د.مارسيل جوينات تكتب: حين تصبح حماية المسيحيين حماية لذاكرة المكان: قراءة في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9584
د.مارسيل جوينات تكتب: حين تصبح حماية المسيحيين حماية لذاكرة المكان: قراءة في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني
د. مارسيل جوينات

د. مارسيل جوينات

لم تكن إشارة الملك عبدالله الثاني، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى أن الأردن «يحمي المسيحية، مجتمعاتها وإرثها، في موطنها الأصلي والتاريخي» عبارة عابرة، بل حملت دلالة ترتبط بالتاريخ والهوية والتنوع وذاكرة المكان.

فالحديث عن المسيحية في «موطنها الأصلي والتاريخي» يضع الحضور المسيحي في سياقه الأوسع، ويعيد التأكيد على أن المسيحية جزء من تاريخ هذه المنطقة منذ بداياتها الأولى، وأن وجود المسيحيين فيها يمتد إلى أكثر من ألفي عام من التاريخ الديني والثقافي والحضاري.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين البعد العددي والبعد التاريخي؛ فمفهوم «الأقلية» قد يصف حجم جماعة دينية في مرحلة معينة، لكنه لا يختصر تاريخها، ولا يعكس بالضرورة عمق إسهامها في تشكيل المجتمع وذاكرته.

ومن هذه الزاوية، تصبح حماية المسيحيين أكثر من مفهوم يتعلق بالحماية المباشرة للحقوق والحريات؛ إنها أيضًا اهتمام بالحفاظ على مكوّن من مكونات الذاكرة التاريخية للمكان.

لا يبدأ الحديث عن المسيحية في الأردن والمنطقة من الحاضر، وإنما يمتد إلى القرون الأولى للميلاد. وتقدم المواقع الدينية والأثرية في الأردن شواهد مهمة على هذه الجذور، وفي مقدمتها موقع المغطس، المعروف في المصادر المسيحية باسم «بيت عنيا عبر الأردن».

ويرتبط الموقع بعماد السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان، وقد أدرجته منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي عام 2015. ويضم الموقع بقايا كنائس وأديرة ومغارات وأحواض معمودية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، وتشير هذه الشواهد إلى المكانة الدينية التي اكتسبتها المنطقة في التاريخ المسيحي.

ولا تعني هذه الشواهد، بصورة منفردة، إثبات استمرارية سكانية مسيحية متصلة بالوتيرة نفسها عبر جميع مراحل التاريخ؛ إلا أنها تؤكد عمق الجذور المسيحية في هذه الجغرافيا، وتوضح أن الأردن جزء من مساحة تاريخية ارتبطت بنشأة المسيحية وانتشارها وتطور مؤسساتها وذاكرتها.

ومن هنا، فإن الحديث عن الحضور المسيحي لأكثر من ألفي عام ينبغي أن يفهم في إطار العمق التاريخي للمسيحية في المنطقة، مع التمييز بين هذا العمق وبين الادعاء باستمرارية ديموغرافية ثابتة في كل مرحلة تاريخية. وهذا التمييز لا يقلل من أهمية الحضور المسيحي، بل يمنحه قراءة أكثر دقة واتزان.

المكان التاريخي لا يتكون من الأبنية والآثار وحدها؛ فالكنيسة والدير والموقع الديني تكتسب قيمتها أيضًا من الذاكرة الإنسانية المرتبطة بها، ومن الجماعات التي حافظت على تقاليدها وممارساتها ونقلت معانيها عبر الأجيال.

ومن هنا، فإن حماية التراث المسيحي لا تقتصر على المحافظة على المباني أو المواقع الأثرية، رغم أهمية ذلك، وإنما تشمل كذلك صون الذاكرة الثقافية والدينية المرتبطة بها.

فالتراث الحي هو الذي يجمع بين المكان والإنسان؛ بين الموقع التاريخي والجماعة التي تعرف معناه وتحافظ على حضوره في الحياة اليومية.

وعندما نتحدث عن حماية المسيحية ومجتمعاتها وإرثها، فإن هذه العناصر الثلاثة تبدو مترابطة: الإنسان، والمكان، والذاكرة.

وهذا ما يجعل عبارة «موطنها الأصلي والتاريخي» ذات دلالة خاصة؛ فهي تربط الحاضر بجذور تاريخية ممتدة، وتضع التنوع الديني في سياق تاريخي أوسع.

جاء الحديث الملكي عن المسيحية ضمن خطاب أوسع تناول عدد من القضايا المرتبطة بالتطرف والكراهية، وصورة الإسلام، والحوار، ودور الأردن في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة التأكيد على حماية المسيحية بوصفه جزء من رؤية أوسع للتنوع الديني والثقافي، لا باعتباره قضية منفصلة عن بقية مكونات المجتمع.

فالتنوع في المجتمعات التاريخية لا ينشأ في لحظة واحدة، وإنما يتشكل عبر تراكم طويل من التفاعل بين الجماعات والأديان والثقافات.

والأردن، بحكم موقعه وتاريخه، يحتفظ بشواهد متعددة على هذا التفاعل؛ من المواقع المسيحية القديمة إلى المدن والقرى التي عاشت فيها جماعات دينية متعددة، وأسهمت في الحياة الاجتماعية والثقافية والوطنية.

ولهذا، فإن الحفاظ على التنوع لا يعني فقط حماية اختلاف ديني، بل الحفاظ على جانب من ثراء المجتمع وتعدد رواياته التاريخية.

ومن المهم أن ينظر الى المسيحيين ليس فقط من زاوية تاريخهم، وإنما أيضًا من زاوية حضورهم المعاصر ودورهم في المجتمع.

فالمجتمع المسيحي في الأردن جزء من النسيج الوطني، وله إسهاماته في التعليم والثقافة والاقتصاد والحياة الاجتماعية والمؤسساتية، إلى جانب دوره في الحفاظ على المواقع والتقاليد والتراث المسيحي.

ومن هنا، فإن حماية الحضور المسيحي لا تكتمل بالحفاظ على المواقع الدينية والتراثية وحدها، وإنما ترتبط أيضًا بضمان ممارسة الشعائر، وصون الحقوق، وتعزيز المشاركة في الحياة العامة والتشاركية بين أفراد المجتمع.

كما أن الاستماع إلى احتياجات المسيحيين وتطلعاتهم يظل عنصر مهم في بناء سياسات تراعي خصوصية الجماعات المختلفة، وتحافظ في الوقت نفسه على مفهوم المواطنة الجامعة.

فالحضور المسيحي ليس مجرد ذاكرة للماضي؛ إنه أيضًا حضور في الحاضر وإسهام في المستقبل.

وتكتسب الإشارة الملكية أهميتها بصورة أكبر عندما تُقرأ باعتبارها مساحة يمكن البناء عليها في الواقع العملي.

فالكلمات التي تؤكد أن المسيحية ومجتمعاتها وإرثها موجودة في «موطنها الأصلي والتاريخي» تستحق أن تجد صداها في مستوى المؤسسات والمجتمع، من خلال مزيد من الاستماع إلى المسيحيين، وفهم احتياجاتهم، وإشراكهم في القضايا التي تتصل بمستقبلهم وحضورهم.

كما يمتلك الأردن موقع خاص على الخريطة السياحة والحج المسيحي، ليس فقط بسبب عدد المواقع الدينية الموجودة فيه، وإنما بسبب ارتباط بعضها بأحداث وشخصيات مركزية في التاريخ المسيحي.

إن قراءة خطاب الملك عبدالله الثاني من زاوية حديثه عن المسيحيين والتنوع تقود إلى مساحة أوسع من مجرد الحديث عن حماية جماعة دينية؛ إنها قراءة في علاقة الإنسان بالمكان، وفي كيفية الحفاظ على تاريخ تشكل عبر قرون طويلة.

فالحضور المسيحي في هذه المنطقة يمتد إلى أكثر من ألفي عام، وتقدم المواقع الدينية والأثرية شواهد مهمة على عمق هذه الجذور. وفي الوقت ذاته، فإن الحاضر يفرض مسؤولية الحفاظ على هذا التنوع، ليس باعتباره جزءًا من الماضي فحسب، وإنما باعتباره مكوّن من مكونات المجتمع.

ومن هنا، فإن ما ورد في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني يفتح مساحة مهمة للتأمل في معنى الحضور المسيحي في الأردن والمنطقة، ليس باعتباره حضور ديني فحسب، وإنما بوصفه جزء من تاريخ المكان وتنوعه الثقافي والحضاري.

وتبقى أهمية هذه الرؤية في قدرتها على الانتقال من الخطاب إلى الممارسة، من خلال الاستماع إلى المسيحيين، وصون حقوقهم، وحماية تراثهم، وتعزيز مشاركتهم في الحياة العامة.

فالتنوع حين يُصان يصبح جزء من قوة المجتمع وثرائه، والذاكرة حين تُحفظ بكل مكوناتها تمنح الأجيال المقبلة صورة أكثر اكتمال عن تاريخ المكان.

لذا تعد حماية المسيحية ومجتمعاتها وإرثها في موطنها التاريخي يمكن أن تُقرأ باعتبارها مسؤولية تتجاوز حدود الحاضر، لتصل إلى حق الأجيال المقبلة في أن تعرف تاريخ المكان بكل مكوناته، وأن ترى التنوع بوصفه امتداد طبيعي لتاريخ طويل من التفاعل والعيش المشترك والمشاركه والتشاركية في جميع مجالات الحياة المختلفة، وبكل تفاصيلها المختلفة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم