وصفي عبيدات يكتب: أعراسنا بين الماضي والحاضر .. كنا نبني بيتا! فهل أصبحنا نبني ليلة؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13337
وصفي عبيدات يكتب: أعراسنا بين الماضي والحاضر ..  كنا نبني بيتا! فهل أصبحنا نبني ليلة؟
المهندس وصفي عبيدات

المهندس وصفي عبيدات

كانت أعراسنا قديما بسيطة لكنها لم تكن فقيرة بالفرح ، ساحة بيت ، أو قطعة أرض ، كراسٍ يجمعها الجيران ، قهوة تدور بين الرجال ، زغاريد تسمعها الحارة كلها ودبكة لا تحتاج إلى منظم حفلات ليخبر الناس متى يفرحون!

كان الجار يأتي ليخدم والقريب ليساعد والصديق يسأل ماذا ينقصكم؟ لم تكن قيمة العرس بما دُفع فيه بل بمن حضره وبالمحبة التي أحاطت بالعروسين ، فهل كان الماضي أجمل في كل شيء؟ بالتأكيد لا

لقد تطورت الحياة وتطورت معها أعراسنا ، أصبحت القاعات أجمل والتنظيم أفضل والتصوير أكثر احترافا والخدمات أرقى وأصبح للعروسين خيارات لم تكن متاحة لأجيال سبقتهم
لسنا هنا لنبكي على ماض رحل ولا لنحاكم حاضرا تطور ، نحن نبحث عن نقطة يلتقي عندها جمال الحاضر ببساطة الماضي !
اهنا اسأل :لماذا تحول فرحنا إلى فاتورة؟
قاعة ، ذهب ، فستان ، صالون ، مكياج ، شعر ، مانيكير وبديكير ، تصوير ، ورد ، زفة ، سيارات ، منظم حفل ، ولائم ، حنة ، سهرات ثم شهر عسل ، وكل بند يقول للآخر وأنا أيضا لا بد مني!

ويقف العريس في بداية المفاوضات شامخا واثقا من قدراته المالية يقول لعروسه العبارة التاريخية
«إنتِ فصّلي… وأنا بلبس!» يا مسكين!
لم يكن يعلم أن المخططات الأولية شيء وأن التنفيذ على أرض الواقع شيء آخر ! تبدأ بعدها الأوامر التغييرية ويظهر ما لم يكن في جدول الكميات وترتفع الكلفة ويحاول المسكين معرفة أين انتهى العقد الأصلي وأين بدأت الأعمال الإضافية لكنه يغيب في عالم الأرقام!

نحن هنا لا نتهم عروسا ولا عريسا ، فالعروس أيضا ابنة مجتمع والعريس ابن المجتمع نفسه والأهل شركاء والعادات شريك والمقارنات الاجتماعية ربما تكون الشريك الأكبر «بنت فلان عملت كذا…» «وابن فلان أحضر كذا…» «وقاعة فلان كانت أفخم…» «وماذا سيقول الناس؟» وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية !

متى أصبحنا نقيس فرحتنا بأفراح الآخرين؟ولمن نقيم العرس أصلا ؟ للعروسين أم للناس؟ ولماذا نخشى أن يقول الناس «عرس فلان كان بسيطا» أكثر مما نخشى أن يبدأ فلان حياته الزوجية مثقلا بالدَّين؟

ثم يأتي دور المعازيم!
تصل بطاقة الدعوة إلى البيت فتبدأ أحيانا جلسة مفاوضات عائلية صغيرة ! الزوج يتثاقل والزوجة تقول: «عيب… الناس إجوا على أفراحنا!»
يحاول الرجل تقليص الوفد فيدخل الأبناء على خط المفاوضات وهنا يكتشف الأب أن الأغلبية لم تعد معه! ، فيركب الجميع ويذهبون ويحضرون العرس ويباركون ويعود الأب إلى سيارته مطمئنا أن المهمة انتهت بأقل الخسائر ، وما إن تتحرك السيارة حتى يأتيه الصوت من المقعد الخلفي«بابا… جعنا!» فيكتشف أن آخر بند في فاتورة العرس لم يكن داخل القاعة أصلا بل كان ينتظره في طريق العودة!
هذه تفاصيل نضحك عليهاولكن خلف بعض ضحكاتنا وجع حقيقي. ، فكم أب ضغط على نفسه حتى لا يشعر أن ابنته أقل من غيرها؟ةوكم أم أرهقتها المقارنات؟ وكم شابٍ استدان حتى يقدم ليلة تليق بما يريده الناس؟ وكم فتاة ربما أرادت البساطة لكن دوامة المجتمع قالت لها هذه ليلة العمر! نعم إنها ليلة العمر ولكن العمر ليس ليلة! وهنا السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هل نريد أن نبني لأبنائنا عرسا أم نريد أن نبني لهم بيتا؟
فالقاعة تُطفأ أنوارها بعد ساعات والورد يذبل والفستان يعود إلى خزانته والصور تبقى في الهاتف أو الألبوم والمدعوون يعودون إلى بيوتهم وكل واحد منهم ينشغل في صباح اليوم التالي بحياته ويبقى اثنان فقط العروس والعريس ، يستيقظان في اليوم التالي أمام الحياة الحقيقية ، بيت ومسؤوليات ومصاريف وربما أقساط وديون كان جزء منها ثمن ساعات انتهت في منتصف الليل وهنا تتوقف الضحكة قليلا ، فما قيمة أن نصفق لشاب ساعتين ثم نتركه سنوات يسدد ثمن تصفيقنا؟ وما قيمة أن نصنع لابنتنا ليلة تشبه الحلم إذا كانت بداية صباحها مثقلة بما كان يمكن الاستغناء عنه؟

ديننا جعل الزواج سكنا ومودة ورحمة ، فلماذا نضع أمام هذا السكن كل هذه الحواجز؟ ولماذا لا يعود الأهل والأصدقاء كما كانوا جزءا من التيسير بدل أن تتحول المقارنات الاجتماعية ولو من غير قصد إلى سبب في التعسير؟
نحن لا ندعو إلى إلغاء الفرح! افرحوا غنّوا زغردوا أقيموا الأفراح البسوا أجمل الثياب أكرموا ضيوفكم والتقطوا الصور التي ستبقى ذكرى جميلة لأولادكم وأحفادكم لكن لا تجعلوا ليلة الفرح أثقل من سنوات الزواج !

خذوا من حاضرنا جماله وتنظيمه وخذوا من ماضينا بساطته وتكافله ، دعونا نعيد للعرس معناه ، يوما يجتمع فيه الناس ليعينوا بيتا جديدا على الوقوف لا يوما نستعرض فيه أمام الناس قدرتنا على الإنفاق

ولعل السؤال الذي يستحق أن يبقى معنا بعد انتهاء العرس وانطفاء آخر ضوء في القاعة هو : متى تحولنا من مجتمع كان يساعد العروسين على بناء بيتهما إلى مجتمع قد يحتاج العروسان بعد إرضائه إلى من يساعدهما؟
فالعرس ساعات أما البيت فعُمر ، والناس يغادرون القاعة آخر الليل ويبقى العروسان وحدهما أمام الحياة ! فهل نبني لأبنائنا بيتا أم نبني لهم ليلة؟
كان الله في عون شبابنا ، فالحواجز كثير والاعباء عظيمة والمستقبل ضبابي لا نعلم ماذا ينتظرهم !
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم