العقاربة تكتب: الأردن ليس ساحة للمساومات

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 22855
العقاربة تكتب: الأردن ليس ساحة للمساومات
الدكتورة فاطمة العقاربة

الدكتورة فاطمة العقاربة

ردّاً على نتنياهو ورسالة الملك عبدالله الثاني من الأمم المتحدة

لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين مجرد خطاب سياسي عابر، بل كان رسالة أردنية واضحة إلى المجتمع الدولي بأن أمن الأردن وسيادته ومياهه وحدوده ليست ملفات قابلة للتفاوض، وأن الأردن لن يقف متفرجاً أمام أي تطورات إقليمية تمس مصالحه الوطنية أو تهدد استقراره.
وفي الوقت الذي وضع فيه جلالة الملك المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه ما يجري في غزة والضفة الغربية وجنوب سوريا، جاءت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سياق محاولة إعادة صياغة المشهد بما يخدم الرواية الإسرائيلية، بما في ذلك التعامل مع التحذيرات الأردنية وكأنها جزء من السجال السياسي، بينما هي في حقيقتها مرتبطة مباشرة بالأمن الوطني الأردني.
لقد كان جلالة الملك واضحاً عندما قال إن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو لأمنه المائي هو تهديد للأمن الوطني الأردني، مؤكداً أن المملكة ستحمي أمنها ومياهها ومصالح شعبها. وهذه ليست لغة تصعيد، وإنما لغة دولة تعرف حدود مسؤولياتها وتدرك طبيعة المخاطر المحيطة بها.
الأردن يتحدث من موقع الدولة لا من موقع الخصومة
لذلك المفارقة هي
أن الأردن لم يذهب إلى الأمم المتحدة بحثاً عن مواجهة مع أحد، بل حمل إلى المنصة الدولية موقفاً يقوم على الدبلوماسية والسلام واحترام القانون الدولي.
فالمملكة، كما أكد جلالة الملك، ما زالت مستعدة للحوار مع الجميع والعمل مع كل من يسعى إلى السلام، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن الانفتاح الدبلوماسي لا يعني التهاون في حماية المصالح الوطنية، ولا ينبغي تفسيره على أنه ضعف.
وهنا تكمن أهمية الرسالة الأردنية: السلام لا يعني الصمت، والدبلوماسية لا تعني التخلي عن السيادة، والانفتاح لا يعني قبول فرض الوقائع على الأرض.
جلالة الملك لم يكتفِ بالحديث عن غزة، بل وضع التطورات في الضفة الغربية وجنوب سوريا ضمن سياق إقليمي أوسع، محذراً من التوسع الإسرائيلي ومن فرض وقائع جديدة على الأرض، ومن التدخلات التي تقترب من الحدود الأردنية وتمس مصادر المياه.

وأكد أن ما يجري في جنوب سوريا يستحق انتباه المجتمع الدولي، وأن التوغلات والتوسع الجغرافي وفرض الوقائع الجديدة، بما في ذلك ما يرتبط بالموارد المائية، لا يمكن النظر إليها باعتبارها أحداثاً منفصلة عن الأمن الإقليمي.
وهذا تحديداً ما يجعل الحديث عن الأردن مختلفاً؛ فالأردن لا يتحدث عن قضية بعيدة جغرافياً عنه، بل عن حدود ومياه وأمنه الوطني .
إن محاولة تحويل الموقف الأردني إلى مجرد رد فعل سياسي لا تغير من حقيقة أساسية: الأردن دولة ذات سيادة، وحدوده ليست موضوعاً للنقاش السياسي الإسرائيلي، وأمنه المائي ليس ورقة في أي معادلة إقليمية.
والأردن الذي حافظ لعقود على معاهدة السلام مع إسرائيل، وعلى علاقاته الدولية والإقليمية، لم يتخلَّ يوماً عن حقه في حماية أمنه ومصالحه.
بل إن الاستقرار الذي تتمتع به المنطقة لا يمكن أن يُبنى على تجاهل مخاوف الدول المجاورة أو على فرض الأمر الواقع بالقوة. لذلك
فإن الرسالة التي خرجت من نيويورك لا تحتاج إلى تأويل كبير لان الأردن يريد السلام
لكنه يريد سلاماً يحترم السيادة والقانون والحقوق، ولا يقوم على التوسع أو الإقصاء أو فرض الوقائع بالقوة.
وفي ملف القدس، كان موقف جلالة الملك ثابتاً كذلك، حيث أكد استمرار الأردن في حمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.
وهذه ليست قضية رمزية بالنسبة للأردن، بل مسؤولية تاريخية ودينية وسياسية ارتبطت بالدور الهاشمي في القدس.
لذلك فإن أي محاولة للمساس بهذا الوضع أو تغيير قواعده لا يمكن فصلها عن الأمن والاستقرار الإقليميين.
من أهم الرسائل من خطاب جلالة الملك أن الأردن لا يبحث عن مواجهة عسكرية، بل يؤكد أن الحلول العسكرية لا تستطيع وحدها أن تصنع سلاماً مستداماً.
لكن في المقابل، فإن رفض الحرب لا يعني قبول التهديد.
والدبلوماسية الأردنية التي وصفها جلالة الملك بأنها تقوم على المبادئ والانفتاح والثبات، تستند إلى قاعدة واضحة: الأردن مستعد للعمل مع الجميع من أجل السلام، لكنه لن يتخلى عن أمنه أو مياهه أو مصالحه
الأردن مع السلام، مع حل الدولتين، مع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ومع القانون الدولي؛ لكنه في الوقت ذاته مع حماية حدوده وأمنه المائي ومصالحه الوطنية.
أما الرسائل التي تحاول تصوير الأردن وكأنه جزء من المشكلة، أو تحميله نتائج الأزمات التي صنعتها سياسات الآخرين، فلن تغير من حقيقة أن المملكة تتعامل مع الملفات الإقليمية من منطلق مصالحها الوطنية وثوابتها السياسية.
لقد تحدث الأردن من على منبر الأمم المتحدة بلغة الدولة التي تعرف ماذا تريد وماذا ترفض.
فالأمن الإقليمي لا يُبنى بالتوسع، والسلام لا يصنعه فرض الأمر الواقع، والاستقرار لا يتحقق عندما تُطلب من الدول المجاورة أن تتحمل نتائج سياسات لا تصنعها.

أما الأردن، فسيبقى كما أكد جلالة الملك: وفياً لمبادئه، ثابتاً في مواقفه، منفتحاً على الحوار، ومستعداً للعمل مع كل من يسعى إلى السلام، دون أن يسمح لأحد بأن يخطئ في قراءة ثباته على أنه ضعف.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم