ثمة لحظة خطرة في عمر القوة، لا تكون حين تضعف، بل حين تبلغ من التفوق ما يغري صاحبها بالاعتقاد أن ما نجح بالأمس سينجح كل صباح. ولعل إسرائيل تقترب اليوم من هذه المساحة؛ فمن الضفة الغربية إلى غزة ولبنان، ومن الجولان السوري المحتل إلى عمق الجنوب السوري، يتسع مجال العمل العسكري وتكبر معه شهية المبادرة. ولم يعد هذا مجرد استنتاج من الخارج؛ فقد تحدث بنيامين نتنياهو في يوليو 2026 عن انتقال إسرائيلي من الاحتواء إلى «المبادرة والفعل والهجوم»، وقال إن نطاق الحماية بات يُدفع إلى داخل غزة ولبنان وسوريا. وفي المقابل وضع جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول المعنى الآخر لهذه الصورة بوضوح شديد، حين اعتبر اتساع النهج الإسرائيلي تهديدًا إقليميًا، وربط أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي الأردني مباشرة بالأمن القومي.
ولعل الجولان هو التفصيل الذي لا يجوز إسقاطه من الصورة؛ فمنه تبدأ ذاكرة المواجهة السورية–الإسرائيلية، وحوله وُلد اتفاق فصل القوات لعام 1974 وقوة الأمم المتحدة لمراقبة الفصل. وبعد انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024، سجلت الأمم المتحدة دخول قوات إسرائيلية إلى منطقة الفصل وبقاءها في مواقع متعددة، واعتبرت ذلك خرقًا لترتيبات 1974، بينما تقول إسرائيل إن تحركاتها مؤقتة ومرتبطة بأمن حدودها. وفي 2026 وصفت لجنة تحقيق أممية بعض التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري بأنها أصبحت أكثر رسوخًا، فيما نفت إسرائيل وجود أطماع إقليمية. لكن سوريا اليوم ليست سوريا 1967 أيضًا؛ الدولة ما تزال تداوي جراح حرب طويلة وتعيد بناء جيشها، وقد جرى خلال العامين الماضيين دمج تشكيلات وقوى مسلحة كانت تقاتل لسنوات بأساليب غير نظامية، بما فيها قوى كردية سابقة، في بنية الدولة الجديدة. وهذا لا يصنع تلقائيًا جيشًا متماسكًا أو متفوقًا، لكنه يعني أن البيئة القتالية السورية الجديدة تحمل خبرة مختلفة في حرب المدن والمسيّرات والكمائن والقتال غير التقليدي.
وقد تكون إحدى أهم نتائج غزة أنها دفنت نصف مقولة عربية قديمة وأبقت نصفها الآخر حيًا. كان كثيرون يرددون أن إسرائيل «لا تستطيع» خوض حرب طويلة؛ لكن السنوات التي أعقبت السابع من أكتوبر أثبتت قدرتها على إطالة القتال، وتوسيع الجبهات، واستدعاء الاحتياط، وتحمل قدر من الكلفة أكبر مما توقعه بعض المحللين العرب. إلا أن ذلك لا يعني أن الحرب الطويلة أصبحت ملائمة لبنيتها؛ فمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي نفسه يؤكد أن إسرائيل، بسبب صغر مساحتها واعتماد جيشها الكبير على الاحتياط المرتبط بالاقتصاد، تحتاج إلى حروب قصيرة وفعالة، وأن حروب الاستنزاف الطويلة تضر بالمصلحة العملياتية والاقتصاد والتماسك الاجتماعي. كما تقول وزارة الدفاع الإسرائيلية إن نحو 26 ألفًا من جرحى الحرب كانوا يتلقون خدمات التأهيل بحلول يوليو 2026، وإن نسبة كبيرة منهم طلبت مساعدة بسبب ضائقة نفسية أو أعراض ما بعد الصدمة ومشكلات تكيفية؛ وهي أرقام تخص المصابين المسجلين في منظومة التأهيل ولا يجوز تعميمها على الجيش كله. وهنا يكمن الفرق الدقيق: غزة أسقطت الاعتقاد بأن إسرائيل عاجزة عن الحرب الطويلة، لكنها لم تسقط حقيقة أن الحرب الطويلة تستنزف الإنسان والاقتصاد والاحتياط.
ثم إن الحرب الطويلة تكشف أوراقًا كما تكشف مواقع. لقد أظهرت إسرائيل تقدمًا استخباريًا وتقنيًا واضحًا، من الاغتيالات الدقيقة إلى اختراق وسائل الاتصال والعمليات التي فاجأت خصومها في لبنان وغيره؛ لكن كثرة استخدام الأداة تجعلها أيضًا أكثر قابلية للدراسة والتكيف معها. وهذه سنة في الحروب لا تخص إسرائيل وحدها: ما يكون مفاجأة في الجولة الأولى يدخل دفتر الخصم في الجولة التالية. وربما تحمل التوغلات الإسرائيلية وظيفة أخرى داخلية أيضًا، هي استعادة صورة المبادرة بعد صدمة السابع من أكتوبر ورفع الثقة داخل الجيش والمجتمع؛ فنتنياهو نفسه جعل «المبادرة والهجوم» عنوانًا لتغير العقيدة، لكن من الصعب إثبات أن رفع المعنويات أو صرف الأنظار عن الأزمات الداخلية هو الدافع الحاسم لهذه العمليات، ولذلك يبقى ذلك تفسيرًا سياسيًا محتملًا لا حقيقة مقررة. وهنا تستحق الذاكرة العربية أن تُستعاد لا لاستدعاء البطولات، بل لاستعادة درس الزمن: بعد أسابيع قليلة من نكسة يونيو 1967، وقفت قوة من ثلاثين مقاتلًا من الصاعقة المصرية في رأس العش أمام قوة إسرائيلية ضمت دبابات ومشاة ميكانيكية ومنعتها من الوصول إلى بورفؤاد؛ ثم جاءت الكرامة في 21 مارس 1968، حين خاض الجيش العربي الأردني ست عشرة ساعة من القتال وانسحبت القوات الإسرائيلية إلى غرب النهر. لم تلغِ المعركتان ميزان القوة، لكنهما أثبتتا أن هزيمة اللحظة لا تتحول بالضرورة إلى قانون للتاريخ.
وهنا أصل المسألة كلها: إسرائيل تستطيع أن تستفيد من ضعف اللحظة العربية، لكنها لا تستطيع أن تضمن دوامها. سوريا لن تبقى إلى الأبد في غرفة التعافي، والتكنولوجيا لا يحتكرها طرف إلى الأبد، ولا تبقى الانقسامات كما هي إلى الأبد. ولذلك فإن أقوى ما يملكه العرب ليس انتظار «سقطة» إسرائيلية ولا بناء استراتيجيتهم على خطأ غير محسوب من تل أبيب؛ بل تقليص الفراغ الذي يسمح لأي قوة بالانفراد بالمنطقة. اجتماع الكلمة العربية، ولو عند الحد الأدنى من المصالح المشتركة، هو في ذاته عنصر قوة وردع: تنسيق سياسي، وتكامل اقتصادي، وأمن جماعي، وتعاون في الدفاع والتكنولوجيا والمياه والطاقة. ولعل هذا هو جوهر ما يلح عليه جلالة الملك عبدالله الثاني في دعوته إلى الاستقرار والعمل المشترك: فالمنطقة لا تحتاج جبهة حرب جديدة بقدر ما تحتاج ميزانًا يمنع طرفًا واحدًا من أن يقرر مستقبلها. وعلى إسرائيل، وهي في ذروة تفوقها، أن تتذكر أن عام 2026 ليس عام 1967؛ لا لأن ميزان القوة انقلب، فهو لم ينقلب بهذه البساطة، وإنما لأن الصاروخ والمسيّرة والفضاء السيبراني وحروب المدن والمجتمعات التي تعلمت من نصف قرن من الصراع جعلت العمق أكثر هشاشة والحرب أكثر تعقيدًا. وأخطر ما يصيب القوة ليس أن يظهر لها خصم أقوى منها فجأة، بل أن تقيس مستقبل خصومها بضعف حاضرهم، ثم تتقدم خطوة إضافية في اللحظة التي كان ينبغي لها أن تتوقف فيها.
ولعل الجولان هو التفصيل الذي لا يجوز إسقاطه من الصورة؛ فمنه تبدأ ذاكرة المواجهة السورية–الإسرائيلية، وحوله وُلد اتفاق فصل القوات لعام 1974 وقوة الأمم المتحدة لمراقبة الفصل. وبعد انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024، سجلت الأمم المتحدة دخول قوات إسرائيلية إلى منطقة الفصل وبقاءها في مواقع متعددة، واعتبرت ذلك خرقًا لترتيبات 1974، بينما تقول إسرائيل إن تحركاتها مؤقتة ومرتبطة بأمن حدودها. وفي 2026 وصفت لجنة تحقيق أممية بعض التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري بأنها أصبحت أكثر رسوخًا، فيما نفت إسرائيل وجود أطماع إقليمية. لكن سوريا اليوم ليست سوريا 1967 أيضًا؛ الدولة ما تزال تداوي جراح حرب طويلة وتعيد بناء جيشها، وقد جرى خلال العامين الماضيين دمج تشكيلات وقوى مسلحة كانت تقاتل لسنوات بأساليب غير نظامية، بما فيها قوى كردية سابقة، في بنية الدولة الجديدة. وهذا لا يصنع تلقائيًا جيشًا متماسكًا أو متفوقًا، لكنه يعني أن البيئة القتالية السورية الجديدة تحمل خبرة مختلفة في حرب المدن والمسيّرات والكمائن والقتال غير التقليدي.
وقد تكون إحدى أهم نتائج غزة أنها دفنت نصف مقولة عربية قديمة وأبقت نصفها الآخر حيًا. كان كثيرون يرددون أن إسرائيل «لا تستطيع» خوض حرب طويلة؛ لكن السنوات التي أعقبت السابع من أكتوبر أثبتت قدرتها على إطالة القتال، وتوسيع الجبهات، واستدعاء الاحتياط، وتحمل قدر من الكلفة أكبر مما توقعه بعض المحللين العرب. إلا أن ذلك لا يعني أن الحرب الطويلة أصبحت ملائمة لبنيتها؛ فمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي نفسه يؤكد أن إسرائيل، بسبب صغر مساحتها واعتماد جيشها الكبير على الاحتياط المرتبط بالاقتصاد، تحتاج إلى حروب قصيرة وفعالة، وأن حروب الاستنزاف الطويلة تضر بالمصلحة العملياتية والاقتصاد والتماسك الاجتماعي. كما تقول وزارة الدفاع الإسرائيلية إن نحو 26 ألفًا من جرحى الحرب كانوا يتلقون خدمات التأهيل بحلول يوليو 2026، وإن نسبة كبيرة منهم طلبت مساعدة بسبب ضائقة نفسية أو أعراض ما بعد الصدمة ومشكلات تكيفية؛ وهي أرقام تخص المصابين المسجلين في منظومة التأهيل ولا يجوز تعميمها على الجيش كله. وهنا يكمن الفرق الدقيق: غزة أسقطت الاعتقاد بأن إسرائيل عاجزة عن الحرب الطويلة، لكنها لم تسقط حقيقة أن الحرب الطويلة تستنزف الإنسان والاقتصاد والاحتياط.
ثم إن الحرب الطويلة تكشف أوراقًا كما تكشف مواقع. لقد أظهرت إسرائيل تقدمًا استخباريًا وتقنيًا واضحًا، من الاغتيالات الدقيقة إلى اختراق وسائل الاتصال والعمليات التي فاجأت خصومها في لبنان وغيره؛ لكن كثرة استخدام الأداة تجعلها أيضًا أكثر قابلية للدراسة والتكيف معها. وهذه سنة في الحروب لا تخص إسرائيل وحدها: ما يكون مفاجأة في الجولة الأولى يدخل دفتر الخصم في الجولة التالية. وربما تحمل التوغلات الإسرائيلية وظيفة أخرى داخلية أيضًا، هي استعادة صورة المبادرة بعد صدمة السابع من أكتوبر ورفع الثقة داخل الجيش والمجتمع؛ فنتنياهو نفسه جعل «المبادرة والهجوم» عنوانًا لتغير العقيدة، لكن من الصعب إثبات أن رفع المعنويات أو صرف الأنظار عن الأزمات الداخلية هو الدافع الحاسم لهذه العمليات، ولذلك يبقى ذلك تفسيرًا سياسيًا محتملًا لا حقيقة مقررة. وهنا تستحق الذاكرة العربية أن تُستعاد لا لاستدعاء البطولات، بل لاستعادة درس الزمن: بعد أسابيع قليلة من نكسة يونيو 1967، وقفت قوة من ثلاثين مقاتلًا من الصاعقة المصرية في رأس العش أمام قوة إسرائيلية ضمت دبابات ومشاة ميكانيكية ومنعتها من الوصول إلى بورفؤاد؛ ثم جاءت الكرامة في 21 مارس 1968، حين خاض الجيش العربي الأردني ست عشرة ساعة من القتال وانسحبت القوات الإسرائيلية إلى غرب النهر. لم تلغِ المعركتان ميزان القوة، لكنهما أثبتتا أن هزيمة اللحظة لا تتحول بالضرورة إلى قانون للتاريخ.
وهنا أصل المسألة كلها: إسرائيل تستطيع أن تستفيد من ضعف اللحظة العربية، لكنها لا تستطيع أن تضمن دوامها. سوريا لن تبقى إلى الأبد في غرفة التعافي، والتكنولوجيا لا يحتكرها طرف إلى الأبد، ولا تبقى الانقسامات كما هي إلى الأبد. ولذلك فإن أقوى ما يملكه العرب ليس انتظار «سقطة» إسرائيلية ولا بناء استراتيجيتهم على خطأ غير محسوب من تل أبيب؛ بل تقليص الفراغ الذي يسمح لأي قوة بالانفراد بالمنطقة. اجتماع الكلمة العربية، ولو عند الحد الأدنى من المصالح المشتركة، هو في ذاته عنصر قوة وردع: تنسيق سياسي، وتكامل اقتصادي، وأمن جماعي، وتعاون في الدفاع والتكنولوجيا والمياه والطاقة. ولعل هذا هو جوهر ما يلح عليه جلالة الملك عبدالله الثاني في دعوته إلى الاستقرار والعمل المشترك: فالمنطقة لا تحتاج جبهة حرب جديدة بقدر ما تحتاج ميزانًا يمنع طرفًا واحدًا من أن يقرر مستقبلها. وعلى إسرائيل، وهي في ذروة تفوقها، أن تتذكر أن عام 2026 ليس عام 1967؛ لا لأن ميزان القوة انقلب، فهو لم ينقلب بهذه البساطة، وإنما لأن الصاروخ والمسيّرة والفضاء السيبراني وحروب المدن والمجتمعات التي تعلمت من نصف قرن من الصراع جعلت العمق أكثر هشاشة والحرب أكثر تعقيدًا. وأخطر ما يصيب القوة ليس أن يظهر لها خصم أقوى منها فجأة، بل أن تقيس مستقبل خصومها بضعف حاضرهم، ثم تتقدم خطوة إضافية في اللحظة التي كان ينبغي لها أن تتوقف فيها.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات