من يقف اليوم على أحد جبال عمّان وينظر إلى المدينة طويلًا، سيكتشف شيئًا لا تقوله الأبنية وحدها، هذه ليست المدينة نفسها التي كانت في ذاكرة آبائنا، ولسنا نحن الأردنيين الذين كنا عليها قبل سنوات طويلة.
عمّان التي عرفها جيل آبائنا كانت أكثر بساطة، بيوت متقاربة، محال صغيرة يعرف أصحابها بعضهم بعضًا، وجيران يتقاسمون تفاصيل الحياة اليومية، ووجوه مألوفة تصادفها في الحي أكثر مما تصادفها على شاشات الهواتف.
أما عمّان اليوم، فقد كبرت كثيرًا. تمددت المباني، ازدحمت الشوارع، تضاعفت السيارات، وتغيرت تفاصيل الحياة معها. لم تعد المدينة التي يعرف فيها الجميع بعضهم بعضًا، بل أصبحت مدينة واسعة تتسارع فيها الحياة، وتتغير فيها الوجوه والأماكن بوتيرة يصعب معها الاحتفاظ بكل شيء في الذاكرة.
لكن التغيير لم يكن في شكل المدينة وحده، فالحياة نفسها أصبحت أكثر تعقيدًا. الإيجار، الأقساط، المدارس، الجامعات، المواصلات، وفواتير الحياة اليومية، كلها أصبحت جزءًا من حسابات الأسرة الأردنية، فيما يحاول كثير من الناس الحفاظ على مستوى معيشي مناسب في ظل متطلبات تتزايد عامًا بعد آخر.
والشباب، الذين ينظرون إلى سنوات الدراسة باعتبارها الطريق إلى مستقبل أفضل، يجد بعضهم نفسه بعد الحصول على الشهادة أمام سؤال آخر أكثر صعوبة: وماذا بعد الشهادة؟
هذا السؤال لا يتعلق بالوظيفة وحدها، بل بما يريده الشاب من حياته، هل يستطيع أن يجد فرصة تمنحه الاستقرار؟ هل يستطيع أن يبدأ حياته دون أن تبقى سنوات طويلة معلقة على فرصة قد تأتي أو لا تأتي؟ وهل يستطيع أن يرى في بلده مساحة حقيقية لتحقيق طموحه؟
وفي المقابل، تحاول الطبقة الوسطى الحفاظ على توازنها وسط هذه التحولات. فالمسألة بالنسبة لكثير من الأسر لم تعد مرتبطة بتحسين مستوى المعيشة فقط، بل بالمحافظة على ما استطاعت بناءه خلال سنوات من العمل.
ومع ذلك، بقيت عمّان والأردن عمومًا يحملان شيئًا يصعب اختزاله بالأرقام، وهو الإحساس بالأمان والاستقرار الذي يقدّره كثير من الناس، خصوصًا في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية أزمات وحروبًا واضطرابات تركت آثارها على محيط الأردن.
لكن الاستقرار وحده لا يكفي دائمًا لصناعة المستقبل. الإنسان يحتاج أيضًا إلى فرصة، وإلى شعور بالكرامة، وإلى قدرة على التخطيط لحياته دون أن تتحول كل خطوة إلى معركة مع الظروف.
حتى العلاقات الاجتماعية تغيرت. لم تعد الزيارات كما كانت، ولا الأحاديث اليومية كما كانت، وأصبحت الهواتف والشاشات حاضرة في تفاصيل كثيرة من حياتنا. قد يجلس أفراد الأسرة في المكان نفسه، لكن كل واحد منهم يعيش جزءًا من وقته داخل عالم مختلف على شاشة صغيرة.
ومع ذلك، لا تزال في المجتمع الأردني صور كثيرة من التكافل والكرم والوقوف إلى جانب الآخرين. في الأزمات، وفي الأفراح والأحزان، تظهر تلك الروح التي يعرفها الأردنيون جيدًا، وكأن بعض الأشياء قادرة على الصمود مهما تغيرت المدينة من حولها.
ربما المشكلة ليست في أن عمّان تغيرت، فالتغيير جزء طبيعي من حياة المدن. المشكلة الحقيقية هي كيف نحافظ على ذاكرتنا ونحن نبني المستقبل، وكيف نمنح أبناءنا مدينة حديثة دون أن نتركهم غرباء عن قصصها وأحيائها وبيوتها القديمة وأسماء شوارعها وذكريات من سبقوهم.
التطور ليس عدوًا للذاكرة، والحداثة لا تعني بالضرورة التخلي عن كل ما كان جميلًا. يمكن للمدينة أن تكبر، وأن تتغير، وأن تحتفظ في الوقت نفسه بجزء من روحها.
ولهذا ربما يكون السؤال الأهم ليس ماذا خسرنا من عمّان القديمة، بل ماذا نريد أن نترك لأبنائنا من عمّان الجديدة؟
ماذا سيجد طفل اليوم عندما يقف بعد عشرين عامًا في المكان نفسه وينظر إلى المدينة؟ هل سيراها مجرد أبنية وطرق ومشاريع، أم سيجد فيها شيئًا من الحكايات التي جعلت هذه المدينة أكثر من مجرد مكان للسكن؟
عمّان ستواصل التغير، وهذا أمر لا يمكن إيقافه، لكن يمكن أن نختار كيف يكون هذا التغيير، وأن نحاول أن نحفظ من ذاكرتنا ما يستحق أن يبقى.
فإن عمّان، مهما تغيرت ملامحها، لن تكون قد فقدت شيئًا جوهريًا. ستكون فقط قد كبرت. وكبر معها الأردن.
امل خضر تكتب: عَمّان المدينة التي كبرت والأردني الذي ظلّ يحملها في قلبه
منذ 2 ساعة
المشاهدات :
31983
امل خضر
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
02
03
04
آخر الأخبار
مقالات منوعة
المفتي البراج يكتب: قراءة في خطابة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك
منذ 4 أيام
مقالات منوعة
محيلان يكتب: ما هكذا تورد الإبل .. يا اتحاد الكرة! والكلمة الطيبة سحر!
منذ 4 أيام
مقالات منوعة
موفق ابو دلبوح يكتب: خطاب ملكي وضع العالم أمام مرآته
منذ 4 أيام
مقالات منوعة
احمد علي الرفاعي يكتب: الاردن يتحدث بثقة ويحمي مصالحه
منذ 4 أيام
مقالات منوعة
الرواحنه يكتب: شجاعة الملك
منذ 4 أيام
أخبار فنية
فن
أحمد سعد يطلق علياء بسيوني للمرة الثالثة غيابياً
منذ 2 ساعة
فن
بتهمة حيازة مخدرات .. إحالة المطرب مجدي شطة للجنايات
منذ 3 ساعات
فن
يسرا تهنئ عمرو دياب بعد لقبه الثاني في غينيس: جزء من تاريخ الموسيقى العربية
منذ 4 ساعات
فن
عمرو دياب بعد صدارة "100 فنان عربي": سعادة جمهوري هي محور اهتمامي
منذ 5 ساعات
فن
أحمد سعد يعلق على تصريحه المثير بشأن "الفن التافه"
منذ 7 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
إصابة تعيد إيساك إلى ليفربول
منذ 1 دقيقة
رياضة
عودة اسم فراس معلا إلى واجهة تمثيل سوريا رياضيا تثير الجدل
منذ 2 ساعة
رياضة
لامين جمال يحقق رقما قياسيا مع منتخب إسبانيا
منذ 2 ساعة
رياضة
في سن 41 .. مودريتش يهز شباك التشيك ويواصل كتابة التاريخ
منذ 2 ساعة
رياضة
كلوب: وفاة جوتا تسببت في هبوط مستوى فيرتز
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
"البقرة الضاحكة" تفقد ابتسامتها الشهيرة لأول مرة منذ 100 عام
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
ذوات الدم البارد ليست صامتة بل تثرثر أيضا .. باحثون يترجمون لغة الزواحف
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منطقة سكنك قد تؤثر في خطر إصابتك بالخرف
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
لماذا لا نعطس أثناء النوم؟ .. السر في الدماغ
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
اليونان .. 6 قتلى بينهم 4 أميركيين في انفجار أثينا
منذ 7 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات