واشتعل الرأس شيبًا من أجل هذه اللحظة... لحظة يصل فيها أبناؤنا إلى أبواب الجامعة، بعد سنوات طويلة من الدراسة والتعب والإنفاق والانتظار. لكنها ليست لحظة أسرية عابرة؛ إنها لحظة تختبر فيها الأسرة والدولة معًا معنى التعليم، ومعنى العدالة، ومعنى أن يكون الاجتهاد طريقًا حقيقيًا إلى المستقبل.
فالتعليم في الأردن لم يكن يومًا مجرد مرحلة دراسية، بل كان بالنسبة إلى الأسرة الأردنية أحد أهم رهاناتها على المستقبل. تنفق الأسرة ما تستطيع، وتقتطع من احتياجاتها، وتتحمل أعباءً تفوق قدرتها أحيانًا، لأنها تؤمن أن تعليم أبنائها هو أفضل استثمار يمكن أن تقدمه لهم. ولذلك فإن أي خلل في منظومة التعليم لا ينبغي النظر إليه بوصفه خللًا إداريًا فقط؛ فهو يمس الحراك الاجتماعي وثقة المواطن بالدولة ومستقبل جيل كامل.
ولا يمكن، في الوقت نفسه، إنكار ما حققه الأردن في التعليم. فقد استطاعت الدولة خلال عقود أن تبني شبكة واسعة من المدارس والجامعات، وأن تخرج أجيالًا من الكفاءات التي أسهمت في بناء الأردن والمنطقة والعالم. لكن الاعتزاز بالمنجز لا يعني أن نتوقف عن المراجعة؛ فما نجح في مرحلة تاريخية قد يحتاج إلى إعادة تصميم عندما تتغير احتياجات المجتمع وسوق العمل والتكنولوجيا.
ومن هنا يبدأ السؤال عن العدالة في القبول الجامعي.
قد يكون النظام قائمًا على قواعد واضحة، لكن العدالة لا تقاس فقط بمدى الالتزام بالقاعدة، وإنما أيضًا بنتائجها. فتعدد المسارات والاستثناءات والبرامج قد تكون له مبررات اجتماعية وتنموية حقيقية، خصوصًا عندما يكون الهدف معالجة تفاوت تاريخي بين المناطق والفئات، لكن المطلوب هو التأكد من أن هذه الأدوات تؤدي إلى تصحيح الفجوة لا إلى تكريسها.
فإذا كنا نستخدم مصطلح «الأقل حظًا» لوصف بعض المناطق، فينبغي أن يكون هدف السياسة العامة أن تتوقف هذه المناطق عن كونها أقل حظًا، لا أن نبقى ندير نقص الفرص فيها عامًا بعد عام.
والتمييز الإيجابي الأكثر نجاحًا هو الذي يعمل على رفع جودة التعليم في المناطق الأقل حظًا: معلمون أكثر تأهيلًا، مختبرات أفضل، تعليم رقمي فعّال، برامج إثرائية، إرشاد مهني مبكر، ودعم مستمر للطلبة المتفوقين، بحيث تصبح المنافسة العادلة هي الأصل، ويصبح الاستثناء مرحلة انتقالية لا قدرًا دائمًا.
أما نظام الحقول، فمن المهم أن يكون النقاش حوله دقيقًا. ففكرة إتاحة مسارات أكثر ملاءمة لميول الطلبة ليست في ذاتها مشكلة، بل قد تكون خطوة نحو تعليم أكثر مرونة. المشكلة التي تستحق الدراسة هي: هل حافظ النظام، في جميع مساراته، على الحد الأدنى الكافي من المعارف والمهارات المشتركة التي يحتاجها الطالب مهما كان تخصصه المستقبلي؟
فهناك فرق بين أن نسمح للطالب بالتخصص في المجال الذي يميل إليه، وبين أن نغلق أمامه مبكرًا أبواب المعرفة التي قد يحتاجها لاحقًا.
الرياضيات، والعلوم، واللغة، والقراءة، والتفكير النقدي، والمهارات الرقمية، ليست ملكًا لتخصص دون آخر؛ إنها أدوات أساسية لبناء الإنسان. ومن هنا فإن المطلوب ليس إلغاء الحقول، وإنما تقييمها علميًا وبالأدلة بعد تطبيقها، وقياس أثرها على مستويات الطلبة، وعلى خياراتهم الجامعية، وعلى قدرتهم على الانتقال بين التخصصات، وعلى نتائجهم في الاختبارات الوطنية والدولية.
ولماذا لا يكون هناك مؤشر وطني لمخرجات كل مسار يوضح لنا بعد عدة سنوات: هل رفع النظام جودة التعلم؟ هل وسّع الخيارات؟ هل قلل الفاقد التعليمي؟ هل ساعد الطلبة فعلًا على اختيار التخصص المناسب؟
فنحن لا ينبغي أن نحكم على أي إصلاح تعليمي من اسمه، وإنما من نتائجه.
أما الاختبارات الدولية، ومنها PISA، فلا ينبغي التعامل معها كمسابقة لترتيب الدول فقط. قيمتها الحقيقية أنها تكشف لنا جوانب في القراءة والرياضيات والعلوم وحل المشكلات. وإذا شهدت النتائج تحسنًا في بعض المؤشرات، فهذا أمر إيجابي، لكنه لا يعفينا من السؤال الأهم: هل يمتلك الطالب الأردني أساسًا معرفيًا صلبًا يسمح له بالتعلم طوال حياته؟
فالجامعة الحديثة لا يمكن أن تبنى على أساس مدرسي هش، والذكاء الاصطناعي لا يعوض ضعف الرياضيات، والتكنولوجيا لا تعالج ضعف القراءة، والشهادة لا تستطيع وحدها أن تصنع عقلًا ناقدًا.
وهنا نصل إلى القضية الأكثر حساسية: كلفة التعليم والقدرة على الوصول إليه.
المشكلة ليست في وجود التعليم الموازي من حيث المبدأ، ولا في حاجة الجامعات إلى موارد مالية، وإنما في ضرورة التأكد من ألا تتحول القدرة المالية إلى عامل حاسم في حصول الطالب على فرصة كان يمكن أن يحصل عليها بجدارة أكاديمية.
قد يكون من الضروري أن تكون هناك مسارات مختلفة للقبول، لكن يجب أن تكون العلاقة بينها أكثر شفافية، وأن تكون معاييرها مفهومة، وأن تخضع آثارها على العدالة التعليمية للمراجعة الدورية.
أما الشواغر الجامعية، فمن الضروري أن تُدار بمنهجية تحقق أكبر قدر ممكن من الكفاءة والعدالة. ويمكن التفكير في إنشاء منصة موحدة ومحدثة تُظهر المقاعد الشاغرة والتخصصات المتاحة وشروطها وكلفتها، مع فتحها وفق قواعد معلنة لجميع الطلبة المستحقين، بدل أن تبقى عملية الوصول إلى بعض الفرص شديدة التعقيد أو مرتبطة بتوقيت وإجراءات قد لا تكون واضحة للجميع.
كما يمكن دراسة أولوية التوسع في المقاعد المدعومة في التخصصات التي يحتاجها سوق العمل، بدل التوسع غير المنضبط في تخصصات لا تجد فرصًا كافية بعد التخرج.
أما الطالب المتفوق الذي تمنعه ظروف أسرته من التعليم، فهذه قضية تستحق سياسة وطنية أكثر وضوحًا. لماذا لا يكون لدينا صندوق وطني للطالب المتفوق المحتاج، تموله الدولة والجامعات والقطاع الخاص والصناديق التنموية، وتُحدد الاستفادة منه بمعايير موضوعية وشفافة؟
ليس الهدف أن نعطي الطالب مالًا بلا ضوابط، بل أن نضمن أن القدرة المالية لا تقتل فرصة أكاديمية حقيقية.
ويمكن كذلك التوسع في القروض والمنح الموجهة وفق الحاجة والجدارة معًا، وربط بعضها بالتخصصات ذات الأولوية الوطنية، بحيث يتحول دعم الطالب من مساعدة مؤقتة إلى استثمار في رأس المال البشري.
وفي موضوع المكرمات، يجب ألا يتوقف الدعم عند قرار القبول. يمكن إنشاء نظام إلكتروني للتسوية المالية المباشرة بين الجهة التي تتحمل الرسوم والجامعة، بحيث لا يضطر الطالب أو أسرته إلى توفير مبلغ لا يملكونه في موعد قصير، ولا يصبح التأخير الإداري سببًا في تعطيل التسجيل.
هذه حلول إدارية قبل أن تكون مالية.
ومن الحلول التي تستحق الدراسة أيضًا إنشاء نظام إنذار مبكر للطلبة المعرضين للتسرب بسبب العجز المالي، بحيث تستطيع الجامعة اكتشاف المشكلة قبل أن يتحول الطالب إلى منقطع عن الدراسة. فالكلفة الحقيقية للتسرب أكبر بكثير من كلفة التدخل المبكر.
لكن الإصلاح لا ينبغي أن يتوقف عند بوابة الجامعة.
علينا أن نسأل: ماذا يحدث للطالب بعد التخرج؟
هل نعرف معدلات توظيف خريجي كل تخصص؟ هل نعرف دخلهم بعد سنوات؟ هل نعرف أي البرامج الجامعية تنتج مهارات يحتاجها الاقتصاد وأيها تنتج أعدادًا أكبر من الباحثين عن العمل؟
إذا كنا نريد تعليمًا مرتبطًا بالمستقبل، فلا بد من بناء نظام وطني لبيانات سوق العمل يربط التخطيط للقبول الجامعي بالطلب الفعلي والمتوقع على التخصصات والمهارات.
فلا معنى أن نُفرح الأسرة بقبول ابنها في تخصص ما، ثم نتركه بعد أربع سنوات يكتشف أن السوق لا يحتاج آلاف الخريجين في المجال نفسه.
وهنا يجب أن يصبح الإرشاد المهني جزءًا أساسيًا من التعليم قبل الجامعة، لا مجرد نصيحة عابرة عند اختيار التخصص. الطالب بحاجة إلى أن يعرف طبيعة المهنة، ومتطلبات سوق العمل، والكلفة، وفرص التطور، والمهارات المستقبلية، قبل أن يتخذ قرارًا قد يحدد سنوات من حياته.
كما نحتاج إلى مراجعة مفهوم النجاح نفسه. المدرسة ليست مصنعًا للعلامات، والجامعة ليست مصنعًا للشهادات. العلامة مهمة، لكنها لا تقيس كل شيء، والشهادة ضرورية لكنها لا تضمن القدرة على العمل والإبداع.
نحن بحاجة إلى تعليم يبني القراءة والرياضيات والعلوم والتفكير النقدي والمهارات الرقمية والتواصل وحل المشكلات، إلى جانب التخصص.
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي فرصة وليس تهديدًا. يمكن استخدامه في تخصيص التعلم، واكتشاف نقاط ضعف الطلبة، ودعم المعلمين، وتحليل الفجوات التعليمية، وتوجيه الموارد إلى المدارس والطلبة الأكثر حاجة. لكن التكنولوجيا يجب أن تكون أداة للإصلاح، لا ستارًا نخفي خلفه ضعف الأساس.
وفي النهاية، لا نحتاج إلى هدم ما بنيناه، ولا إلى تحويل التعليم إلى ساحة لتبادل الاتهامات. نحتاج إلى مراجعة مؤسسية شجاعة قائمة على البيانات: ماذا نجح؟ ماذا لم ينجح؟ من استفاد؟ من تضرر؟ ولماذا؟
يمكن تشكيل لجنة وطنية مستقلة لمراجعة منظومة القبول والحقول والبرامج والاستثناءات، تضم خبراء في التعليم والاقتصاد وسوق العمل والقياس والعدالة الاجتماعية، على أن تكون مهمتها تقديم توصيات قابلة للقياس، لا مجرد تقرير جديد يوضع على الرف.
ويمكن اعتماد مبدأ بسيط يجب أن يحكم كل إصلاح: لا قرار تعليمي كبير بلا تقييم لأثره.
فكل نظام جديد يجب أن تكون له أهداف ومؤشرات ومدة زمنية للمراجعة، وإذا أثبتت البيانات أنه لا يحقق الغاية منه، يجب أن نملك الشجاعة لتعديله.
ذلك هو معنى الحوكمة الحقيقية.
لقد اشتعل الرأس شيبًا ونحن ننتظر هذه اللحظة؛ لكن القضية ليست أن يصل أبناؤنا إلى الجامعة فقط، بل أن يصلوا إليها في نظام يفهم قدراتهم ويحمي فرصهم ويهيئهم للمستقبل.
السؤال إذن ليس: هل لدينا تعليم؟ بل: أي تعليم نريد؟ ولمن؟ وبأي عدالة؟ وإلى أي مستقبل يقود؟
نريد نظامًا تكون فيه الجغرافيا ظرفًا لا حكمًا، والفقر تحديًا لا عقوبة، والمسار التعليمي فرصة لا قيدًا، والمعدل معيارًا للجدارة لا تعريفًا كاملًا للإنسان، والجامعة استثمارًا في العقول قبل أن تكون موردًا ماليًا.
نريد أن يصبح مصطلح «الأقل حظًا» مرحلة مؤقتة في قاموس التنمية، لا هوية دائمة لمنطقة أو مدرسة أو طالب.
ونريد قبل كل شيء أن نعيد إلى التعليم مهمته الأسمى: أن يفتح للإنسان الطريق إلى أقصى ما يستطيع أن يكون.
فإذا كان التعليم هو أهم معاقل الدولة، فإن حمايته ليست مسؤولية وزارة وحدها، ولا جامعة وحدها، ولا أسرة وحدها؛ إنها مسؤولية وطن بأكمله.
لأن الوطن الذي يحمي عقلًا موهوبًا من أن يضيعه الفقر، ويمنح الطالب فرصة عادلة، ويصحح نظامه عندما يكتشف خلله، لا يحمي طالبًا واحدًا فقط؛ إنه يحمي مستقبله هو.
وعندها فقط يصبح اشتعال الرأس شيبًا ذا معنى؛ لأننا لا نكون قد انتظرنا اللحظة فحسب، بل نكون قد عملنا حتى يستحق أبناؤنا مستقبلًا أفضل.
واشتعل الرأس شيبًا... فهل آن لنا أن نُصلح الطريق الذي سيمضي فيه أبناؤنا؟
فالتعليم في الأردن لم يكن يومًا مجرد مرحلة دراسية، بل كان بالنسبة إلى الأسرة الأردنية أحد أهم رهاناتها على المستقبل. تنفق الأسرة ما تستطيع، وتقتطع من احتياجاتها، وتتحمل أعباءً تفوق قدرتها أحيانًا، لأنها تؤمن أن تعليم أبنائها هو أفضل استثمار يمكن أن تقدمه لهم. ولذلك فإن أي خلل في منظومة التعليم لا ينبغي النظر إليه بوصفه خللًا إداريًا فقط؛ فهو يمس الحراك الاجتماعي وثقة المواطن بالدولة ومستقبل جيل كامل.
ولا يمكن، في الوقت نفسه، إنكار ما حققه الأردن في التعليم. فقد استطاعت الدولة خلال عقود أن تبني شبكة واسعة من المدارس والجامعات، وأن تخرج أجيالًا من الكفاءات التي أسهمت في بناء الأردن والمنطقة والعالم. لكن الاعتزاز بالمنجز لا يعني أن نتوقف عن المراجعة؛ فما نجح في مرحلة تاريخية قد يحتاج إلى إعادة تصميم عندما تتغير احتياجات المجتمع وسوق العمل والتكنولوجيا.
ومن هنا يبدأ السؤال عن العدالة في القبول الجامعي.
قد يكون النظام قائمًا على قواعد واضحة، لكن العدالة لا تقاس فقط بمدى الالتزام بالقاعدة، وإنما أيضًا بنتائجها. فتعدد المسارات والاستثناءات والبرامج قد تكون له مبررات اجتماعية وتنموية حقيقية، خصوصًا عندما يكون الهدف معالجة تفاوت تاريخي بين المناطق والفئات، لكن المطلوب هو التأكد من أن هذه الأدوات تؤدي إلى تصحيح الفجوة لا إلى تكريسها.
فإذا كنا نستخدم مصطلح «الأقل حظًا» لوصف بعض المناطق، فينبغي أن يكون هدف السياسة العامة أن تتوقف هذه المناطق عن كونها أقل حظًا، لا أن نبقى ندير نقص الفرص فيها عامًا بعد عام.
والتمييز الإيجابي الأكثر نجاحًا هو الذي يعمل على رفع جودة التعليم في المناطق الأقل حظًا: معلمون أكثر تأهيلًا، مختبرات أفضل، تعليم رقمي فعّال، برامج إثرائية، إرشاد مهني مبكر، ودعم مستمر للطلبة المتفوقين، بحيث تصبح المنافسة العادلة هي الأصل، ويصبح الاستثناء مرحلة انتقالية لا قدرًا دائمًا.
أما نظام الحقول، فمن المهم أن يكون النقاش حوله دقيقًا. ففكرة إتاحة مسارات أكثر ملاءمة لميول الطلبة ليست في ذاتها مشكلة، بل قد تكون خطوة نحو تعليم أكثر مرونة. المشكلة التي تستحق الدراسة هي: هل حافظ النظام، في جميع مساراته، على الحد الأدنى الكافي من المعارف والمهارات المشتركة التي يحتاجها الطالب مهما كان تخصصه المستقبلي؟
فهناك فرق بين أن نسمح للطالب بالتخصص في المجال الذي يميل إليه، وبين أن نغلق أمامه مبكرًا أبواب المعرفة التي قد يحتاجها لاحقًا.
الرياضيات، والعلوم، واللغة، والقراءة، والتفكير النقدي، والمهارات الرقمية، ليست ملكًا لتخصص دون آخر؛ إنها أدوات أساسية لبناء الإنسان. ومن هنا فإن المطلوب ليس إلغاء الحقول، وإنما تقييمها علميًا وبالأدلة بعد تطبيقها، وقياس أثرها على مستويات الطلبة، وعلى خياراتهم الجامعية، وعلى قدرتهم على الانتقال بين التخصصات، وعلى نتائجهم في الاختبارات الوطنية والدولية.
ولماذا لا يكون هناك مؤشر وطني لمخرجات كل مسار يوضح لنا بعد عدة سنوات: هل رفع النظام جودة التعلم؟ هل وسّع الخيارات؟ هل قلل الفاقد التعليمي؟ هل ساعد الطلبة فعلًا على اختيار التخصص المناسب؟
فنحن لا ينبغي أن نحكم على أي إصلاح تعليمي من اسمه، وإنما من نتائجه.
أما الاختبارات الدولية، ومنها PISA، فلا ينبغي التعامل معها كمسابقة لترتيب الدول فقط. قيمتها الحقيقية أنها تكشف لنا جوانب في القراءة والرياضيات والعلوم وحل المشكلات. وإذا شهدت النتائج تحسنًا في بعض المؤشرات، فهذا أمر إيجابي، لكنه لا يعفينا من السؤال الأهم: هل يمتلك الطالب الأردني أساسًا معرفيًا صلبًا يسمح له بالتعلم طوال حياته؟
فالجامعة الحديثة لا يمكن أن تبنى على أساس مدرسي هش، والذكاء الاصطناعي لا يعوض ضعف الرياضيات، والتكنولوجيا لا تعالج ضعف القراءة، والشهادة لا تستطيع وحدها أن تصنع عقلًا ناقدًا.
وهنا نصل إلى القضية الأكثر حساسية: كلفة التعليم والقدرة على الوصول إليه.
المشكلة ليست في وجود التعليم الموازي من حيث المبدأ، ولا في حاجة الجامعات إلى موارد مالية، وإنما في ضرورة التأكد من ألا تتحول القدرة المالية إلى عامل حاسم في حصول الطالب على فرصة كان يمكن أن يحصل عليها بجدارة أكاديمية.
قد يكون من الضروري أن تكون هناك مسارات مختلفة للقبول، لكن يجب أن تكون العلاقة بينها أكثر شفافية، وأن تكون معاييرها مفهومة، وأن تخضع آثارها على العدالة التعليمية للمراجعة الدورية.
أما الشواغر الجامعية، فمن الضروري أن تُدار بمنهجية تحقق أكبر قدر ممكن من الكفاءة والعدالة. ويمكن التفكير في إنشاء منصة موحدة ومحدثة تُظهر المقاعد الشاغرة والتخصصات المتاحة وشروطها وكلفتها، مع فتحها وفق قواعد معلنة لجميع الطلبة المستحقين، بدل أن تبقى عملية الوصول إلى بعض الفرص شديدة التعقيد أو مرتبطة بتوقيت وإجراءات قد لا تكون واضحة للجميع.
كما يمكن دراسة أولوية التوسع في المقاعد المدعومة في التخصصات التي يحتاجها سوق العمل، بدل التوسع غير المنضبط في تخصصات لا تجد فرصًا كافية بعد التخرج.
أما الطالب المتفوق الذي تمنعه ظروف أسرته من التعليم، فهذه قضية تستحق سياسة وطنية أكثر وضوحًا. لماذا لا يكون لدينا صندوق وطني للطالب المتفوق المحتاج، تموله الدولة والجامعات والقطاع الخاص والصناديق التنموية، وتُحدد الاستفادة منه بمعايير موضوعية وشفافة؟
ليس الهدف أن نعطي الطالب مالًا بلا ضوابط، بل أن نضمن أن القدرة المالية لا تقتل فرصة أكاديمية حقيقية.
ويمكن كذلك التوسع في القروض والمنح الموجهة وفق الحاجة والجدارة معًا، وربط بعضها بالتخصصات ذات الأولوية الوطنية، بحيث يتحول دعم الطالب من مساعدة مؤقتة إلى استثمار في رأس المال البشري.
وفي موضوع المكرمات، يجب ألا يتوقف الدعم عند قرار القبول. يمكن إنشاء نظام إلكتروني للتسوية المالية المباشرة بين الجهة التي تتحمل الرسوم والجامعة، بحيث لا يضطر الطالب أو أسرته إلى توفير مبلغ لا يملكونه في موعد قصير، ولا يصبح التأخير الإداري سببًا في تعطيل التسجيل.
هذه حلول إدارية قبل أن تكون مالية.
ومن الحلول التي تستحق الدراسة أيضًا إنشاء نظام إنذار مبكر للطلبة المعرضين للتسرب بسبب العجز المالي، بحيث تستطيع الجامعة اكتشاف المشكلة قبل أن يتحول الطالب إلى منقطع عن الدراسة. فالكلفة الحقيقية للتسرب أكبر بكثير من كلفة التدخل المبكر.
لكن الإصلاح لا ينبغي أن يتوقف عند بوابة الجامعة.
علينا أن نسأل: ماذا يحدث للطالب بعد التخرج؟
هل نعرف معدلات توظيف خريجي كل تخصص؟ هل نعرف دخلهم بعد سنوات؟ هل نعرف أي البرامج الجامعية تنتج مهارات يحتاجها الاقتصاد وأيها تنتج أعدادًا أكبر من الباحثين عن العمل؟
إذا كنا نريد تعليمًا مرتبطًا بالمستقبل، فلا بد من بناء نظام وطني لبيانات سوق العمل يربط التخطيط للقبول الجامعي بالطلب الفعلي والمتوقع على التخصصات والمهارات.
فلا معنى أن نُفرح الأسرة بقبول ابنها في تخصص ما، ثم نتركه بعد أربع سنوات يكتشف أن السوق لا يحتاج آلاف الخريجين في المجال نفسه.
وهنا يجب أن يصبح الإرشاد المهني جزءًا أساسيًا من التعليم قبل الجامعة، لا مجرد نصيحة عابرة عند اختيار التخصص. الطالب بحاجة إلى أن يعرف طبيعة المهنة، ومتطلبات سوق العمل، والكلفة، وفرص التطور، والمهارات المستقبلية، قبل أن يتخذ قرارًا قد يحدد سنوات من حياته.
كما نحتاج إلى مراجعة مفهوم النجاح نفسه. المدرسة ليست مصنعًا للعلامات، والجامعة ليست مصنعًا للشهادات. العلامة مهمة، لكنها لا تقيس كل شيء، والشهادة ضرورية لكنها لا تضمن القدرة على العمل والإبداع.
نحن بحاجة إلى تعليم يبني القراءة والرياضيات والعلوم والتفكير النقدي والمهارات الرقمية والتواصل وحل المشكلات، إلى جانب التخصص.
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي فرصة وليس تهديدًا. يمكن استخدامه في تخصيص التعلم، واكتشاف نقاط ضعف الطلبة، ودعم المعلمين، وتحليل الفجوات التعليمية، وتوجيه الموارد إلى المدارس والطلبة الأكثر حاجة. لكن التكنولوجيا يجب أن تكون أداة للإصلاح، لا ستارًا نخفي خلفه ضعف الأساس.
وفي النهاية، لا نحتاج إلى هدم ما بنيناه، ولا إلى تحويل التعليم إلى ساحة لتبادل الاتهامات. نحتاج إلى مراجعة مؤسسية شجاعة قائمة على البيانات: ماذا نجح؟ ماذا لم ينجح؟ من استفاد؟ من تضرر؟ ولماذا؟
يمكن تشكيل لجنة وطنية مستقلة لمراجعة منظومة القبول والحقول والبرامج والاستثناءات، تضم خبراء في التعليم والاقتصاد وسوق العمل والقياس والعدالة الاجتماعية، على أن تكون مهمتها تقديم توصيات قابلة للقياس، لا مجرد تقرير جديد يوضع على الرف.
ويمكن اعتماد مبدأ بسيط يجب أن يحكم كل إصلاح: لا قرار تعليمي كبير بلا تقييم لأثره.
فكل نظام جديد يجب أن تكون له أهداف ومؤشرات ومدة زمنية للمراجعة، وإذا أثبتت البيانات أنه لا يحقق الغاية منه، يجب أن نملك الشجاعة لتعديله.
ذلك هو معنى الحوكمة الحقيقية.
لقد اشتعل الرأس شيبًا ونحن ننتظر هذه اللحظة؛ لكن القضية ليست أن يصل أبناؤنا إلى الجامعة فقط، بل أن يصلوا إليها في نظام يفهم قدراتهم ويحمي فرصهم ويهيئهم للمستقبل.
السؤال إذن ليس: هل لدينا تعليم؟ بل: أي تعليم نريد؟ ولمن؟ وبأي عدالة؟ وإلى أي مستقبل يقود؟
نريد نظامًا تكون فيه الجغرافيا ظرفًا لا حكمًا، والفقر تحديًا لا عقوبة، والمسار التعليمي فرصة لا قيدًا، والمعدل معيارًا للجدارة لا تعريفًا كاملًا للإنسان، والجامعة استثمارًا في العقول قبل أن تكون موردًا ماليًا.
نريد أن يصبح مصطلح «الأقل حظًا» مرحلة مؤقتة في قاموس التنمية، لا هوية دائمة لمنطقة أو مدرسة أو طالب.
ونريد قبل كل شيء أن نعيد إلى التعليم مهمته الأسمى: أن يفتح للإنسان الطريق إلى أقصى ما يستطيع أن يكون.
فإذا كان التعليم هو أهم معاقل الدولة، فإن حمايته ليست مسؤولية وزارة وحدها، ولا جامعة وحدها، ولا أسرة وحدها؛ إنها مسؤولية وطن بأكمله.
لأن الوطن الذي يحمي عقلًا موهوبًا من أن يضيعه الفقر، ويمنح الطالب فرصة عادلة، ويصحح نظامه عندما يكتشف خلله، لا يحمي طالبًا واحدًا فقط؛ إنه يحمي مستقبله هو.
وعندها فقط يصبح اشتعال الرأس شيبًا ذا معنى؛ لأننا لا نكون قد انتظرنا اللحظة فحسب، بل نكون قد عملنا حتى يستحق أبناؤنا مستقبلًا أفضل.
واشتعل الرأس شيبًا... فهل آن لنا أن نُصلح الطريق الذي سيمضي فيه أبناؤنا؟
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات