تهاني روحي يكتب: حين يتكاثر الكلام .. من يصغي؟

منذ 52 دقيقة
المشاهدات : 8677
تهاني روحي يكتب: حين يتكاثر الكلام ..  من يصغي؟
تهاني روحي

تهاني روحي

نحمل في هواتفنا آلاف الأصوات، وننتقل بين المقاطع والآراء والحكايات، لكننا قد ننهي يومنا دون أن نصغي حقا إلى أحد. في هذا المشهد، يحتفل العالم بيوم البودكاست، ليطرح سؤالا يتجاوز الاحتفاء بوسيلة إعلامية جديدة نوعا ما، ولكن هل جعلتنا كثرة الأصوات أكثر قدرة على فهم بعضنا البعض، أم أكثر انشغالا بإسماع أنفسنا؟


وأظن أن المناسبة تستحق ما هو أبعد من الاحتفاء بوسيلة إعلامية جديدة نسبيا، فهي تطرح سؤالا أبسط وأصعب وهو: هل جعلتنا كثرة الأصوات أقدر على فهم بعضنا، أم أكثر انشغالا بإسماع أنفسنا؟
لا يمكن إنكار ما فتحه البودكاست من مساحات. فقد صار بإمكان صاحب التجربة أن يرويها بصوته، وأن يختار أسئلته وإيقاع حديثه، من دون أن ينتظر دعوة إلى استوديو تلفزيوني ولقاء بروتوكولي يُعد مسبقا بعناية.
وتزداد أهمية هذه الفرصة حين يتعلق الأمر بأصوات اعتدنا أن نتحدث عنها أكثر مما اعتدنا أن نستمع إليها؛ الشباب، والنساء، والفئات المهمشة. حتى الشخصيات العامة وجدت فيه نافذة لإظهار جوانب من شخصياتها لم يكن أي برنامج تقليدي يتسع لها.
لكن امتلاك الميكروفون لا يعني امتلاك فرصة متكافئة للوصول. فبين تسجيل الحوار ووصوله إلى الناس تقف تكاليف الإنتاج، ومهارات التسويق، وشبكات العلاقات، وخوارزميات تقرر بصمت ما يظهر وما يغيب. ولهذا لا يكفي الشغف وحده. كم من بودكاست بدأ بحماسة كبيرة، ثم توقف بهدوء بعد حلقات قليلة أمام سؤال التمويل والاستمرارية.
ما يمنح البودكاست قيمته الحقيقية في رأيي هو الوقت، ذلك الوقت الذي يتيحه للفهم. ففي الحوار الممتد يستطيع الضيف أن يتردد ويشرح ويعيد صياغة عبارته، ويكشف تفاصيل تضيع عادة في الإجابات السريعة.
تعلمت من سنوات الصحافة، ثم من إعداد وتقديم بودكاست «وعي»، أن السؤال الجيد لا يستعرض معرفة المقدّم بقدر ما يفتح بابا لمعرفة مشتركة. وأن الإصغاء مهارة مهنية وأخلاقية معا، تتطلب استعدادا لتغيير مسار الحديث، وترك مساحة لما يقوله الضيف فعلا، لا لما ننتظر منه أن يقوله. فالحوار يفقد شيئا من صدقه حين يتحول إلى سلسلة إجابات تؤكد أفكارنا المسبقة.
غير أن هذا القرب الإنساني يضاعف المسؤولية. فالصوت المألوف والحضور الهادئ والحديث الطويل قد تمنح الكلام ثقة لا يستحقها بالضرورة. وفي موضوعات كالصحة النفسية والتغذية وتربية الأبناء، قد تختلط التجربة الشخصية بالمعرفة المتخصصة، فيصل الرأي إلى المستمع كأنه حقيقة. لذلك يحتاج البودكاست إلى التحقق، وإلى أن يعترف المتحدث بحدود خبرته، وإلى مساءلة الادعاءات.
ثم تأتي معضلة الانتشار. يحتاج صانع المحتوى إلى جمهور كي يستمر، ويحتاج الحوار إلى عنوان يدعو الناس إليه. لكن البحث عن الوصول يختزل نقاشا هادئا في مواجهة حادة مدتها ثلاثون ثانية. وحين يصبح المقطع القصير هو ما يحدد قيمة الحلقة، تأتي المخاطرة بالمصداقية.
وللإنصاف، هذه ليست مسؤولية صانعي المحتوى وحدهم. فالمقطع المستفز لا ينتشر من تلقاء نفسه، بل ننشره نحن حين نكافئه بالمشاهدة والمشاركة والتعليق الغاضب. ولو لم يجد الصراخ من يصفق له، لما وجد من ينتجه أصلا. المستمع أيضا شريك في صناعة المشهد، وجزء من الإصغاء أن نرى بأعيننا ونسمع بآذاننا، وأن نمنح أنفسنا فرصة الوصول إلى الحلقة كاملة قبل أن نصدر حكمنا على صاحبها.
في يوم البودكاست، وفي كل يوم بعده، نحتاج إلى أن نفكر في نوع الحضور الذي نصنعه وسط هذا الضجيج. هل نمنح الناس أدوات للفهم، ونفسح مجالا للاختلاف، ونحفظ للتجربة الإنسانية تعقيدها وكرامتها؟ أم نضيف صوتا جديدا إلى سباق قديم على الانتباه؟ وإذا كان كل منا يستطيع اليوم أن يتكلم… فمن يتعلم أن يصغي؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم