النسور يكتب: الثانوية العامة .. من يكتب مستقبلها؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7432
  النسور يكتب: الثانوية العامة ..  من يكتب مستقبلها؟
الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور

الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور

بعد ظهور نتائج الثانوية العامة والقبول الموحد، أعتقد أن الوقت مناسب لأن نتوقف قليلا أمام تجربة الثانوية العامة، لا لنتحدث عن المعدلات وحدها، ولا عن عدد المقبولين في هذا التخصص أو ذاك، بل لنسأل سؤالا أعمق: هل النظام الذي نعمل به اليوم هو النظام الذي نريد أن نتركه لأبنائنا؟


هذه ليست قضية وزير أو حكومة، وإنما قضية تمس كل بيت أردني. فالعلامة التي يحصل عليها الطالب قد تحدد الجامعة التي يدخلها، والتخصص الذي يدرسه، وربما جزءا كبيرا من مستقبله.


الثانوية العامة الأردنية منذ تأسيسها عام 1963 لم تكن مجرد امتحان. أصبحت مع مرور السنوات معيارا وطنيا يعرفه الطالب والأسرة والمدرسة والجامعة. ولذلك فإن تطويرها أمر طبيعي، بل مطلوب، لأن التعليم لا يبقى ثابتا والعالم من حولنا يتغير.
لكن التطوير لا يعني أن نعيد تشكيل النظام في كل مرحلة.
ما نحتاجه اليوم هو أن نعرف أولا: ماذا نريد من الثانوية العامة؟ ماذا نريد أن تقيس؟ وهل العلامة التي يحصل عليها الطالب تعكس فعلا مستواه وقدراته، أم أنها أصبحت في بعض الحالات مجرد وسيلة لترتيب الطلبة عندما تتقارب معدلاتهم؟
نتائج القبول الموحد تضع هذه المسألة أمامنا بوضوح. عندما يكون آلاف الطلبة في معدلات متقاربة، قد يصبح الفرق في أجزاء بسيطة من العلامة سببا في حصول طالب على تخصص، وذهاب آخر إلى خيار مختلف.
وهنا لا بد من التفكير في تطوير أدوات القياس نفسها. ليس بإلغاء الثانوية العامة، وليس بتخفيض مستواها، وإنما بجعلها أكثر قدرة على قياس المعرفة والمهارات، وربما الاستفادة من أدوات أخرى تساعد في معرفة استعداد الطالب للتخصص الذي يتجه إليه.
لكن هناك سؤالا آخر لا يقل أهمية: من يقود هذا الملف؟
ليس كل من نجح في العمل الأكاديمي الجامعي بالضرورة هو الأقدر على إدارة منظومة التربية والتعليم. فإدارة جامعة أو كلية لها طبيعتها، وإدارة وزارة التربية والتعليم لها طبيعة مختلفة تماما. المدرسة، والمعلم، والمناهج، والامتحانات، والمديريات، والرقابة والتقويم؛ كلها ملفات تحتاج إلى خبرة متراكمة في الميدان.
ومن هنا أقول: لماذا لا نعطي أبناء وزارة التربية والتعليم فرصة أكبر في قيادة وزارتهم؟
لماذا لا يكون الوزير من رحم الوزارة، ممن بدأ من الميدان، وعرف المدرسة قبل المكتب، وعمل مع المعلمين والمديرين والمشرفين، وفهم تفاصيل العملية التعليمية من الداخل، ثم انتقل إلى موقع القرار؟
لا أقول ذلك انتقاصا من الأكاديميين، فالأكاديمي له مكانته ودوره، وإنما لأن لكل موقع خبرته، ووزارة التربية والتعليم تحتاج إلى قيادة تعرف طبيعة هذا القطاع من الداخل.
معالي وزير التربية والتعليم وإدارة الموارد البشرية،
بعد نتائج هذا العام، أمامكم فرصة لأن نضع حدا لحالة التغيير المتكرر، وأن نبدأ بوضع قاعدة واضحة للثانوية العامة، تقوم على دراسة علمية وخبرة تربوية، ويشارك في صياغتها أهل الميدان والاختصاص.
نريد نظاما يعرف الطالب قواعده، ويفهم المعلم أهدافه، وتثق الأسرة بعدالته، وتستطيع الجامعات التعامل مع مخرجاته بثقة.
والأهم من ذلك، نريد أن يبقى هذا النظام بعد الوزير الذي وضعه.
فليس المطلوب أن يأتي كل وزير ليترك بصمته على الثانوية العامة، وإنما المطلوب أن يترك منظومة أقوى مما وجدها.
الثانوية العامة ليست ملفا إداريا عابرا. إنها شهادة وطن، ووراء كل علامة طالب وأسرة ومستقبل.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى أمامنا ليس: ماذا سنغير هذه السنة؟
بل: ماذا سنبني للأعوام والعقود المقبلة؟
فالمسؤول يتغير، والحكومة تتغير، أما أبناء الأردن فلا ينبغي أن يكونوا كل مرة أمام تجربة جديدة.
اتركوا الثانوية العامة لأهلها، واستمعوا إلى أهل الميدان، وابنوا نظاما لا يبدأ من جديد كلما تغير الوزير.
معالي وزير التربية والتعليم وإدارة الموارد البشرية،،،
بعد ظهور نتائج القبولات الجامعية، وبعد أن اتضحت ملامح المشهد التعليمي لهذا العام، لم يعد مقبولاً أن يبقى الحديث عن مصائر طلبة التوجيهي مجرد حديث عابر أو مؤجل. لقد آن الأوان للتفكير الجدي والعاجل في مستقبل هؤلاء الطلبة، لا سيما في ظل نظام الحقول الذي أربك الطلاب وذويهم على حد سواء، وألقى بظلال من القلق والتوتر على مستقبلهم الأكاديمي والمهني.
إن ما شهدناه هذا العام من ارتباك في عملية القبول، ومن حالة من عدم اليقين سيطرت على الطلبة وأسرهم، يستدعي وقفة صادقة ومراجعة شاملة لهذا النظام. فالطلبة الذين أفنوا سنوات في التحصيل والاجتهاد، وجدوا أنفسهم أمام خيارات محدودة، أو ربما أمام أبواب موصدة لم تكن في الحسبان، ما ولّد لديهم شعوراً بالظلم والإحباط، وزرع في نفوس ذويهم القلق على مصير أبنائهم.
إن الوزارة، بوصفها الجهة المسؤولة عن رسم السياسات التعليمية، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحرك السريع لمعالجة هذه الإشكالات، ووضع حلول عملية تضمن حقوق الطلبة، وتفتح أمامهم آفاقاً حقيقية للتعليم الجامعي الذي يطمحون إليه. كما أن المراجعة الشاملة لنظام الحقول، وإعادة تقييمه بما يخدم مصلحة الطلبة أولاً، باتت ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل.
إن مستقبل آلاف الطلبة ليس رقماً يُضاف إلى إحصاءات القبول، بل هو أمانة في أعناقنا جميعاً. وحان الوقت لأن تترجم الوزارة أقوالها إلى أفعال، وأن تضع مصائر هؤلاء الطلبة في صميم أولوياتها، قبل أن يفوت الأوان.

حمى الله الأردن، وأدام على وطننا أمنه واستقراره، وحفظ قيادته الهاشمية، ليبقى الأردن كما عهدناه ثابتا على مواقفه، عزيزا بأهله، شامخا بتاريخه، وماضيا بثقة نحو المستقبل.

الدكتور جاسر عبد الرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وادارة الأزمات
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم