الطراونة يكتب: هل يمكن العودة للأجندة الوطنية الأردنية في ظل التحديث الاقتصادي والسياسي

منذ 41 دقيقة
المشاهدات : 13044
 الطراونة يكتب: هل يمكن العودة للأجندة الوطنية الأردنية في ظل التحديث الاقتصادي والسياسي
د. حسين احمد الطراونة

د. حسين احمد الطراونة

شهد الأردن على مدى العقود الماضية محاولات متعددة لصياغة رؤى استراتيجية تهدف إلى النهوض بالدولة وتطوير مؤسساتها. وكانت الأجندة الوطنية التي أُطلقت عام 2005 واحدة من أكثر المبادرات التخطيطية طموحاً وشمولاً، حيث وضعت خارطة طريق لعشر سنوات شملت مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. غير أن تحولات المشهد المحلي والإقليمي، إلى جانب التحديات المعقدة المتلاحقة، تثير سؤالاً محورياً اليوم حول مدى إمكانية العودة لتبنّي الأجندة الوطنية، وما إذا كان النهوض بالواقع يتطلب تكييف مخرجاتها وفق المعطيات والمستجدات الراهنة والمستقبلية لحماية المجتمع الأردني وتلبية تطلعاته.

جاءت الأجندة الوطنية في أصلها للاستجابة لمتطلبات تحديث الإدارة العامة، وتعزيز النمو الاقتصادي، وتحسين الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والتدريب المهني. وعلى الرغم من حزمة التوصيات التفصيلية التي قدمتها، إلا أن التطبيق الفعلي واجه عقبات متعددة أدت إلى تعثر ترجمتها بالكامل على أرض الواقع. واليوم، يواجه الأردن بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد تتسم بارتفاع نسب البطالة، وازدياد العجز في الموازنة، وتصاعد كلفة المعيشة. يُضاف إلى ذلك التأثير المباشر للنزاعات المجاورة وما أحدثته من ضغط متزايد على البنية التحتية، وخاصة قطاعات المياه والصحة والتعليم وسوق العمل، فضلاً عن صعود اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي الذي يتطلب إعادة تأهيل شاملة للقوى العاملة.
إن أية مراجعة أو إعادة إحياء لرؤى الأجندة الوطنية يجب أن تضع في مقدمة أولوياتها حماية الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمواطن الأردني.حيث يقوم على استقرار المجتمعات بالدرجة الأولى على تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأقل دخلاً، وتوجيه الدعم المباشر ومكافحة التضخم، بما يضمن صمود الأسر الأردنية أمام التقلبات الاقتصادية العالمية. كما يبرز الملف المائي والغذائي في الأردن كخط دفاع أول لسلامة المجتمع، مما يتطلب توسيع الاستثمار في مشاريع التحلية، وتطوير تكنولوجيا الزراعة الذكية، وبناء مخزون استراتيجي يحمي الدولة من تذبذب سلاسل الإمداد العالمية. وتكتمل هذه الوقاية بتوفير تغطية صحية شاملة وعدالة في توزيع الخدمات الطبية بين المحافظات وتأهيل المستشفيات الحكومية لردع أي أزمات صحية طارئة.
وللخروج من حالة التشخيص إلى مرحلة المعالجة الناجعة للتحديات المجتمعية، يتطلب المشهد التنموي والسياسي أدوات جديدة تتناسب مع الواقع الراهن. حيث تُعد البطالة التحدي الأكبر الذي يواجه شباب الوطن، وتقتضي معالجتها ربط مخرجات التعليم العالي والمهني باحتياجات السوق الحديثة، وتشجيع الريادة والابتكار، وتسهيل بيئة الأعمال للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تخلق فرص عمل مستدامة. وفي الوقت ذاته، يظل التعليم الرافعة الأساسية للأجيال القادمة، مما يستدعي إعادة صياغة المناهج وتوفير بيئة تعليمية رقمية تمكّن الطلبة من امتلاك مهارات التحليل والتفكير النقدي بعيداً عن التلقين التقليدي.
يرتبط نجاح أي إصلاح تنموي بكفاءة الجهاز الحكومي وتحديث الإدارة العامة، إذ تتطلب المرحلة الحالية تفعيل المساءلة، وحوكمة الأداء، والحد من البيروقراطية من خلال التحول الرقمي الشامل لتسهيل المعاملات والحد من الممارسات التي تعطيل مسار التنمية. إلى جانب ذلك، تقتضي متطلبات التحديث السياسي توسيع المشاركة الشعبية والحزبية، وتطوير منظومة التشريعات بما يعزز دور الشباب والمرأة، ويرسخ دولة القانون والمواطنة الفاعلة، لضمان تلاحم مجتمعي صلب قادر على مواجهة الاضطرابات الخارجية.
إن العودة للأجندة الوطنية بالشكل الذي صُممت به عام 2005 لم يعد ممكناً بصورته الحرفية نظراً لتغير الأدوات والظروف، غير أن العودة لمروحيتها وفكرها التخطيطي الشامل تُعد ضرورة ملحّة. والمطلوب اليوم هو دمج فكر الأجندة الوطنية مع مسارات التحديث الثلاثة الراهنة، السياسية والاقتصادية والإدارية، مع الاستجابة للسيناريوهات المستقبلية كالتحول نحو الطاقة النظيفة، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في إدارة المرافق والخدمات، وبناء مرونة مؤسسية تتكيف سريعاً مع المتغيرات الأمنية والجيوسياسية في المنطقة دون تعطيل وتيرة التنمية الداخلية.
تتجسد العودة الفعالة للأجندة الوطنية الأردنية في استعادة النهج التخطيطي المؤسسي المعتمد على الأرقام والمؤشرات والجداول الزمنية المحددة، بدلاً من الاستنساخ الحرفي للنصوص والخطط السابقة. إن حماية الشعب الأردني وتمكينه من مواجهة أزمات اليوم والغد تتطلب رؤية تجمع بين مرونة التعامل مع المستجدات وجدية الالتزام بالتطبيق. ومتى ما التقت الإرادة الوطنية مع الخطط العملية القابلة للقياس، سيظل الأردن قادراً على تجاوز التحديات وبناء مستقبل آمن ومستدام لجميع أبنائه.
الاستاذ الدكتور حسين احمد الطراونة
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم