د. هيثم علي حجازي يكتب: إصلاح القطاع العام يبدأ من الداخل: مَن ينصف الموظف الحكومي؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 16764
د. هيثم علي حجازي يكتب: إصلاح القطاع العام يبدأ من الداخل: مَن ينصف الموظف الحكومي؟
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

تتحدث الحكومات كثيراً عن تحديث القطاع العام، وتطوير الخدمات، والتحول الرقمي، ورفع كفاءة المؤسسات، وهي أهداف ضرورية لأي مشروع إصلاحي جاد. غير أنّ سؤالاً جوهرياً لا يزال بحاجة إلى اهتمام أكبر: كيف يمكن إصلاح الإدارة العامة دون إصلاح العلاقة بين المؤسسة الحكومية وموظفيها؟ وكيف نطالب الموظف بالمبادرة والإبداع والتميز، بينما قد يفتقر في بيئة عمله إلى العدالة والتقدير والأمان المهني؟
إنّ إصلاح القطاع العام لا يتحقق بمجرد تحديث التشريعات، أو إعادة هيكلة المؤسسات، أو إطلاق المنصات الإلكترونية، بل يبدأ مِن مراجعة الثقافة الإدارية التي تحكم العلاقة بين المسؤول والموظف. فالمشكلة في بعض المؤسسات الحكومية ليست دائماً نقصاً في الخطط أو الأنظمة أو التكنولوجيا، وإنما استمرار ممارسات إدارية تنظر إلى الموظف باعتباره منفذاً للتعليمات، لا شريكاً في تحقيق الأهداف وصناعة الخدمة العامة. وهي ممارسات قد تطالبه بالانتماء دون أنْ توفر له العدالة، وبالمبادرة دون أنْ تحمي حقه في الاختلاف، وبالتميز بينما تظل بعض القرارات المتعلقة بمستقبله المهني خاضعة للاجتهادات الشخصية والعلاقات وموازين النفوذ.
مِن هنا، فإنّ "إدارة علاقات الموظفين" ليست شأناً إدارياً هامشياً يقتصر على تنظيم الدوام والإجازات والعقوبات وتقييم الأداء، بل قضية ترتبط بكفاءة الدولة وقدرتها على تقديم خدمات عادلة وفاعلة. فالموظف الحكومي هو الذي يترجم السياسات إلى خدمات، والقرارات إلى إجراءات، والخطط إلى نتائج ملموسة. وحين يعمل في بيئة يسودها الظلم أو التهميش أو الخوف، فإنّ آثار ذلك لا تتوقف عند حدود المؤسسة، بل تمتد إلى المواطن الذي يتلقى خدماتها.
ولعل أول ما يحتاج إليه إصلاح هذه العلاقة هو إعادة الاعتبار لمفهوم العدالة الإدارية. فقد تمتلك المؤسسة أنظمة وتعليمات تنظم أدق التفاصيل، لكن كثرة النصوص لا تعني بالضرورة عدالة التطبيق. فقد يكون القرار الإداري سليماً مِن الناحية الشكلية ومستوفياً لجميع الإجراءات، لكنه يفتقر إلى الإنصاف في دوافعه أو توقيته أو طريقة تنفيذه. والإدارة الرشيدة لا تكتفي بالسؤال عما إذا كان القرار جائزاً قانونياً، بل تتساءل أيضاً عما إذا كان عادلاً، ويستند إلى معايير موضوعية، ويطبق على الجميع دون استثناء. وتبدأ المشكلة عندما تطبق الأنظمة بصرامة على موظف وبمرونة على آخر، وعندما يصبح القرب مِن المسؤول أكثر تأثيراً مِن الكفاءة، وتتوزع فرص التدريب والترقية واللجان والتكليفات وفق اعتبارات غير معلنة. وقد تتخذ هذه الاختلالات صورة أخرى حين يتحمل الموظف المجتهد أعباء إضافية لمجرد أنّ الإدارة تعرف قدرته على الإنجاز، بينما يُعفى الموظف الأقل التزاماً مِن بعض المسؤوليات تجنباً للمواجهة معه. وهكذا يدفع المجتهد ثمن اجتهاده، بينما قد يحصل المقصر على امتياز غير مستحق. وعندما تتكرر هذه الممارسات، تتشكل لدى الموظفين قناعة بأنّ الجهد الإضافي لا يضمن التقدير، وأنّ المبادرة قد تتحول إلى عبء، وأنّ التميز لا يعني بالضرورة التقدم المهني. والنتيجة ليست مجرد تراجع في الرضا الوظيفي، بل إضعاف روح المبادرة، وتشجيع الاكتفاء بالحد الأدنى مِن الأداء، وتحويل الموظف مِن شخص يسعى إلى الإنجاز إلى شخص ينشغل بحماية نفسه وتجنب المشكلات.
غير أنّ الحديث عن العدالة الإدارية يبقى ناقصاً ما لم يمتد إلى مساءلة القيادات نفسها. ففي بعض المؤسسات تتركز إجراءات المساءلة على الموظفين، بينما قد تبقى أساليب المديرين وممارساتهم بعيدة عن التقييم الحقيقي. فإذا تراجع أداء وحدة إدارية، كان التفسير الجاهز أنّ الموظفين غير ملتزمين أو يقاومون التغيير، وإذا تكررت الخلافات وُصف الفريق بأنه صعب أو غير متعاون، أما السؤال عن دور المدير في إنتاج هذه البيئة فكثيراً ما يجري تجاهله. فقد يكون المدير متمكناً مِن الناحية الفنية، لكنه يفتقر إلى مهارات إدارة البشر، وقد ينجح في إعداد التقارير ومتابعة المعاملات، لكنه يفشل في التواصل والاستماع وإدارة الخلافات. والأخطر أنْ يخلط بين القيادة وممارسة السلطة، وبين الانضباط والصمت، وبين الاحترام والخوف، فينظر إلى الموظف الذي يناقش القرار باعتباره مشاغباً، وإلى النقد المهني باعتباره تحدياً لهيبته الإدارية.
في مثل هذه البيئة، يتعلم الموظفون أنّ الصمت أكثر أماناً مِن إبداء الرأي، وأنّ الموافقة أسهل مِن المناقشة، حتى عندما تكون لديهم ملاحظات قد تمنع خطأً إدارياً أو تحسِّن قراراً مؤسسياً. وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الإدارة غير الرشيدة، وهي الصمت الوظيفي، الذي لا يعكس بالضرورة رضا الموظفين أو اقتناعهم بالقرارات، بل قد يكون تعبيراً عن خوفهم مِن العواقب المحتملة للاعتراض أو فقدانهم الثقة بجدوى التعبير عن آرائهم. ولذلك، فإنّ انخفاض عدد الشكاوى لا ينبغي أنْ يفسر تلقائياً بوصفه مؤشراً على الرضا والاستقرار، فقد يكون أيضاً نتيجة لتراجع الثقة بقنوات التظلم. والمؤسسة التي لا تسمع النقد قد تفقد قدرتها على اكتشاف أخطائها وتصحيحها، والقيادة التي تحيط نفسها بمن يوافقونها دائماً قد تصبح معزولة عن الواقع الفعلي داخل مؤسستها. وحين يختار الموظفون الصمت، تتراجع المبادرات، ويتم إخفاء الأخطاء، ويصبح الهدف الأساسي تجنب المسؤولية بدلاً مِن تحسين الأداء.
مِن هنا، لا يكفي أنْ يُقيَّم المدير وفق سرعة إنجاز المعاملات أو حجم الإنفاق أو مدى تنفيذ الخطة السنوية، بل ينبغي أنْ يشمل تقييمه مستوى الثقة داخل المؤسسة، وعدالة توزيع المهام والفرص، وقدرته على الاحتفاظ بالكفاءات، وطبيعة الشكاوى المتكررة المرتبطة بأسلوبه، ومدى شعور الموظفين بالأمان عند التعبير عن آرائهم. ومِن غير المنطقي أنْ يمتلك المدير وحده سلطة تقييم موظفيه، بينما لا تتوافر لهؤلاء وسيلة مهنية وآمنة لتقييم ممارساته الإدارية وأثرها في بيئة العمل.
وترتبط بهذه القضية مشكلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في أنظمة تقييم الأداء. فمن المفترض أنْ يكون التقييم وسيلة لتطوير الموظف وتحسين إنتاجيته، لكنه قد يتحول أحياناً إلى إجراء سنوي شكلي أو أداة للمجاملة أو وسيلة لتصفية الخلافات الشخصية. وقد يحصل موظفون متفاوتون في أدائهم على تقديرات متشابهة، بينما يمنح آخرون تقديرات لا تعكس إنجازهم الفعلي، دون أنْ يعرف الموظف أسباب النتيجة التي حصل عليها أو المعايير التي استند إليها مديره. إنّ التقييم الذي لا يستطيع المدير تفسيره يفتقر إلى المهنية، والتقييم الذي يتأثر بالخلافات الشخصية يفقد مصداقيته، أما التقييم الذي لا يوفر للموظف حقاً فعلياً في المراجعة والاعتراض فقد يتحول مِن وسيلة للتطوير إلى أداة للضغط والسيطرة. ولذلك، فإنّ إصلاح منظومة تقييم الأداء ينبغي أنْ يرتبط بإصلاح منظومة تقييم القيادات نفسها، بحيث يخضع الطرفان لمعايير واضحة وموضوعية، وتصبح المساءلة مسؤولية مشتركة لا سلطة تمارس في اتجاه واحد.
وتبرز أهمية العدالة والمساءلة بصورة أوضح في أنظمة الشكاوى والتظلمات. فوجود منصة إلكترونية أو صندوق للشكاوى لا يعني بالضرورة أنّ الموظف يشعر بالأمان عند استخدامه. فالقيمة الحقيقية لأي نظام تظلُّم لا تقاس بعدد القنوات المتاحة، بل بمقدار ثقة الموظفين في نزاهتها واستقلاليتها وقدرتها على حمايتهم. فالموظف لن يتقدم بشكوى إذا كان يعلم أنها ستعود إلى المدير نفسه الذي يشتكي منه، ولن يعترض على قرار إذا كان يخشى أنْ يدفع ثمن اعتراضه في تقييم أدائه أو فرص ترقيته أو نقله مستقبلاً. وقد لا يتعرض لعقوبة مباشرة بسبب شكواه، لكنه قد يواجه أشكالاً غير معلنة مِن العقاب الإداري، كتهميشه تدريجياً، أو استبعاده مِن اللجان وفرص التدريب، أو تغيير مسؤولياته، أو التشدد المفاجئ في تقييم أدائه. وقد تبدو كل ممارسة مِن هذه الممارسات مشروعة إذا نُظر إليها بصورة منفردة، لكنها قد تشكل في مجموعها عقوبة مقنّعة يصعب إثباتها.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أنْ يتحول النقل الإداري إلى الحل الأسهل لكل خلاف وظيفي. ففي بعض الحالات يُنقل الموظف المتضرر بدلاً مِن معالجة الأسباب الحقيقية للمشكلة، بينما يبقى المسؤول الذي تسبب فيها في موقعه. وهكذا لا تعالج المؤسسة الخلل، بل تنقله إلى موظف آخر، وتبعث برسالة سلبية مفادها أنّ تقديم الشكوى قد يكلف الموظف موقعه، بينما لا يتحمل المتسبب بالمشكلة تبعات سلوكه. ولهذا، فإنّ ضمان حق التظلم يتطلب وجود جهات محايدة، وإجراءات واضحة، ومدد زمنية محددة للبت في الشكاوى، وضمانات فعلية لحماية السرية ومنع الانتقام الإداري، إلى جانب مساءلة المسؤول الذي يثبت تعسفه. ولا يعني ذلك افتراض صحة كل شكوى أو اعتبار كل قرار مخالف لرغبة الموظف قراراً تعسفياً، فالعدالة تقتضي أيضاً حماية المسؤول مِن الاتهامات غير المستندة إلى أدلة، وضمان حق جميع الأطراف في الاستماع والدفاع والمراجعة.
ولا يمكن فصل هذه المشكلات عن ضعف الاتصال المؤسسي وغياب الشفافية في بعض القرارات الإدارية. فمن المفارقات أنْ تطالب المؤسسة موظفيها بالشفافية والمساءلة، بينما تتخذ أحياناً قرارات تمس مستقبلهم المهني دون تقديم تفسير كافٍ. فقد يسمع الموظف بقرار نقله أو تغيير مسؤولياته مِن زملائه، أو يقرأ خبراً عن إعادة هيكلة وحدته الإدارية قبل أنْ تبلغه مؤسسته رسمياً، ثم تتساءل الإدارة عن أسباب انتشار الإشاعات وتراجع الثقة. والحقيقة أنّ الإشاعات غالباً ما تنمو في الفراغ الذي تتركه الإدارة عندما تغيب المعلومة الرسمية. فالاتصال المؤسسي الفاعل لا يعني إصدار تعميم مقتضب بعد اتخاذ القرار، بل يقتضي شرح أسبابه، وتوضيح آثاره، وإتاحة الفرصة للموظفين للتعبير عن مخاوفهم وملاحظاتهم. ولا تنتقص الشفافية مِن سلطة الإدارة، بل تعزز الثقة بقراراتها وتساعد على تنفيذها، بينما قد تحقق إدارة الموظفين بمنطق المفاجأة والغموض انضباطاً ظاهرياً، لكنها تزرع شعوراً دائماً بعدم الأمان وتضعف الانتماء المؤسسي.
وفي قلب هذه المنظومة تقف إدارات الموارد البشرية، التي يفترض أنْ تكون الضامن المهني لسلامة الإجراءات وعدالة القرارات المتعلقة بالعاملين. غير أنّ بعضها لا يزال يمارس دوراً تنفيذياً محدوداً يقتصر على حفظ الملفات وإعداد الكتب الرسمية وتنفيذ تعليمات الإدارة العليا، دون امتلاك القدرة المؤسسية الكافية لمراجعة القرارات أو الاعتراض عليها عندما تستدعي الحاجة ذلك. وعندما تتحول إدارة الموارد البشرية إلى جهة تبحث عن المبررات الإجرائية للقرار بدلاً مِن تقييم عدالته وسلامته، فإنها تفقد جزءاً أساسياً مِن دورها. فالمطلوب ليس إدارة تبرر كل ما يقرره المسؤول، بل إدارة تمتلك المهنية والاستقلالية التي تمكنها مِن التنبيه إلى القرار غير المنصف، أو التقييم المتحيز، أو النقل الذي يحمل طابعاً عقابياً، أو الممارسات الإدارية التي تستوجب المراجعة والمساءلة. ولذلك، فإنّ تطوير إدارات الموارد البشرية يجب أنْ يتجاوز تحديث أنظمتها الإلكترونية، ليشمل تمكينها مهنياً، وتعزيز كفاءات العاملين فيها، وإشراكها في صناعة القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالموظفين، وتحويلها مِن وحدات لتنفيذ الإجراءات إلى شريك مؤسسي في تحقيق العدالة وتحسين بيئة العمل.
وحتى التحول الرقمي، على أهميته بوصفه ركيزة أساسية لتحديث القطاع العام، لا يستطيع وحده معالجة الاختلالات المرتبطة بالثقافة الإدارية. فرقمنة الإجراء غير العادل لا تجعله عادلاً، وتحويل الشكاوى إلى منصة إلكترونية لا يمنح الموظف شعوراً بالأمان إذا كان لا يثق بالجهة التي ستنظر فيها، كما أنّ تحويل تقييم الأداء إلى نظام رقمي لا يلغي بالضرورة تحيز المدير، بل قد يمنحه مظهراً تقنياً يوحي بالموضوعية. وإذا لم تسبق الرقمنة مراجعة حقيقية للسياسات والإجراءات والثقافة التنظيمية، فقد ننتهي إلى بناء أنظمة تكنولوجية حديثة تدير الممارسات الإدارية القديمة نفسها، ولكن بسرعة وكفاءة أكبر. فالتحول الرقمي الحقيقي لا ينبغي أنْ يقتصر على أتمتة الإجراءات، بل يجب أنْ يسهم في تعزيز الشفافية، وتقليل التدخلات الشخصية غير المبررة، وتوثيق القرارات وأسبابها، وتوفير آليات عادلة وقابلة للتتبع للمراجعة والتظلم.
إنّ معالجة هذه الاختلالات لا تتطلب بالضرورة استحداث مزيد مِن الهياكل الإدارية واللجان، بقدر ما تتطلب إرادة مؤسسية لتغيير طريقة إدارة الموارد البشرية، والانتقال مِن ثقافة السيطرة على الموظفين إلى ثقافة الشراكة والمسؤولية المتبادلة. ويبدأ ذلك بمراجعة معايير اختيار القيادات الإدارية، بحيث لا تقتصر على الأقدمية والخبرة الفنية، بل تشمل القدرة على إدارة الأفراد، والتواصل، وحل النزاعات، وبناء فرق العمل، وتعزيز العدالة التنظيمية. كما يتطلب ربط تقييم أداء القيادات بمؤشرات تعكس جودة البيئة الإدارية التي توفرها لموظفيها، وإنشاء آليات مستقلة ومحايدة للنظر في شكاوى العاملين، ومنع استخدام النقل والتقييم والتهميش أدواتٍ للعقاب غير المعلن، ونشر معايير واضحة للترقية والتدريب والتكليف وتوزيع الفرص.
ومِن المهم أيضاً إجراء استطلاعات دورية وسرية لقياس مستويات الرضا والثقة والأمان الوظيفي داخل المؤسسات الحكومية، على أنْ تخضع نتائجها للتحليل الجاد، وتتحول إلى خطط للتحسين وقرارات للمساءلة، لا إلى تقارير إدارية تحفظ في الأدراج. ولعل الخطوة الأكثر أهمية في هذا المسار هي إدراك أنّ حماية حقوق الموظف لا تتعارض مع الانضباط الإداري أو جودة الأداء. فالعدالة لا تعني التساهل مع المقصر، والمساءلة لا تعني التضييق على المجتهد، واحترام الموظف لا يعني إعفاءه مِن مسؤولياته، وإنما تعني الإدارة الرشيدة تطبيق المعايير ذاتها على الجميع، ومكافأة الإنجاز، ومحاسبة التقصير، وضمان ممارسة السلطة الإدارية في إطار القانون والإنصاف والمسؤولية.
إنّ تحديث القطاع العام لا يبدأ بتغيير أسماء المؤسسات، ولا بإعادة رسم الهياكل التنظيمية، ولا بإطلاق المزيد مِن المنصات الإلكترونية، وإنما يبدأ بإعادة بناء الثقة بين المؤسسة وموظفيها، وبأنْ يشعر الموظف أنّ القانون يطبق على الجميع، وأنّ كرامته ليست خاضعة لمزاج المسؤول، وأنّ اعتراضه المهني لن يتحول إلى تهمة، وأنّ جهده سيقدَّر وفق معايير عادلة وواضحة، وأنّ المؤسسة التي تطالبه بتحمل مسؤولياته قادرة أيضاً على حمايته مِن التعسف وإنصافه عند وقوع الظلم. فلا يمكن مطالبة الموظف بالمبادرة بينما يُعاقب على الاختلاف، ولا مطالبته بالانتماء بينما يشعر بالتهميش، ولا مطالبته بالتميز في بيئة قد تكافئ الصمت أكثر مما تكافئ الكفاءة.
وخلاصة القول إنه حين تدرك المؤسسات الحكومية أنّ موظفيها ليسوا مجرد أرقام في جداول الموارد البشرية، وإنما هم رأس مالها الحقيقي وشركاؤها في صناعة الخدمة العامة، وحين تعمل على "إدارة علاقات الموظفين" بشكل كفؤ فإنها تكون قد وضعت قدمها على الطريق الصحيح للإصلاح. والإصلاح الذي لا يصل إلى العلاقة بين المسؤول والموظف سيظل إصلاحاً ناقصاً، مهما بلغت حداثة تشريعاته وأنظمته ومنصاته. والقطاع العام الذي لا يستطيع إنصاف موظفيه، سيجد صعوبة حقيقية في إنصاف المواطنين الذين وُجد لخدمتهم.
*رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم