في عالم تتزاحم فيه الأزمات وتتسابق الدول على النفوذ، لم تعد قوة الدولة تُقاس بما تمتلكه من أدوات مادية فحسب، بل بما تصنعه من ثقة، وما ترسخه من صورة ذهنية، وما تحققه من تأثير عبر قيمها ومصداقيتها. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بوصفه تعبيرًا واضحًا عن ملامح القوة الناعمة الأردنية. بدأ جلالة الملك خطابه من مفهوم لافت هو «الانتباه»؛ ففي عالم تتدفق فيه الأخبار والأزمات، يصبح انتباه المجتمع الدولي موردًا نادرًا.
وهذه البداية تتجاوز الأسلوب الخطابي إلى جوهر الاتصال السياسي؛ فالتأثير لا يقوم فقط على امتلاك القوة، بل على القدرة على توجيه الاهتمام وصياغة الرواية وتحديد القضايا التي ينبغي ألا تغيب عن الضمير العالمي. وفي مقدمة هذه القضايا جاءت فلسطين والقدس. فقد وضع الملك القضية الفلسطينية في إطار العدالة والقانون الدولي وحقوق الإنسان، وهو ما يمنح الموقف الأردني بعدًا قيميًا يتجاوز المصالح السياسية المباشرة. كما برزت الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس بوصفها رصيدًا تاريخيًا ودينيًا ودبلوماسيًا يمنح الأردن حضورًا رمزيًا يتجاوز حجمه الجغرافي وإمكاناته المادية.
ويتجلى بُعدٌ آخر للقوة الناعمة الأردنية في تقديم الأردن نموذجًا للاعتدال والتعايش، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام، وحماية الوجود والتراث المسيحي في المنطقة. وهي عناصر أسهمت على مدى سنوات في بناء صورة الأردن باعتباره مساحة للحوار والتسامح في منطقة مثقلة بالصراعات. ولم يقتصر الخطاب على القيم والمواقف؛ فالإشارة إلى المستشفيات الميدانية والمساعدات ودعم الشعب الفلسطيني تكشف عن بُعدٍ مهم آخر هو الدبلوماسية الإنسانية، حيث تتحول القيم من خطاب سياسي إلى ممارسة على الأرض، وتصبح المساعدة الإنسانية أداة لبناء الثقة والصورة الإيجابية للدولة. لكن الكلمة المفتاحية التي يمكن أن تختصر الخطاب كله هي «الثقة».
فالقوة الناعمة الأردنية لا تستند إلى مورد واحد، وإنما إلى منظومة تجمع بين القيادة الهاشمية، والمصداقية السياسية، والدبلوماسية، والاعتدال، والوصاية الهاشمية، والدور الإنساني، والدفاع عن القضايا العادلة. لقد حمل خطاب جلالة الملك رسالة سياسية إلى العالم، لكنه حمل في الوقت ذاته رسالة عن هوية الأردن والصورة التي يقدم بها نفسه دوليًا: دولة تتمسك بمبادئها، وتنفتح على الحوار، وتدافع عن السلام والعدالة، وتسعى إلى بناء الثقة. وفي عالم تتغير فيه موازين القوة سريعًا، قد لا تكون قوة الأردن في أن يكون الأعلى صوتًا، بل في أن يكون صوتًا يُوثق به. وتلك في جوهرها، هي القوة الناعمة الأردنية.
بقلم: د. طلال الحبيلي السِّرحان باحث في القوة الناعمة / أردني مقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة
وهذه البداية تتجاوز الأسلوب الخطابي إلى جوهر الاتصال السياسي؛ فالتأثير لا يقوم فقط على امتلاك القوة، بل على القدرة على توجيه الاهتمام وصياغة الرواية وتحديد القضايا التي ينبغي ألا تغيب عن الضمير العالمي. وفي مقدمة هذه القضايا جاءت فلسطين والقدس. فقد وضع الملك القضية الفلسطينية في إطار العدالة والقانون الدولي وحقوق الإنسان، وهو ما يمنح الموقف الأردني بعدًا قيميًا يتجاوز المصالح السياسية المباشرة. كما برزت الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس بوصفها رصيدًا تاريخيًا ودينيًا ودبلوماسيًا يمنح الأردن حضورًا رمزيًا يتجاوز حجمه الجغرافي وإمكاناته المادية.
ويتجلى بُعدٌ آخر للقوة الناعمة الأردنية في تقديم الأردن نموذجًا للاعتدال والتعايش، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام، وحماية الوجود والتراث المسيحي في المنطقة. وهي عناصر أسهمت على مدى سنوات في بناء صورة الأردن باعتباره مساحة للحوار والتسامح في منطقة مثقلة بالصراعات. ولم يقتصر الخطاب على القيم والمواقف؛ فالإشارة إلى المستشفيات الميدانية والمساعدات ودعم الشعب الفلسطيني تكشف عن بُعدٍ مهم آخر هو الدبلوماسية الإنسانية، حيث تتحول القيم من خطاب سياسي إلى ممارسة على الأرض، وتصبح المساعدة الإنسانية أداة لبناء الثقة والصورة الإيجابية للدولة. لكن الكلمة المفتاحية التي يمكن أن تختصر الخطاب كله هي «الثقة».
فالقوة الناعمة الأردنية لا تستند إلى مورد واحد، وإنما إلى منظومة تجمع بين القيادة الهاشمية، والمصداقية السياسية، والدبلوماسية، والاعتدال، والوصاية الهاشمية، والدور الإنساني، والدفاع عن القضايا العادلة. لقد حمل خطاب جلالة الملك رسالة سياسية إلى العالم، لكنه حمل في الوقت ذاته رسالة عن هوية الأردن والصورة التي يقدم بها نفسه دوليًا: دولة تتمسك بمبادئها، وتنفتح على الحوار، وتدافع عن السلام والعدالة، وتسعى إلى بناء الثقة. وفي عالم تتغير فيه موازين القوة سريعًا، قد لا تكون قوة الأردن في أن يكون الأعلى صوتًا، بل في أن يكون صوتًا يُوثق به. وتلك في جوهرها، هي القوة الناعمة الأردنية.
بقلم: د. طلال الحبيلي السِّرحان باحث في القوة الناعمة / أردني مقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات