الدعم بين حماية صغار المربين من الصدمات، وتحسين التغذية والصحة والإنتاجية والتسويق، وإذا كان جزء من الإنفاق هدفه حماية معيشة الأسر في البادية والريف، فهذا هدف مشروع يستحق أن يُعلن ويُقاس بوضوح.
ورأى أن الدعم موجود؛ لكن كفايته وعدالة توزيعه تحتاجان إثباتًا؛ والمشكلة الأعمق هي قدرة المربي على تحويل تكلفته إلى إنتاج يُباع بعائد مجزٍ، إذ إن زيادة الدعم قد تكون ضرورية في حالات محددة، لكنها ليست بديلًا عن إصلاح اقتصاد التربية نفسه.
ضغوطات الأسواق
بدوره، قال المدير التنفيذي لمنصة دمج الأكاديميا بالصناعة، الدكتور خالد خريسات إن الثروة الحيوانية في المملكة تشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي القومي، ومصدر دخل مباشر لآلاف العائلات في البادية والمحافظات، غير أن هذا القطاع الحيوي يعيش منذ سنوات تحديات جعلت تتلخص في تضخم تكاليف الإنتاج المتزايدة جراء الظروف العالمية والمناخية، وأزمة النقص في الدعم والتخطيط الحكومي الموجه.
وأضاف خريسات إن أزمة التكلفة تتضح في ضغوطات الأسواق العلمية والمناخ المحلي المحيط؛ حيث يعتمد الأردن بنسبة تتجاوز 85 % - 90 % على استيراد الأعلاف المركزية كالصويا والذرة، التي تجعل المربي المحلي عرضة لتقلبات سلاسل الإمداد العالمية والارتفاعات المتتالية في الأسعار.
وتابع: "يضاف إلى ذلك أثر التغير المناخي وشح المياه وسنوات الجفاف، والتي تتسبب في تراجع المساحات الرعوية الطبيعية وفرض الاعتماد الكلي على الأعلاف الجافة بدلاً من الرعي الحر، وتكتمل هذه الحلقة بإجهاد كلف المحروقات والنقل والرعاية البيطرية واللقاحات، وهو ما يجعل هامش الربح لدى المزارع الصغير شبه معدوم."
وزاد: "على الجانب الآخر، تبرز إشكالية الدعم والسياسات الرسمية كعامل لا يقل أهمية عن ارتفاع التكاليف؛ حيث يرى العديد من المربين أن الدعم المخصص لمادتَي الشعير والنخالة لا يزال محدوداً بالسقوف والكميات المقررة لكل حيازة ولا يغطي الاحتياج الفعلي للقطاع، كما يواجه المنتج المحلي منافسة شديدة مع فتح باب استيراد اللحوم والماشية بأسعار منخفضة، يرافقها استيراد مئات الآلاف من رؤوس المواشي سنوياً المخصصة للذبح لتغطية النقص المحلي."
ورأى أن الإشكالية تزداد تعقيداً مع صعوبة حصول صغار المربين على تمويلات ميسرة وشروط إقراضية مرنة تساعدهم على التعافي من خسائر المواسم الجافة، وهذا يوضح أن الأزمة ليست ناتجة عن عامل واحد بل عن عدة عوامل بين الضغوط المالية العالمية والمحلية من جهة، ومحدودية أدوات حماية المنتج والمربي من جهة أخرى.
نموذج فريد
وبالنظر إلى هذا الواقع على الخريطة الإقليمية، أشار خريسات إلى أن الأردن يظهر بنموذج فريد يتجاوز تحديات الموارد؛ فرغم ضيق المساحات الرعوية وشح المياه مقارنة بدول كالعراق والسودان، يتجاوز حجم قطيع الأغنام والماعز في الأردن 3.95 ملايين رأس وفقاً للبيانات الإحصائية الرسمية، ويبرز الأردن كمركز إقليمي محوري لتجارة وتصدير الأغنام الحية العالية القيمة، حيث يصدر مئات الآلاف من الخراف البلدية سنوياً من سلالة "العواسي" المطلوبة بشدة في أسواق الخليج العربي.
وقال إن الأردن حقق نجاحاً لافتاً في منظومات التربية المغلقة والمتحكم بها بيئياً، مسجلاً مستويات اكتفاء ذاتي كاملة بنسبة 100 % في الحليب الطازج، وفائضاً إنتاجياً بنسبة 108.1 % في بيض المائدة الموجه للاستهلاك والتصدير، إلى جانب تغطية نحو 83.1 % من احتياجات السوق المحلي من لحوم الدواجن، بينما تظهر الفجوة بوضوح في قطاع اللحوم الحمراء حيث لا تتجاوز نسبة الاكتفاء الذاتي 35.9 %.
وقال خريسات إنه بالنظر إلى التجارب المحيطة، شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجارب إقليمية بارزة نجحت في الالتفاف على عقبات شح المياه وارتفاع كُلف الأعلاف وتقلبات المناخ، مقدمةً نماذج عمل ناجحة يمكن الاستفادة منها، حيث نجحت السعودية بالاعتماد على الأعلاف التقليدية كثيفة الاستهلاك للمياه مقابل استخدام تقنيات الأعلاف المسنبتة بالزراعة المائية (Hydroponics) لتوفير أكثر من 90 % من المياه، وتأسيس مراكز بيطرية وإرشادية متنقلة لصغار المربين.
وتابع: "أما في الإمارات، فتم التركيز على حلول الاستزراع بالماء المالح عبر زراعة النباتات الرعوية المقاومة للجفاف باستخدام مياه الصرف المعالجة، إلى جانب إعادة تدوير المخلفات الزراعية والصناعية كمخلفات التمور لإنتاج خلطات علفية منخفضة التكلفة، أما في مصر، فبرزت نتائج الاستثمار في التحسين الوراثي والتلقيح الاصطناعي لرفع كفاءة التحويل العلفي، بالتوازي مع الترقيم الرقمي الشامل للماشية لمنع تسرب الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه."
وفي المقابل محليا، أكد خريسات أن وزارة الزراعة بذلت جهوداً متواصلة تركزت في خمسة محاور رئيسية؛ حيث عمدت إلى تطبيق حملات ترقيم إلكتروني شاملة للمواشي باستعمال الشرائح الذكية لحصر الأعداد الفعلية والقضاء على "الحيازات الوهمية"، ما أسهم في ضبط توزيع الأعلاف المدعومة، وللحد من أزمة الأعلاف وشح المياه، كما اتجهت الحكومة نحو زراعة الأعلاف البديلة والمتحملة للملوحة والجفاف في البادية اعتماداً على مياه الصرف الصحي المعالجة من محطات التنقية كمحطة السمرا.
وتابع: "كما خصصت الحكومة محافَظ إقراضية بفوائد صفرية عبر صندوق الإقراض الزراعي لتمكين المربين من إدخال وحدات استزراع الشعير المستنبت، بالتوازي مع تفعيل الروزنامة الزراعية لحماية المنتج المحلي وتقييد الاستيراد أثناء مواسم الذروة، فضلاً عن توسيع حملات التحصين البيطرية وبناء الحفائر والسدود الترابية في البادية لسقاية المواشي."
وبين خريسات أنه ولاستكمال هذه الجهود وتطويرها استناداً إلى التجارب الإقليمية الناجحة، تبرز الحاجة إلى خطة تنفيذية أردنية متكاملة تحول الدروس إلى إجراءات ملموسة؛ تبدأ بمحور البدائل العلفية والموارد المائية عبر توسيع زراعة النباتات الملحية والمتحملة للجفاف، وتطوير صناعة تحويلية تعتمد على تدوير المخلفات الزراعية كجفت الزيتون وقشور المحاصيل إلى كبسولات علفية.
وقال إن ذلك يتكامل مع حوكمة آليات الدعم عبر الاستكمال الكامل للترقيع الإلكتروني الشامل للمواشي للتحول نحو الدعم المباشر للمربي الفعلي بحسب الإنتاجية الموثقة، إلى جانب الاستثمار في الكفاءة الإنتاجية والتحسين الوراثي لسلالة العواسي لرفع مردودها من اللحوم والحليب، مع دعم صغار المربين بنافذة تمويلية ميسرة وتنظيم استيراد اللحوم بدقة لحماية السلع الوطنية وضمان استدامتها.
الغد
الأعلاف والأسعار
وفي السياق، يرى الخبير في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة، وخاصة الشعير والنخالة، يعد السبب الرئيسي وراء معاناة مربي الثروة الحيوانية.
وأضاف الزعبي إن قلة الأمطار وتراجع المراعي الطبيعية خلال السنوات الأربع الماضية دفعت المربين إلى الاعتماد بشكل شبه كامل على الأعلاف المستوردة ذات التكلفة المرتفعة، مبينا أن الحكومة تؤكد أنها توزع الأعلاف المدعومة عبر 50 موقعاً في مختلف مناطق المملكة، بنصيب يبلغ 20 كيلوغراماً سنوياً لرأس الغنم، فيما يشكو المربون من أن هذه الكميات غير كافية، وأنهم يضطرون للشراء من السوق المفتوحة بأسعار تفوق قدرتهم الشرائية.
وأشار إلى أن مؤسسة الإقراض الزراعي قدمت قروضاً بقيمة 7.7 مليون دينار استفاد منها 2276 مزارعاً لشراء الأعلاف، كما يجري العمل على مشروع "المجترات الصغيرة" بدعم دولي يهدف إلى تحسين سلالات الثروة الحيوانية ودعم الأسر الريفية، غير أن هذه الجهود تصطدم بواقع أن الأردن لا يغطي سوى 45 % من احتياجاته من اللحوم محلياً، فيما يستورد الباقي من أكثر من 21 دولة.
وتشير تقارير إلى تسرب الشعير المدعوم إلى غير الغايات المخصصة له، مما يفاقم الشعور بعدم عدالة التوزيع.
وقال الزعبي إن الأزمة لا تقتصر على المربين، بل تمتد لتطال المستهلك الذي وجد نفسه أمام أسعار قياسية، إذ تجاوز الكيلوغرام من الخراف البلدية 13 ديناراً، ومن11 - 12 ديناراً للعجول البلدية، مبينا أن بعض كبار المربين يفضلون التصدير لدول الجوار بحثاً عن العملة الصعبة، ما يقلل المعروض المحلي ويرفع الأسعار.
وزاد أن الأزمة ليست مجرد "نقص دعم" أو "ارتفاع تكلفة" كسببين منفصلين، بل هي مزيج معقد من الاثنين معاً، إذ إن تكلفة الإنتاج ترتفع بشكل جنوني، وآليات الدعم لا تصل إلى مستحقيها بالشكل المطلوب.
وتابع الزعبي إنه بقدر ما يحتاج المربي إلى دعم فوري، فإن القطاع يحتاج إلى رؤية إستراتيجية حقيقية تعالج جذور المشكلة، من تحسين المراعي وإدارة الموارد المائية، إلى تطوير سلاسل الإنتاج والتسويق، وضبط الاستيراد والتصدير بما يحمي السوق المحلي، موضحا أن الأمن الغذائي لا يُبنى بالتصريحات، بل بقرارات جريئة توقف النزيف قبل أن ينهار القطاع بالكامل.
مطلوب سياسة متكاملة
من جهته، يرى رئيس جمعية مربي المواشي زعل الكواليت أن تجاوز الأزمة يتطلب سياسة زراعية متكاملة تشمل دعم المربين والمراعي واللقاحات البيطرية، وليس فقط دعماً موسمياً للأعلاف، مؤكدا أن تحقيق الاكتفاء الذاتي يحتاج إلى وقت وتدرج، ومطالبا بتأجيل أقساط القروض وإعفائهم المربين من الفوائد.
فيما بين وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن الأزمة هي أزمة تكلفة وربحية في الأساس، يخففها الدعم القائم لكنه لا يعالج أسبابها كاملة، مبينا أن القول بأن القطاع بلا دعم غير صحيح، والقول إنه بوجود الدعم يعني أن المربي يجب أن يكون رابحًا غير صحيح أيضًا، والأدق أن نتحدث عن أزمات مختلفة للأغنام والأبقار والدواجن، لا أزمة واحدة بوصفة واحدة.
وأضاف المصري أن الدعم موجود، لكنه ليس متساويًا بين القطاعات، ومثال على ذلك أنه "في قرار كانون الأول (ديسمبر) 2025، كان سعر الشعير المدعوم لمربي الأغنام المسجلين يبلغ 175 دينارًا للطن الواحد، مقابل 245 دينارًا لبقية الفئات المحددة بالقرار؛ وللنخالة 77 دينارًا للأغنام تحديدا مقابل 157 دينارًا للفئات الأخرى، وهذه الأسعار تخص ذلك القرار، وليست تأكيدًا لتسعيرة اليوم، وهي تثبت وجود معاملة تفضيلية واضحة للأغنام، لكنها لا تثبت كفاية الدعم ولا مقدار صافي تكلفته على الخزينة.
وتساءل: كم يخفض الدعم تكلفة إنتاج كيلو اللحم أو الحليب، ولمن يصل، وهل تبقى للمربي ربحية بعده؟
وبين أن سعر طن الشعير وحده لا يكشف حقيقة الأزمة، إذ إن المربي يدفع ثمن العليقة الكاملة، والمياه والنقل والعمالة والعلاج والطاقة والتمويل، ويتحمل خسائر النفوق وضعف التناسل، وقد يبقى سعر الشعير المدعوم ثابتًا، بينما ترتفع فاتورته الإجمالية لأن الرعي الطبيعي أصبح أقل، فيضطر إلى شراء كميات أكبر من الغذاء.
وتابع: "والعكس صحيح، حيث أفاد مربون في الأغوار الشمالية في نيسان (إبريل) 2026 بأن تحسن المراعي خفّض اعتمادهم على الأعلاف المركزة وتكلفة شرائها، وعليه فإن كمية العلف المشترى مسألة أساسية بقدر سعره، والظروف تختلف بين المناطق والمواسم.
وقال المصري إن هناك فرق بين غلاء المدخلات وضعف الإنتاجية، اقتصاديًا، إذ قد يشتري مربيان العلف بالسعر نفسه، لكن تختلف كلفة إنتاجهما كثيرًا بسبب كمية الحليب، وعدد المواليد، وسرعة النمو، والنفوق، وإدارة التغذية.
تحديد المسؤولية
وزاد المصري: "هنا ينبغي الإقرار بأن زيادة الدعم وحدها لا تصلح لتحسين الإنتاجية، وبأنه ليس عدلًا تحميل المربي وحده مسؤولية ضعفها، خصوصا إذا كانت الخدمات البيطرية والإرشاد والتمويل المناسب غير متاحة له"، مبينا أن تحديد المسؤولية يحتاج قياسًا فعليًا على مستوى المزرعة، لا اتهامًا عامًا للمربين أو تبرئة عامة للسياسات.
وأضاف بأن الربحية تتحدد أيضًا بسعر البيع ومن يملك القوة في السوق، إذ ربما تكون المزرعة جيدة الإدارة، ومع ذلك تتضرر إذا انخفض سعر شراء إنتاجها أو تعذر تسويقه، خصوصًا الحليب الذي لا يحتمل الانتظار طويلًا، وبالتالي، فإن ارتفاع سعر اللحم أو الألبان على المستهلك لا يثبت أن المربي يحقق أرباحًا مرتفعة.
ورأى أن المطلوب معرفة توزيع السعر بين المزرعة والتجميع والنقل والتصنيع والتجزئة، كما أن اتهام الوسطاء بالاستحواذ على الأرباح يحتاج بيانات عن الكلف والهوامش؛ لأن فرق السعر وحده ليس دليلًا كافيًا.
وأوضح أن حماية المستهلك لا يجوز أن تُموَّل من خسارة المنتج، لأنه إذا طُلب من المربي المحافظة على سعر منخفض بينما ترتفع كلفته، فلا بد من آلية تعوض الفجوة أو تخفض التكلفة، وإلا يصبح استمرار عمله قائمًا على الاستدانة أو استنزاف أصوله.
وتابع: "وفي المقابل، فإن تقييد الاستيراد بلا حساب قد يرفع فاتورة الغذاء على المواطنين، والمطلوب سياسة استيراد وتصدير مستقرة ومعلنة، تراعي مواسم الإنتاج المحلي وحاجة السوق، وتسمح للمنتج بالتخطيط بدل مواجهة تغييرات مفاجئة."
وقال المصري إنه لا يصح الجزم بحجم الخسائر دون حسابات منشورة، مبينا أن المصادر التي راجعها تثبت وجود الدعم وشكاوى التكلفة والتسويق، لكنها لا تكفي لتحديد نسبة المزارع الخاسرة أو مبلغ الدعم الإضافي اللازم لكل قطاع، ولحسم المسألة نحتاج إلى نشر ثلاثة أرقام بصورة دورية، بحسب نوع التربية وحجم الحيازة، وتكلفة وحدة الإنتاج بعد الدعم، مع احتساب العمل والاستهلاك والتمويل، كما نحتاج معرفة سعر البيع الفعلي عند باب المزرعة، وصافي العائد للمربي.
ودعا إلى الحفاظ على قاعدة إنتاج حيواني محلية مجدية، مؤكدا أن عدد الرؤوس وحده ليس مقياسا للنجاح، بل ينبغي أن يجمع الدعم بين حماية صغار المربين من الصدمات، وتحسين التغذية والصحة والإنتاجية والتسويق، وإذا كان جزء من الإنفاق هدفه حماية معيشة الأسر في البادية والريف، فهذا هدف مشروع يستحق أن يُعلن ويُقاس بوضوح.
ورأى أن الدعم موجود؛ لكن كفايته وعدالة توزيعه تحتاجان إثباتًا؛ والمشكلة الأعمق هي قدرة المربي على تحويل تكلفته إلى إنتاج يُباع بعائد مجزٍ، إذ إن زيادة الدعم قد تكون ضرورية في حالات محددة، لكنها ليست بديلًا عن إصلاح اقتصاد التربية نفسه.
ضغوطات الأسواق
بدوره، قال المدير التنفيذي لمنصة دمج الأكاديميا بالصناعة، الدكتور خالد خريسات إن الثروة الحيوانية في المملكة تشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي القومي، ومصدر دخل مباشر لآلاف العائلات في البادية والمحافظات، غير أن هذا القطاع الحيوي يعيش منذ سنوات تحديات جعلت تتلخص في تضخم تكاليف الإنتاج المتزايدة جراء الظروف العالمية والمناخية، وأزمة النقص في الدعم والتخطيط الحكومي الموجه.
وأضاف خريسات إن أزمة التكلفة تتضح في ضغوطات الأسواق العلمية والمناخ المحلي المحيط؛ حيث يعتمد الأردن بنسبة تتجاوز 85 % - 90 % على استيراد الأعلاف المركزية كالصويا والذرة، التي تجعل المربي المحلي عرضة لتقلبات سلاسل الإمداد العالمية والارتفاعات المتتالية في الأسعار.
وتابع: "يضاف إلى ذلك أثر التغير المناخي وشح المياه وسنوات الجفاف، والتي تتسبب في تراجع المساحات الرعوية الطبيعية وفرض الاعتماد الكلي على الأعلاف الجافة بدلاً من الرعي الحر، وتكتمل هذه الحلقة بإجهاد كلف المحروقات والنقل والرعاية البيطرية واللقاحات، وهو ما يجعل هامش الربح لدى المزارع الصغير شبه معدوم."
وزاد: "على الجانب الآخر، تبرز إشكالية الدعم والسياسات الرسمية كعامل لا يقل أهمية عن ارتفاع التكاليف؛ حيث يرى العديد من المربين أن الدعم المخصص لمادتَي الشعير والنخالة لا يزال محدوداً بالسقوف والكميات المقررة لكل حيازة ولا يغطي الاحتياج الفعلي للقطاع، كما يواجه المنتج المحلي منافسة شديدة مع فتح باب استيراد اللحوم والماشية بأسعار منخفضة، يرافقها استيراد مئات الآلاف من رؤوس المواشي سنوياً المخصصة للذبح لتغطية النقص المحلي."
ورأى أن الإشكالية تزداد تعقيداً مع صعوبة حصول صغار المربين على تمويلات ميسرة وشروط إقراضية مرنة تساعدهم على التعافي من خسائر المواسم الجافة، وهذا يوضح أن الأزمة ليست ناتجة عن عامل واحد بل عن عدة عوامل بين الضغوط المالية العالمية والمحلية من جهة، ومحدودية أدوات حماية المنتج والمربي من جهة أخرى.
نموذج فريد
وبالنظر إلى هذا الواقع على الخريطة الإقليمية، أشار خريسات إلى أن الأردن يظهر بنموذج فريد يتجاوز تحديات الموارد؛ فرغم ضيق المساحات الرعوية وشح المياه مقارنة بدول كالعراق والسودان، يتجاوز حجم قطيع الأغنام والماعز في الأردن 3.95 ملايين رأس وفقاً للبيانات الإحصائية الرسمية، ويبرز الأردن كمركز إقليمي محوري لتجارة وتصدير الأغنام الحية العالية القيمة، حيث يصدر مئات الآلاف من الخراف البلدية سنوياً من سلالة "العواسي" المطلوبة بشدة في أسواق الخليج العربي.
وقال إن الأردن حقق نجاحاً لافتاً في منظومات التربية المغلقة والمتحكم بها بيئياً، مسجلاً مستويات اكتفاء ذاتي كاملة بنسبة 100 % في الحليب الطازج، وفائضاً إنتاجياً بنسبة 108.1 % في بيض المائدة الموجه للاستهلاك والتصدير، إلى جانب تغطية نحو 83.1 % من احتياجات السوق المحلي من لحوم الدواجن، بينما تظهر الفجوة بوضوح في قطاع اللحوم الحمراء حيث لا تتجاوز نسبة الاكتفاء الذاتي 35.9 %.
وقال خريسات إنه بالنظر إلى التجارب المحيطة، شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجارب إقليمية بارزة نجحت في الالتفاف على عقبات شح المياه وارتفاع كُلف الأعلاف وتقلبات المناخ، مقدمةً نماذج عمل ناجحة يمكن الاستفادة منها، حيث نجحت السعودية بالاعتماد على الأعلاف التقليدية كثيفة الاستهلاك للمياه مقابل استخدام تقنيات الأعلاف المسنبتة بالزراعة المائية (Hydroponics) لتوفير أكثر من 90 % من المياه، وتأسيس مراكز بيطرية وإرشادية متنقلة لصغار المربين.
وتابع: "أما في الإمارات، فتم التركيز على حلول الاستزراع بالماء المالح عبر زراعة النباتات الرعوية المقاومة للجفاف باستخدام مياه الصرف المعالجة، إلى جانب إعادة تدوير المخلفات الزراعية والصناعية كمخلفات التمور لإنتاج خلطات علفية منخفضة التكلفة، أما في مصر، فبرزت نتائج الاستثمار في التحسين الوراثي والتلقيح الاصطناعي لرفع كفاءة التحويل العلفي، بالتوازي مع الترقيم الرقمي الشامل للماشية لمنع تسرب الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه."
وفي المقابل محليا، أكد خريسات أن وزارة الزراعة بذلت جهوداً متواصلة تركزت في خمسة محاور رئيسية؛ حيث عمدت إلى تطبيق حملات ترقيم إلكتروني شاملة للمواشي باستعمال الشرائح الذكية لحصر الأعداد الفعلية والقضاء على "الحيازات الوهمية"، ما أسهم في ضبط توزيع الأعلاف المدعومة، وللحد من أزمة الأعلاف وشح المياه، كما اتجهت الحكومة نحو زراعة الأعلاف البديلة والمتحملة للملوحة والجفاف في البادية اعتماداً على مياه الصرف الصحي المعالجة من محطات التنقية كمحطة السمرا.
وتابع: "كما خصصت الحكومة محافَظ إقراضية بفوائد صفرية عبر صندوق الإقراض الزراعي لتمكين المربين من إدخال وحدات استزراع الشعير المستنبت، بالتوازي مع تفعيل الروزنامة الزراعية لحماية المنتج المحلي وتقييد الاستيراد أثناء مواسم الذروة، فضلاً عن توسيع حملات التحصين البيطرية وبناء الحفائر والسدود الترابية في البادية لسقاية المواشي."
وبين خريسات أنه ولاستكمال هذه الجهود وتطويرها استناداً إلى التجارب الإقليمية الناجحة، تبرز الحاجة إلى خطة تنفيذية أردنية متكاملة تحول الدروس إلى إجراءات ملموسة؛ تبدأ بمحور البدائل العلفية والموارد المائية عبر توسيع زراعة النباتات الملحية والمتحملة للجفاف، وتطوير صناعة تحويلية تعتمد على تدوير المخلفات الزراعية كجفت الزيتون وقشور المحاصيل إلى كبسولات علفية.
وقال إن ذلك يتكامل مع حوكمة آليات الدعم عبر الاستكمال الكامل للترقيع الإلكتروني الشامل للمواشي للتحول نحو الدعم المباشر للمربي الفعلي بحسب الإنتاجية الموثقة، إلى جانب الاستثمار في الكفاءة الإنتاجية والتحسين الوراثي لسلالة العواسي لرفع مردودها من اللحوم والحليب، مع دعم صغار المربين بنافذة تمويلية ميسرة وتنظيم استيراد اللحوم بدقة لحماية السلع الوطنية وضمان استدامتها.
الغد
إقرأ ايضاَ
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات