هوليوود تعود إلى أمريكا .. استراتيجية ترامب الجديدة تُعيد رسم خريطة السينما العالمية

منذ 31 دقيقة
المشاهدات : 11296
هوليوود تعود إلى أمريكا ..  استراتيجية ترامب الجديدة تُعيد رسم خريطة السينما العالمية

سرايا - تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة جزء من إنتاج الأفلام والمسلسلات إلى الولايات المتحدة عبر حوافز ضريبية جديدة.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تحتدم فيه المنافسة بين هوليوود ومراكز الإنتاج السينمائي في كندا وبريطانيا وأستراليا، التي استقطبت خلال السنوات الماضية أعمالا أمريكية بفضل حوافزها المالية. وإذا تحولت هذه الخطط إلى سياسة دائمة، فقد تعيد توزيع جزء من الاستثمارات ومواقع التصوير، من دون أن يعني ذلك تلقائيا عودة هوليوود إلى وضعها السابق.

من أزمة دور السينما إلى أزمة نموذج الإنتاج

تواجه صناعة السينما الأمريكية منذ سنوات سلسلة من التحولات المتداخلة. فقد أدت جائحة كوفيد-19 إلى إغلاق دور السينما وتعليق عمليات التصوير، فيما عززت المنصات الرقمية انتقال جزء من الجمهور إلى المشاهدة المنزلية.

وبعد عودة النشاط السينمائي، لم تعد عادات الجمهور إلى ما كانت عليه بالكامل. وفي الوقت نفسه، اعتمدت الاستوديوهات بصورة كبيرة على سلاسل الأفلام المعروفة، وأفلام الأبطال الخارقين، وإعادة إنتاج الأعمال السابقة، باعتبارها استثمارات أقل مخاطرة نسبيا.

لكن هذا النموذج واجه بدوره حدودا واضحة مع تزايد المنافسة بين المنصات وإشباع السوق من بعض السلاسل. وتضاف إلى ذلك مخاوف جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، الذي فتح نقاشا واسعا حول مستقبل وظائف كتّاب السيناريو والممثلين والفنانين وغيرهم من العاملين في الصناعة.

وهذه العوامل لا تعني أن هوليوود فقدت موقعها العالمي، لكنها تعكس تغيرا في اقتصاد صناعة الأفلام وفي الطريقة التي تُنتج بها الأعمال وتُوزع وتُستهلك.

الإنتاج يهاجر بحثا عن تكلفة أقل

إحدى أهم مشكلات هوليوود الاقتصادية ترتبط بموقع التصوير. فعلى مدى سنوات، لجأت شركات إنتاج أمريكية إلى تصوير أفلام ومسلسلات في دول تقدم حوافز ضريبية أو مالية كبيرة، من بينها كندا وبريطانيا وأستراليا.

وتستفيد هذه الدول من جذب الإنتاج الأمريكي لتوفير فرص عمل وتنشيط قطاعات مرتبطة بالسينما، مثل الاستوديوهات والخدمات التقنية والفنادق والنقل.

وبذلك أصبحت المنافسة على الإنتاج السينمائي دولية بقدر ما هي فنية. فاختيار مكان التصوير لا يرتبط فقط بمتطلبات القصة أو المناظر الطبيعية، بل أيضا بحجم الدعم الحكومي وتكلفة الإنتاج وتوافر البنية التحتية والكوادر المتخصصة.

ترامب يطرح إعادة الإنتاج إلى الولايات المتحدة

في مايو 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يعتزم فرض تعرفة بنسبة 100% على الأفلام المنتجة خارج الولايات المتحدة، وهو طرح أثار منذ ذلك الوقت أسئلة قانونية وعملية، بينها كيفية تعريف الفيلم باعتباره "واردا" وكيفية تحديد قيمته في صناعة تعتمد بدرجة كبيرة على الخدمات الرقمية والإنتاج المشترك بين دول عدة. ولم تتحول هذه الفكرة حتى الآن إلى تعرفة نافذة على الأفلام.

لكن واشنطن انتقلت في سبتمبر 2026 إلى مسار مختلف وأكثر وضوحا من الناحية التشريعية.

ففي 24 سبتمبر، قُدم في الكونغرس مشروع قانون إنعاش صناعة السينما والتلفزيون والترفيه، بمبادرة مشتركة بين أعضاء جمهوريين وديمقراطيين. وينص المشروع على إنشاء حافز ضريبي فيدرالي للإنتاج السينمائي والتلفزيوني داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك بعض أعمال المؤثرات البصرية. ويقترح المشروع ائتمانا ضريبيا أساسيا بنسبة 20% للمشروعات المؤهلة.

ويكتسب المشروع أهمية خاصة لأن الولايات المتحدة لا تمتلك حتى الآن برنامجا فيدراليا موحدا بهذا الشكل، بينما تقدم ولايات أمريكية مختلفة حوافزها الخاصة لاستقطاب الإنتاج.

دعم جمهوري وديمقراطي

لا يقتصر مشروع القانون على معسكر سياسي واحد. فقد شارك في طرحه السيناتور الجمهوري تيم سكوت والديمقراطي آدم شيف، إلى جانب أعضاء من مجلسي الشيوخ والنواب يمثلون ولايات لها مصالح مباشرة في صناعة السينما.

ويعكس ذلك وجود مصلحة مشتركة لدى مشرعين من ولايات مختلفة في جذب الإنتاج والوظائف والاستثمارات إلى الولايات المتحدة، حتى مع اختلافهم في ملفات سياسية أخرى. وقد أعلن المشروع رسميا في مجلس النواب ومجلس الشيوخ في 24 سبتمبر، ثم حصل خلال أيام على مزيد من الرعاة من الحزبين.

لكن من المهم التمييز هنا بين طرح مشروع القانون وبين إقراره. فحتى الآن هو تشريع مقترح أُحيل إلى اللجان المختصة، ولا يمكن افتراض أن جميع أحكامه ستدخل حيز التنفيذ بصيغتها الحالية.

كندا تعيد صياغة نظام دعمها

في المقابل، لا تنتظر كندا نتائج التحرك الأمريكي. ففي مايو 2026، أقرّ المنظم الكندي قواعد جديدة تلزم شركات البث التقليدية والمنصات الإلكترونية الكبرى بالمساهمة في تمويل المحتوى الكندي والأصلي. وبالنسبة إلى خدمات البث الإلكترونية غير المرتبطة بمجموعات كندية، حُددت المساهمة عند 15% ضمن النظام الجديد.

لكن الحكومة الكندية أعلنت في يونيو عن استثمار فيدرالي بقيمة 600 مليون دولار كندي سنويا لدعم قطاعي الصوتيات والمواد السمعية والبصرية، مع التأكيد على إبقاء المحتوى الثقافي متاحا للمواطنين وبأسعار مناسبة.

وبالتالي، فإن ما يحدث في كندا لا يمكن اختزاله في مجرد تراجع أمام هوليوود؛ بل هو أيضا إعادة تنظيم لطريقة تمويل الإنتاج المحلي في ظل صعود المنصات العالمية.

هل تعود هوليوود إلى كاليفورنيا؟

إذا أُقر الحافز الضريبي الفيدرالي الأمريكي، فقد تصبح الولايات المتحدة أكثر قدرة على منافسة الدول التي استقطبت الإنتاج عبر الدعم المالي. ومن المتوقع أن تستفيد خصوصا الولايات التي تمتلك بنية تحتية سينمائية وكوادر وخدمات إنتاج متخصصة.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة عودة كل الإنتاج الأمريكي إلى هوليوود. فالشركات تقارن بين مجموعة واسعة من العوامل، من قيمة الحوافز إلى أجور العاملين وتكاليف الاستوديوهات والخدمات، فضلا عن متطلبات مواقع التصوير نفسها.

كما أن الحافز الضريبي لا يعالج وحده التحديات الإبداعية التي تواجه الصناعة، مثل تشبع بعض الأسواق بالسلاسل المتكررة وتغير عادات الجمهور وصعود المنصات والذكاء الاصطناعي.

لذلك، فإن التحول الأبرز الذي قد تفرضه سياسة ترامب لا يتمثل بالضرورة في "عودة هوليوود" كاملة إلى الولايات المتحدة، وإنما في إعادة التفاوض على مكان إنتاج الفيلم داخل سوق سينمائية عالمية أصبحت الحكومات فيها لاعبا اقتصاديا مباشرا.

وفي حال أُقر التشريع الأمريكي بصيغة قريبة من المقترحة، ستدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من المنافسة الضريبية على الإنتاج السينمائي، إلى جانب المنافسة التقليدية على الجمهور والأفكار والمواهب. أما حجم التأثير الفعلي في كندا وبريطانيا وأستراليا، فسيتوقف على تفاصيل القانون النهائي وعلى كيفية استجابة هذه الدول للحوافز الأمريكية الجديدة.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم