نادية سعدالدين تكتب: وثيقة "أرغمان": انقلاب صهيوني على معاهدات السلام

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7026
نادية سعدالدين تكتب: وثيقة "أرغمان": انقلاب صهيوني على معاهدات السلام
نادية سعدالدين

نادية سعدالدين

أخطر ما تُمثله وثيقة معهد «أرغمان» للدراسات المتقدمة الصادرة حديثاً بعنوان «الرؤية الجديدة لأمن إسرائيل»، في أنها تُعبر عن سطوة عقلية التيار اليميني الحاكم ومنهجيته المقبلة، وتشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأردني والمصري، وتُجسد عقيدة «الضم» و»التهجير» والتوسع الجغرافي، مما يجلب ارتدادات كارثية على أمن واستقرار المنطقة ويزيد من احتمالية التصعيد الإقليمي الشامل.


و»أرغمان» ليس مجرد مركز أبحاث تقليدي، بل مؤسسة فكرية وسياسية وأمنية يمينية متطرفة مدعومة مالياً وسياسياً من تيارات يمينية قوية، منها صناديق أمريكية محافظة، بقيادة «رونين شوفال» مؤسس حركة «إم ترتسو» الفاشية المعروفة بالعداء للعرب والمُحرضة على قتلهم، بهدف «تفريخ» كوادر متشددة مؤمنة برؤية الحركة الصهيونية ومشروعها الاستعماري الاستيطاني التوسعي، وذات نفوذ متغلغل داخل الأجهزة الأمنية، مثل قيادة جهاز الأمن العام (الشاباك)، وصناعة القرار السياسي، مثل «الكنيست»، مما يمنحه ثقلاً سياسياً وتشريعياً بوصفه حاضنة فكرية مولدة لأطروحات عنصرية عدائية تجد طريقها عادة للتنفيذ.
تُعد الوثيقة جزءاً محورياً من مساعٍ صهيونية مُشاركة في محاولات إعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، تحت شعار «الأمن المُطلق» لتسهيل تسويقها داخل كيان مُحتل بات مُتشرباً للأفكار اليمينية المتطرفة ومُتقبلاً لدعوة الانقلاب على اتفاقيات السلام مع مصر (1979) والأردن (1994) بزعم أنهما تُشكلان معاً «تهديداً محتملاً لأمن إسرائيل» وقد تتحولان إلى «دول معادية مستقبلاً»، وهو توصيف فيه إعلان صريح عن موت حقبة «السلام السياسي» لصالح «الحسم العسكري» الذي تتبناه الوثيقة الصهيونية عبر تكثيف الهجوم الاستباقي والاجتياحات البرية العميقة، وبناء قوات قتالية ضخمة لنشرها في عدة جبهات متزامنة، نظير ما تعتقده بفشل استراتيجية الردع التي تم اعتمادها سابقاً.
وفي ذلك تحول وازن في العقيدة الأمنية الصهيونية التي لطالما اعتبرت تخومها مع الأردن ومصر عقب معاهدات السلام آمنة ومستقرة، بما كان يتيح لها الالتفات إلى جبهات أخرى. أما الآن؛ فإنها تنظر إلى السلام بوصفه «وسيلة مؤقتة وليس غاية استراتيجية»، بما يستدعي بحسبها «إعداد خطط تنفيذية» مضادة لـ»احتمالية عداء مصر والأردن»، وتكثيف الجهود الاستخبارية والعسكرية الاحتلالية نحو التخوم الجنوبية والشرقية، ما يشكل تقويضاً حاداً لمعاهدات السلام مع كلتا الدولتين.
وتستكمل الوثيقة خطورة مضامينها عند مطالبتها بتفكيك السلطة الفلسطينية وضم الضفة الغربية بالكامل للكيان المُحتل وتشجيع تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين تجاه الأردن ومصر. إن هذا الطرح المتطرف يُمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأردني والمصري، ويُعد محاولة بائسة لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الجوار، إما عبر «الوطن البديل» أو «التهجير القسري»، مثلما يعكس نزعة التوسع الإقليمي، عند وضع خريطة استعمارية لاحتلال المزيد من الأراضي العربية واقتطاع مساحات جغرافية من دول الجوار، كما يحدث في جنوب سوريا ولبنان، تحت ذريعة إنشاء المناطق العازلة توطئة للسيطرة عليها لاحقاً، بما يُعد انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول وخرقاً سافراً للقانون الدولي.
لاشك أن تبني مثل هذه الأطروحات المتطرفة سيجلب تداعيات إقليمية كارثية على أمن واستقرار المنطقة؛ فأمام النوايا العدائية الصهيونية تجاه تصنيف الأردن ومصر كأعداء محتملين، قد يدفع دول النظام العربي الإقليمي لإعادة النظر في التموضع العسكري، والدخول في سباق تسلح إقليمي مكثف لحماية حدودها وسيادتها، مما من شأنه أن يستنزف الموارد الاقتصادية والتنموية للمنطقة ويقضي على أي أفق سياسي، ويؤدي إلى زيادة احتمالات «الحرب الإقليمية الشاملة»، عند التنصيص على استعداد جيش الاحتلال للقتال في عدة جبهات متزامنة وبفرق عسكرية متعددة وعلى بعد مئات الكيلومترات، بما يعني أن الاستراتيجية الصهيونية المقترحة مُصممة لـ»غزو بري واسع»، في توجه عدائي يرفع من خطر الانزلاق إلى تصعيد إقليمي شامل لا يمكن السيطرة على ضبط نطاقه أو توقع نهايته.
ورغم أن وثيقة «أرغمان» تستمد مضامينها العدائية والمناهضة للسلام من ركائز المشروع الاستعماري الاستيطاني التوسعي في فلسطين المحتلة والمنطقة، إلا أنها تؤسس لبيئة صراعية مفتوحة ستجلب الخراب على الجميع، عند الدعوة للانقلاب على معاهدات السلام واستعداء الجوار واحتلال المزيد من الأراضي العربية بحجة تحقيق «الأمن المطلق» واستخدام القوة الغاشمة وحروب الإبادة الجماعية.
ولكن الكيان الصهيوني سيكتشف وهم مسعاه، وسينتهي حتماً إلى معادلة صفرية مفادها «لا أمن ولا استقرار ولا ديمومة» لمقومات وجوده.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم