ليس كل ما نفعله لأبنائنا حبًا، وإن خرج من قلب محب. أحيانًا نحبهم إلى الدرجة التي نخاف فيها أن نتركهم يخطئون، أو يخسرون، أو يسمعون كلمة «لا»، فنرفع عنهم كل عبء، ونبرر كل تقصير، ونتدخل في كل مشكلة، ثم نكتشف متأخرين أننا لم نربِّ أبناءً قادرين على الحياة، بل أبناءً اعتادوا أن يعيشوا محميين منها.
في بيوت كثيرة، يستيقظ الأب أو الأم أكثر من مرة لإيقاظ الابن للمدرسة، ويُرتّبان حقيبته، ويبحثان عن أغراضه، ويبرران تأخره، ويتصلان بالمعلم إذا حصل على علامة منخفضة. وإذا أنفق مصروفه مبكرًا، حصل على المزيد؛ وإذا أخطأ في حق زميله، وجد من يدافع عنه؛ وإذا فشل في أمر، سارعت الأسرة إلى إزالة آثار الفشل.
تبدو هذه المواقف صغيرة، لكن تكرارها يرسل إلى الطفل رسالة عميقة: لست مسؤولًا بالكامل عن نتائج أفعالك، فهناك دائمًا من سيتولى الأمر عنك. وهنا تكمن خطورة التساهل؛ فهو لا يفسد الطفل في يوم واحد، وإنما يبني بالتدريج شخصية تخشى المسؤولية، وتبحث عن الأعذار، وتجد صعوبة في احتمال الرفض والفشل والإحباط. وتشير التربية الحديثة إلى أن ضبط النفس وتأجيل الرغبات وتحمل الإحباط والقدرة على حل المشكلات مهارات تنمو بالتدريب والممارسة. فالطفل لا يتعلم المسؤولية لأننا نشرحها له، وإنما لأنه يمارسها: يخطئ فيعتذر، ويُقصّر فيتحمل النتيجة، ويفسد شيئًا فيشارك في إصلاحه، وينفق ماله فيتعلم كيف يخطط لما تبقى منه. وهنا يلتقي المعنى التربوي مع معنى قرآني عميق: أن الإنسان قد يُهيأ للأمانات الكبرى بالصبر والابتلاء، لا بالراحة الدائمة. يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
وقد حملت قصص الأنبياء هذا المعنى بوضوح؛ فإبراهيم عليه السلام ابتُلي، وأيوب صبر، ويوسف مرّ بالمحنة قبل التمكين، وموسى واجه الخوف والغربة والمواجهة، ونبينا محمد ﷺ ذاق الأذى والحصار والفقد والهجرة قبل أن يحمل رسالة الإسلام إلى العالم. وليس معنى ذلك أن كل ابتلاء مقدمة لمهمة عظيمة، وإنما أن القرآن يعلّمنا أن المشقة قد تصنع في الإنسان من الصبر والقوة ما لا تصنعه الراحة.
فكيف نريد من أبنائنا أن يصبروا على الحياة ونحن نمنع عنهم كل فرصة للصبر؟ وكيف نريد منهم مواجهة الفشل ونحن نعامل كل إخفاق صغير وكأنه كارثة؟ وكيف نطالبهم بالاعتماد على أنفسهم ونحن نسارع دائمًا إلى القيام بما يستطيعون القيام به؟ التربية ليست أن نصنع لأبنائنا طريقًا بلا حجارة، فهذا الطريق غير موجود أصلًا؛ وإنما أن نعلّمهم كيف يتجاوزون الحجارة. وليست القسوة أن نترك الطفل يتحمل نتيجة خطأ بسيط يمكن أن يتعلم منه، كما أن الرحمة ليست أن نمحو كل نتيجة عن طريقه. والحزم هنا ليس نقيض الحب. أن نقول «لا» حين تكون «نعم» أسهل، وأن نضع حدًا حين يكون التراجع أكثر راحة، وأن نطلب من ابننا الاعتذار حين يخطئ، وأن نرفض أن نحل كل مشكلة نيابة عنه؛ كل ذلك قد يكون من أصدق صور الحب. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، وقال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالرعاية ليست إطعامًا وحمايةً وتوفيرًا فقط، وإنما بناء إنسان يعرف واجبه، ويضبط نفسه، ويحمل نتيجة قراراته. إن أبناءنا لن يبقوا إلى جوارنا إلى الأبد.
سيذهبون إلى الجامعة، وإلى العمل، وإلى الزواج، وإلى مجتمع لا يعرف عواطفنا تجاههم. هناك لن يستطيع أحد أن يبرر تأخرهم، أو يتفاوض عنهم، أو يمحو نتيجة خطئهم. ولذلك فإن أفضل ما يمكن أن نقدمه لهم ليس حياة خالية من الصعوبات، بل شخصية تستطيع مواجهة الصعوبات. نحن لا نربي أبناءنا ليظلوا تحت أجنحتنا، بل لنعلّمهم الطيران حين يأتي اليوم الذي لا نستطيع فيه حملهم. فالحب الذي يمنع أبناءنا من تجربة المسؤولية اليوم، قد يتركهم غدًا عاجزين أمام مسؤوليات لا ترحم؛ أما الحب الناضج، فهو الذي يمنحهم الأمان، ويضع لهم الحدود، ثم يترك لهم مساحة كافية ليتعلموا كيف يقفون وحدهم.
في بيوت كثيرة، يستيقظ الأب أو الأم أكثر من مرة لإيقاظ الابن للمدرسة، ويُرتّبان حقيبته، ويبحثان عن أغراضه، ويبرران تأخره، ويتصلان بالمعلم إذا حصل على علامة منخفضة. وإذا أنفق مصروفه مبكرًا، حصل على المزيد؛ وإذا أخطأ في حق زميله، وجد من يدافع عنه؛ وإذا فشل في أمر، سارعت الأسرة إلى إزالة آثار الفشل.
تبدو هذه المواقف صغيرة، لكن تكرارها يرسل إلى الطفل رسالة عميقة: لست مسؤولًا بالكامل عن نتائج أفعالك، فهناك دائمًا من سيتولى الأمر عنك. وهنا تكمن خطورة التساهل؛ فهو لا يفسد الطفل في يوم واحد، وإنما يبني بالتدريج شخصية تخشى المسؤولية، وتبحث عن الأعذار، وتجد صعوبة في احتمال الرفض والفشل والإحباط. وتشير التربية الحديثة إلى أن ضبط النفس وتأجيل الرغبات وتحمل الإحباط والقدرة على حل المشكلات مهارات تنمو بالتدريب والممارسة. فالطفل لا يتعلم المسؤولية لأننا نشرحها له، وإنما لأنه يمارسها: يخطئ فيعتذر، ويُقصّر فيتحمل النتيجة، ويفسد شيئًا فيشارك في إصلاحه، وينفق ماله فيتعلم كيف يخطط لما تبقى منه. وهنا يلتقي المعنى التربوي مع معنى قرآني عميق: أن الإنسان قد يُهيأ للأمانات الكبرى بالصبر والابتلاء، لا بالراحة الدائمة. يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
وقد حملت قصص الأنبياء هذا المعنى بوضوح؛ فإبراهيم عليه السلام ابتُلي، وأيوب صبر، ويوسف مرّ بالمحنة قبل التمكين، وموسى واجه الخوف والغربة والمواجهة، ونبينا محمد ﷺ ذاق الأذى والحصار والفقد والهجرة قبل أن يحمل رسالة الإسلام إلى العالم. وليس معنى ذلك أن كل ابتلاء مقدمة لمهمة عظيمة، وإنما أن القرآن يعلّمنا أن المشقة قد تصنع في الإنسان من الصبر والقوة ما لا تصنعه الراحة.
فكيف نريد من أبنائنا أن يصبروا على الحياة ونحن نمنع عنهم كل فرصة للصبر؟ وكيف نريد منهم مواجهة الفشل ونحن نعامل كل إخفاق صغير وكأنه كارثة؟ وكيف نطالبهم بالاعتماد على أنفسهم ونحن نسارع دائمًا إلى القيام بما يستطيعون القيام به؟ التربية ليست أن نصنع لأبنائنا طريقًا بلا حجارة، فهذا الطريق غير موجود أصلًا؛ وإنما أن نعلّمهم كيف يتجاوزون الحجارة. وليست القسوة أن نترك الطفل يتحمل نتيجة خطأ بسيط يمكن أن يتعلم منه، كما أن الرحمة ليست أن نمحو كل نتيجة عن طريقه. والحزم هنا ليس نقيض الحب. أن نقول «لا» حين تكون «نعم» أسهل، وأن نضع حدًا حين يكون التراجع أكثر راحة، وأن نطلب من ابننا الاعتذار حين يخطئ، وأن نرفض أن نحل كل مشكلة نيابة عنه؛ كل ذلك قد يكون من أصدق صور الحب. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، وقال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالرعاية ليست إطعامًا وحمايةً وتوفيرًا فقط، وإنما بناء إنسان يعرف واجبه، ويضبط نفسه، ويحمل نتيجة قراراته. إن أبناءنا لن يبقوا إلى جوارنا إلى الأبد.
سيذهبون إلى الجامعة، وإلى العمل، وإلى الزواج، وإلى مجتمع لا يعرف عواطفنا تجاههم. هناك لن يستطيع أحد أن يبرر تأخرهم، أو يتفاوض عنهم، أو يمحو نتيجة خطئهم. ولذلك فإن أفضل ما يمكن أن نقدمه لهم ليس حياة خالية من الصعوبات، بل شخصية تستطيع مواجهة الصعوبات. نحن لا نربي أبناءنا ليظلوا تحت أجنحتنا، بل لنعلّمهم الطيران حين يأتي اليوم الذي لا نستطيع فيه حملهم. فالحب الذي يمنع أبناءنا من تجربة المسؤولية اليوم، قد يتركهم غدًا عاجزين أمام مسؤوليات لا ترحم؛ أما الحب الناضج، فهو الذي يمنحهم الأمان، ويضع لهم الحدود، ثم يترك لهم مساحة كافية ليتعلموا كيف يقفون وحدهم.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات