ايمان عكور تكتب: الأردن… يليق بك الفرح

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 18100
ايمان عكور تكتب: الأردن… يليق بك الفرح
إيمان عكور

إيمان عكور

كثيرًا ما أسمع من صديقاتي غير الأردنيات ملاحظة تتكرر بصيغ مختلفة:
«أنتم الأردنيين شعب احتفالي… عندكم لكل شيء تقريبًا مناسبة!»
وكل مرة أضحك. إلى أن فكرت فيها فعلًا.
ننجح في التوجيهي؟ نحتفل.
نتخرج من الجامعة؟ نحتفل.
يرجع ابن من الغربة؟ استقبال ولمّة وفرح. خطوبة، جاهة، حنّة، سهرة عريس، سهرة عروس، عرس، مولود جديد… وأحيانًا أشعر أننا لو وجدنا سببًا صغيرًا للفرح، نكبّره حتى يكفي العائلة والجيران ونصف الحارة.

نعم. نحن شعب يحب الفرح.
والأجمل أن هذه ليست صفة جديدة فينا، ولا عادة طارئة جاءت مع زمن المهرجانات ومنصات التواصل.
قبل المسارح والإضاءة والتذاكر وفرق التنظيم، عرف أجدادنا كيف يصنعون فرحهم بأيديهم.
كان هناك السامر والهجيني والشروقي والدبكة والربابة والمجوز. كانت الساحات مسارح، وكانت المضافات تتسع للغناء كما تتسع للحديث والقهوة والضيف.
لم يكن أحد يسأل يومها إن كان الفرح يليق بهويتنا.
كان الفرح جزءًا من الهوية نفسها.

ثم كبر الأردن، وكبرت مدنه، وتغير شكل الحياة. دخل الراديو إلى البيوت، ثم التلفزيون، وجاء المسرح والمهرجان والحفل والفرقة الموسيقية. تغير شكل الفرح…
لكنه لم يغادرنا.
والأطرف فينا أننا لا نحتاج حتى إلى أغنية راقصة كي نرقص. نحن قادرون تقريبًا على الدبكة على أي شيء.
كم مرة بدأت في عرس أو مناسبة أغنية وطنية، فنهضت القاعة كلها؟
وإذا كانت الأغنية للجيش، او الملك فالموضوع محسوم:
تصفيق ودبكة وهيصة، وقد ينسى العريس للحظات أنه العريس ويصبح قائد الصف !
وقد شاهدت بنفسي دهشة أصدقاء أجانب وهم يرون الأردنيين يرقصون بحماس على أغنية وطنية تتحدث عن الجيش.
بالنسبة إليهم كان المشهد غريبًا.
أما بالنسبة إلينا فكان طبيعيًا جدًا.
فنحن لا نضع الوطن في صندوق المناسبات الرسمية.
نغني له. نزغرد له. ندبك له.
ونأخذه معنا حتى إلى أعراسنا.
ربما لا توجد شعوب كثيرة تستطيع أن تجعل أغنية للجيش جزءًا من ليلة عرس… لكننا نفعلها.
وهذا وحده يكفي ليقول شيئًا عن علاقتنا الغريبة الجميلة بالفرح.
لكن… متى أصبح علينا أن نعتذر لأننا نفرح؟
في السنوات الأخيرة بدأت ألاحظ شيئًا يقلقني أكثر من أي حفلة أو مهرجان أو احتفال. بدأ البعض يتعامل مع الفرح نفسه وكأنه موقف سياسي أو أخلاقي يحتاج إلى تبرير.
إذا احتفل الناس، جاء من يسأل:
كيف تفرحون وهناك من يتألم؟
إذا أقيم مهرجان: أهذا وقته؟
إذا غنى الناس: أين إحساسكم؟
وإذا امتلأت ساحة بالضحك والموسيقى: يظهر من يربط المشهد كله بالوطنية والكرامة والانتماء.
وكأن المواطن الجيد يجب أن يبدو حزينًا طوال الوقت حتى يثبت أنه مواطن جيد.
وكأن الضمير لا يعمل إلا في الوجوه العابسة.
وفلسطين؟؟؟
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية.
نعرف ماذا تعني فلسطين للأردن.
نعرفها في بيوتنا وذاكرتنا ووجداننا، ونعرف حجم الألم الذي دخل بيوت الأردنيين وهم يشاهدون ما يحدث هناك وعلى مدى عقود..
لكنني أرفض فكرة غريبة بدأت تتسلل إلى خطاب البعض:
أن علينا أن نتوقف عن الحياة حتى نثبت أننا نتألم.
هل إذا أقام أردني عرس ابنه صار أقل إحساسًا بغزة؟ هل إذا نجح طفل واحتفلت عائلته به خان القضية؟ هل إذا امتلأ مسرح أو أقيم مهرجان أو ضحك الناس مساءً، فهذا يعني أنهم نسوا من يتألم على بعد أميال منهم؟
من قال إن القلب يعمل بهذه الطريقة؟ نحن نستطيع أن نحزن ونفرح في القلب نفسه.
أن نبكي على طفل لا نعرفه في غزة، ثم نضحك مع طفلنا في البيت.
أن نتبرع صباحًا، ونحضر عرسًا مساءً. أن نحمل وجع الآخرين دون أن ندفن حياتنا معهم.
فالإنسان ليس زرًا له وضعان:
إما حزن وإما خيانة.
وإذا كان تضامننا مع المظلوم يتطلب أن نتوقف نحن أيضًا عن الحياة، فإلى متى؟
حتى تنتهي الحروب في العالم؟
حتى يختفي الفقر؟
حتى لا يبقى طفل جائع على هذه الأرض؟
لو جعلنا الحزن شرطًا أخلاقيًا للحياة، فلن يحق لإنسان على هذا الكوكب أن يحتفل مرة أخرى.
الفرح ليس إنكارًا للألم . ربما مشكلتنا أننا وضعنا الفرح والحزن في جهتين متقابلتين، مع أنهما يسكنان الإنسان معًا.
الأم التي فقدت شخصًا عزيزًا قد تضحك بعد أيام. ليس لأنها نسيته.
بل لأنها ما زالت حيّة.
والشعب الذي مرّ بأزمات لا يصبح أكثر وفاءً لمعاناته إذا قرر أن يعيش في حداد دائم. الشعوب لا تقاوم فقط بالصبر والعمل. أحيانًا تقاوم أيضًا بقدرتها على العودة إلى الحياة. ولهذا لم أفهم يومًا لماذا يُعامل الفرح كأنه نقص في الوعي.
ولا لماذا أصبحت الموسيقى دليلًا على السطحية. ولا لماذا صار الضحك يحتاج إلى شهادة حسن سلوك. ولا لماذا يريد البعض أن يجعل الحزن هوية وطنية.
الأردن ليس بلدًا حزينًا. ولم يكن.
هو بلد عرف الصعب كثيرًا.
عاش في منطقة لم تمنحه ترف الهدوء طويلًا. حروب حوله، لجوء، أزمات اقتصادية، فقد، قلق، وضيق عيش. ومع ذلك…
بقي الناس يقيمون الأعراس.
ويغنون. ويدبكون. ويحتفلون بالتوجيهي وكأن صاحب المعدل اكتشف علاجًا لمرض مستعصٍ.
ويرفعون الكراسي أمام البيوت.
ويصنعون القهوة. ويقولون للجيران:
تفضلوا… الليلة عندنا فرح.
ربما هذه ليست خفة كما يعتقد البعض. ربما هذه واحدة من وسائلنا للبقاء.
والأخطر أن الوصاية على الفرح لم تعد تقف عند حدود: «هذا لا يعجبني»، بل صار البعض يستدعي الدين ليمنح رأيه سلطة على الآخرين؛ فيحدد كيف نفرح، وما الذي نسمعه، وأين نذهب، وما الذي يليق بنا وما لا يليق.
ومن يختلف يصبح جاهزًا لاستقبال لائحة الاتهام: متمرد على الدين، خارج على القيم، قليل الأخلاق، وقد يصل الأمر عند بعضهم إلى التكفير.
وهنا يجب أن نقولها بوضوح:
الإيمان ليس أداة رقابة على حياة الآخرين، والتدين لا يمنح أحدًا وكالة عن الله.
من حقك أن تمتنع عمّا لا يتفق مع معتقدك، وأن تعبّر عن رأيك فيه، لكن ليس من حقك أن تجعل من معتقدك الشخصي محكمة، ومن نفسك قاضيًا، ومن المختلف متهمًا.
فالدين أسمى من أن يتحول إلى ذريعة لمصادرة الفرح، والقيم أقوى من أن تهددها أغنية..
الأردن… لا تعتذر عن فرحك
لا أريد أردنًا يشعر أبناؤه بالذنب لأنهم سعداء. ولا وطنًا نقيس فيه الانتماء بعدد الأيام التي عبسنا فيها.
ولا مجتمعًا يحتاج فيه الإنسان إلى تقديم كشف حساب أخلاقي قبل أن يضحك أو يغني أو يحتفل.
أريد أن يبقى فينا ذلك الشيء الذي لاحظته صديقاتي غير الأردنيات قبل أن نلاحظه نحن:
أننا شعب يعرف كيف يفرح.
نحزن عندما يجب أن نحزن.
نقف مع المظلوم.
نساعد حين نستطيع.
نغضب حين يستحق الأمر الغضب.
لكننا أيضًا نعيش.
لأن الحياة ليست خيانة لأحد.
والفرح لا يعني أن القلب بلا وجع.
والرقص لا يمحو الموقف.
والأغنية لا تلغي الضمير.
وقد يستطيع الإنسان، في اليوم نفسه، أن يحمل قضية وطن…
ويحمل طفلًا يرقص به في عرس.
لا تناقض في ذلك.
هذا هو الإنسان.
وهذا هو الأردن الذي أعرفه.
بلد يستطيع أن يحمل هموم منطقة كاملة على كتفيه… ثم يسمع أغنية وطنية في عرس، فيقوم ليدبك.
فلا تجعلوا الفرح تهمة.
ولا تجعلوا الحزن شهادة وطنية.
ولا تطلبوا من الأردن أن يعتذر لأنه ما زال يعرف كيف يعيش.
**الأردن… يليق بك الفرح.**
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم