فيصل تايه يكتب: القبول الموحد: ما وراء أرقام القبول والحدود التنافسية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8985
فيصل تايه يكتب: القبول الموحد: ما وراء أرقام القبول والحدود التنافسية
فيصل تايه

فيصل تايه

قد يكون الرقم الأكثر إثارة في نتائج القبول الموحد هذا العام ليس عدد المقبولين، ولا حتى الحدود التنافسية التي تصدرت المشهد، وإنما تلك المسافة الصغيرة جداً التي باتت تفصل بين الطلبة عند قمة سلم المنافسة.

فحين تقترب المعدلات من الكمال، لا تعود أعشار العلامة فروقاً رقمية صغيرة؛ إذ يمكن أن تصبح فاصلاً بين جامعة وأخرى، أو بين تخصص وآخر، وربما بين مسار تعليمي تستطيع الأسرة تحمّل كلفته ومسار آخر يضيف إلى أعبائها.

ولهذا، فإن قراءة نتائج القبول الموحد لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: كم طالباً قُبل؟ وأين توقفت الحدود التنافسية؟ فالأرقام، مهما بدت واضحة، لا تقول كل شيء. خلفها قصة عن طبيعة المنافسة، وعن معنى العلامة، وعن الطريقة التي نقيس بها تعلم أبنائنا، ثم نستخدم العلامة نفسها لترتيبهم.

وحسب الأرقام المعلنة، تقدم ٧١٬٠١٤ طالباً وطالبة إلى القبول الموحد هذا العام، رُشّح منهم ٤٦٬٣٥٥، أي نحو ٦٥٪ من المتقدمين، مقابل نحو ٦٢٪ في العام الماضي و٦٨٪ في العام الذي سبقه. كما حصل أكثر من ٥٦٪ من الطلبة المرشحين على أحد خياراتهم الخمسة الأولى، فيما بقي نحو ٣٥٪ من المتقدمين من دون ترشيح لأي من خياراتهم.

والرقم الأخير يستحق التروي قبل أن يتحول إلى حكم. فعدم ترشيح الطالب لا يعني أنه غير قادر على الدراسة الجامعية، وإنما يعني أنه، وفق ترتيب رغباته والحدود التنافسية وعدد المقاعد المتاحة، لم يصل إلى مقعد في الخيارات التي تقدم بها.

وبين الأمرين فرق لا ينبغي أن تغفله لغة الأرقام؛ لأن نتيجة القبول قد تحدد موقع الطالب في المنافسة، لكنها لا تختصر قدرته ولا مستقبله.

وهذا العام مختلف في سياقه عن الأعوام السابقة. فنحن أمام أول دفعة تتخرج في ظل نظام الثانوية العامة الجديد الذي وُزعت فيه الدراسة على عامين، مع اختلاف في توزيع العلامات وطبيعة المنافسة، إلى جانب تعدد مسارات القبول الجامعي. ولذلك فإن ما نراه اليوم عند بوابة الجامعة هو، في جانب منه، نتيجة لطريقة جديدة في الوصول إليها.

وعندما نصل إلى التخصصات الأعلى طلباً، تصبح المسألة أكثر حساسية. فقد بلغت الحدود التنافسية للطب هذا العام ٩٩٫٣ في الجامعة الأردنية، و٩٩٫٠ في جامعة العلوم والتكنولوجيا، و٩٨٫٤ في الجامعة الهاشمية، و٩٨٫١ في اليرموك، و٩٧٫٩ في البلقاء التطبيقية، و٩٧٫٦ في مؤتة، كما ارتفعت الحدود التنافسية في طب الأسنان والصيدلة ودكتور الصيدلة مقارنة بالعام السابق.

هذه الأرقام تقول إن المنافسة عند القمة أصبحت أكثر ضيقاً وحساسية، لكنها لا تقول وحدها إن مستوى التعلم ارتفع بالمقدار نفسه.

فالحد التنافسي ليس علامة مستقلة على مستوى الطالب، وإنما هو آخر نقطة يصل إليها ترتيب المتقدمين حين يكون الطلب على مقاعد تخصص ما أكبر من عدد المقاعد المتاحة.

ومع ارتفاع العلامات واقتراب أعداد أكبر من الطلبة من سقفها الأعلى، يصبح هذا الترتيب أكثر حساسية، وتصبح الأعشار قادرة على إحداث فارق يتجاوز بكثير حجمها الرقمي.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف: ارتفاع العلامات شيء، وارتفاع مستوى التعلم شيء آخر.
لكن لفهم ما حدث عند بوابة القبول، علينا أن نعود خطوة إلى الوراء، إلى العلامة التي صنعت هذه المنافسة أصلًا.

فقد أشارت البيانات الرسمية هذا العام إلى أن توزيع المعدلات أظهر ارتفاعاً في مستوياتها مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، فيما بلغت نسبة النجاح العامة في الثانوية العامة ٦٥٫٣٪. وهذه الدفعة هي الأولى التي خاضت تجربة نظام الثانوية الجديد على عامين، وهو ما يجعل قراءة الأرقام بمعزل عن السياق الذي أنتجها قراءة ناقصة.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: ماذا تقول لنا هذه الزيادة في المعدلات؟

هل أصبح الطلبة أكثر تعلمًا بالفعل، أم أن التغير في طريقة توزيع العلامات أسهم في رفع المعدلات؟ وهل تستطيع العلامة، عندما تقترب من الكمال، أن تظل أداة دقيقة لقياس الفروق الحقيقية في المعرفة والمهارات؟ أم أنها تصبح، مع الوقت، أكثر دقة في ترتيب الطلبة من كونها أكثر دقة في قياس ما تعلموه؟

فالعلامة تؤدي وظيفتين مختلفتين. هي في المدرسة وسيلة لقياس أداء الطالب، لكنها عند القبول الجامعي تتحول إلى أداة لترتيبه بين الآخرين. وكلما ضاقت الفروق بين الطلبة، ازدادت حساسية هذه الأداة، وصار عليها أن تميّز بين فروق صغيرة جداً، ثم تبني عليها قرارات كبيرة.
وهنا لا تعود الأعشار مجرد أعشار.

فالفارق بين ٩٩٫٣ و٩٩٫٠ قد يكون صغيراً في الحساب، لكنه كبير في أثره على مسار الطالب. وقد يجد طالب نفسه، بسبب بضعة أعشار، أمام جامعة أو تخصص مختلف، أو أمام خيار تعليمي أكثر كلفة على أسرته.

وفي مجتمع تصبح فيه معدلات القبول في القمة شديدة الارتفاع، لا يعود السؤال عن أهمية التفوق، بل عن مدى قدرة هذه الفروق الصغيرة على التعبير فعلًا عن فروق مماثلة في التعلم.

ولأن المنافسة لا تجري في فراغ، فإن العلامة تقودنا إلى سؤال المقاعد.

فبحسب الأرقام المعلنة، تم رفع مقاعد الطب في البرنامج العادي من ٦٤٠ إلى ٨٤٠ مقعداً ، كما ارتفعت مقاعد طب الأسنان من ٣٢٠ إلى ٤٠٠ ، ومع ذلك، ارتفعت الحدود التنافسية في الطب وطب الأسنان وبعض التخصصات الطبية الأخرى.

زيادة المقاعد، إذن، لم تكن كافية لخفض الحدود التنافسية؛ لأن المقعد لا يعيش منفرداً عن عدد المتقدمين، ولا عن علاماتهم، ولا عن رغباتهم.

فالحد النهائي هو حصيلة تفاعل هذه العناصر جميعاً: عدد المتقدمين، وتوزيع علاماتـهم، وترتيب خياراتهم، وعدد المقاعد في كل جامعة، وطبيعة التخصص، وحجم الإقبال عليه.

لكن المنافسة على المقاعد ليست كل الحكاية.
فالقبول الجامعي في الأردن لا يجري عبر مسار واحد يتقدم فيه الجميع إلى المقاعد نفسها وبالشروط نفسها. هناك مسارات قبول ومكرمات واستثناءات مختلفة، تشمل فئات متعددة، من أبناء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، إلى أبناء المعلمين، وسكان مناطق البادية، وبعض المدارس والمناطق ذات الظروف الخاصة وغيرها.

ومن هنا، فإن الحكم على عدالة القبول من خلال الحد التنافسي للبرنامج العادي وحده يظل حكماً على جزء من الصورة. فالرقم الذي يظهر في جدول القبول لا يمثل النظام كله، وإنما نتيجة داخل شبكة أوسع من القواعد والمسارات التي تحدد من ينافس، وعلى أي مقاعد، وتحت أي شروط.

وهذا يقود إلى سؤال أوسع: كيف تتوزع الفرص بين المسارات المختلفة؟ وهل تقود هذه المسارات، في نهاية المطاف، إلى فرص تعليمية ومهنية متقاربة، أم أن الفارق بينها يظهر بصورة أكبر بعد لحظة القبول؟

وهنا يأتي التعليم المهني، لا بوصفه ملفاً منفصلاً، وإنما بوصفه اختباراً آخر لفكرة القبول نفسها. فقد بلغت نسبة ترشيح طلبة المسار المهني نحو ٧٤٪، مقابل نحو ٦٦٪ في المسار الأكاديمي. والرقم لافت، لكنه لا يكفي وحده للحكم على نجاح المسار المهني أو تراجع المسار الأكاديمي.

الأهم يبدأ بعد الترشيح: أين يذهب هؤلاء الطلبة؟ هل يتجهون فعلاً إلى التخصصات التطبيقية والتقنية التي يفترض أن يقود إليها المسار؟ كم منهم يستمر فيها؟ وكم منهم يغير تخصصه؟ وماذا يحدث لهم بعد التخرج عندما يصلون إلى سوق العمل؟

فهنا تحديداً تظهر قيمة النظر إلى التعليم بوصفه مساراً ممتداً، لا لحظة قبول. وأي إصلاح تعليمي لا ينبغي أن يُحاكم عند بوابة الجامعة فقط، بل في الجامعة، وفي معدلات الاستمرار والتخرج، وفي المهارات التي يكتسبها الطالب، ثم في قدرته على الانتقال إلى سوق العمل.

وقد نكتشف بعد سنوات أن مساراً بدا ناجحاً في جدول القبول لم يحقق كل ما كنا ننتظره منه، أو أن مساراً آخر حقق أثراً أكبر مما توحي به أرقامه الأولى. فالقبول بداية القصة، وليس نهايتها.

ولهذا، فإن نتائج القبول الموحد هذا العام تستحق أن تُقرأ أبعد من معدلات الطب والحدود التنافسية. فهي تكشف لنا شكل المنافسة، لكنها لا تكشف وحدها مستوى التعلم. وتبين لنا كيف توزعت المقاعد، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال عدالة الفرص. وتخبرنا من دخل الجامعة، لكنها لا تخبرنا بما يكفي عما سيحدث له بعد الدخول. وربما هنا تكمن المسألة الأهم.

فنحن نستخدم العلامة لقياس التحصيل، ثم نستخدمها لترتيب الطلبة، ثم نبني على هذا الترتيب قرارات قد تحدد تخصصهم وجامعتهم ومسارهم لسنوات طويلة.

وكلما اقتربت العلامات من بعضها، أصبحت مسؤولية النظام في التأكد من أن هذه الفروق تعكس فروقاً حقيقية في التعلم أكثر إلحاحاً ، فعندما يصبح الفرق بين طالب وآخر أعشاراً قليلة من العلامة، هل نكون قد أصبحنا أكثر دقة في قياس تعلمه، أم أصبحنا فقط أكثر دقة في ترتيب موقعه بين أقرانه؟

السؤال ليس عن قيمة العلامة، ولا عن أهمية التنافس، ولا عن حق المتفوق في الحصول على فرصة يستحقها. السؤال أعمق من ذلك: هل الأداة التي نستخدمها لترتيب الطلبة دقيقة بالقدر نفسه في قياس ما نريد فعلًا أن نقيسه؟

في رايي : إذا كانت غاية التعليم أن يتعلم الطالب، ويفكر، ويحل المشكلات، ويبني المعرفة والمهارات التي يحتاجها في حياته، فإن نجاح النظام لا ينبغي أن يقاس فقط بقدرته على إنتاج ترتيب أكثر دقة للطلبة.

وأخيراً وان اطلت ، فان النجاح الحقيقي يبدأ عندما تعكس هذه الأرقام تعلماً حقيقياً، وعندما تكون المنافسة أقرب إلى تكافؤ الفرص، وعندما تستطيع المسارات التعليمية المختلفة أن تقود الطلبة إلى مستقبل مهني أفضل، لا أن تكون مجرد طرق مختلفة للوصول إلى بوابة القبول.

وربما يكون هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا بعد أن تنتهي ضجة معدلات الطب والقبول الموحد:
هل أصبحنا أدق في قياس تعلم أبنائنا، أم أصبحنا فقط أدق في ترتيبهم؟

والله الموفق.

 

 

 

 

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم